العنوان التبديل الثقافي ضرورة شرعية
الكاتب طه جابر العلواني
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1986
مشاهدات 62
نشر في العدد 777
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-يوليو-1986
- أزمة الأمة الإسلامية هي أزمة فكر، وسائر الأزمات منعكسة عن هذه الأزمة.
- عملية الغزو الفكري عمدت إلى إدخال الفلسفات إلى الثقافة العربية فكانت نتيجة ذلك بعض الآثار الوخيمة.
لقد تعرضت أمتنا الإسلامية منذ قيامها وتبوئها مكانتها إلى أشد أنواع المقاومة وأقوى ضروب التحدي والكيد، فحيكت لها المؤامرات، ودست عليها الدسائس، وأعلنت عليها الحروب الشعواء، وسلطت عليها سائر أنواع الاعتداءات من نفسية واقتصادية وعسكرية، ولكن عناية الله كانت دائمًا تخرجها من كل هذه الحروب والمعارك أقوى عودًا وأصلب مراسًا وأشد متانة وإيمانًا، وأكثر ما تكون تشبثًا بدينها وعقيدتها. فقد وجه المشركون حرابهم إليها، ورفع الفرس والروم سيوفهم في وجهها، وانتصبت لها شياطين الإنس والجن كل يريد أن يوقعها في شباكه ويجرها إلى براثينه، وكشفت أفاعي الشر عن أنيابها باثة سمومها علها تفت في عضدها، إلا أنها امتشقت حسام الإيمان وتسلحت بالتقوى، فثلت العروش ودكت المعاقل وفرقت الجموع وحطمت الأوثان، وجابت أنحاء الأرض هادية مهدية، حتى أصبحت الدولة الأولى والأمة الوسط: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110) تعلو بالحق وتدك الباطل أنى كان.
ثم أتى زمان طال فيه عليها الأمد، فقست القلوب وجفت ينابيع الإيمان في النفوس، وخبت جذوة الحماس.. فبدأت تلك الغزوات والحروب تفعل فعلها وتحدث أثرها في كيان الأمة، فتنخر في بنائها وتوهن من قواها. إلا أن ذلك كله لم يستطع يومًا ما أن يحقق على هذه الأمة انتصارًا يشفي غليل أعدائها وينسيهم مرارة الهزائم المتلاحقة، فقد بقيت الأمة رغم ذلك كله صعبة المراس، قوية العود والشوكة، مما دعا أعداؤها إلى أن يديموا النظر ويعملوا الفكر ويقدحوا زناد الرأي لعلهم يتوصلون إلى ما يؤثر فيها ويضعف مقاومتها وقدرتها على الصمود ويوهن كيانها ويجردها من سلاحها الواقي ودرعها المتين. فكان أن تمخضت دراساتهم وتوصلت أذهانهم إلى أن أقوى سلاح كان بيد هذه الأمة والذي لم يخنها في موقف أو يخذلها في معركة، هو دينها. فقرروا الانطلاق من هذه النقطة، وأجمعوا أمرهم وأعوانهم من الإنس والجن على إضعاف صلة هذه الأمة بدينها أو على الأقل تغيير طبيعة فهمها له لتتحول صلتها به إلى صلة جامدة شكلية لا تؤتي ما كانت تؤتيه من حياة في قلوب وأرواح ونفوس شبابها.
فبدأت عمليات مختلفة يمكن أن نطلق عليها اسم «الغزو الفكري» عمدت إلى إدخال الفلسفة وما وراء الفلسفة من جدل ومراء، وعلم كلام وما جر إليه علم الكلام -بعد ذلك- من آثار وخيمة، وتأويلات دقيقة، وما تبع تلك التأويلات من تمزق وتشتت في الآراء وظهور شتى الأفكار والآراء الباطنية التي أشغلت علماء الأمة وعامتها عن الينابيع الصافية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعلتها -تلك الآراء- وما جرته وراءها من أحداث في عناء ما بعده عناء، كانت بعض نتائجها تلك الهزيمة الساحقة أمام التتار، وإذا كانت الأمة قد أقالها الله من عثرتها وأنهضها من كبوتها على أيدي أبنائها العثمانيين، فما كان ذلك إلا تصديقًا لسابق وعده جل شأنه في حفظ دينه، وحماية كتابه، ولكن رواسب الانحراف الفكري والأزمات الناجمة عن الفهم الخاطئ والتطبيق المنحرف لبعض أحكام الإسلام وتوجيهاته سرعان ما عادت تنخر في كيان الدولة العثمانية، وبقيت كذلك حتى جاء عصر النهضة الأوربية، وهنا أخذ الغزو شكلًا آخر وبعدًا أعمق، فقد أصبح أكثر تنظيمًا وأشد فعالية، وأوسع مساحة، فحاول مفكرو الغرب وسدنة سياسته ومصالحه أن يجعلوا منه غزوًا شاملًا يتغلغل في العقلية الإسلامية دون حواجز فيغيرها، وإلى الفكر الإسلامي فيمسخه، وإلى الثقافة الإسلامية فيبدلها، وإلى الدين الإسلامي فيعزله ويحصره في زوايا ضيقة محدودة لتحدث عملية المسخ الثقافي الشامل، والتبديل الفكري الكامل.
فمنذ القرن السابع عشر والغزو الفكري يمهد له الاستشراق والتبشير والاستعمار، وتقوم على خدمته أجهزة كثيرة، ويناصره أعوان متعددون حتى استطاع أن يأخذ مواقعه في عقول الكثيرين من أبناء هذه الأمة وقلوبهم وأفهامهم. ولما وصلت النهضة الأوربية قمتها وبلغت أوربا أوج عظمتها، وهبطت الأمة الإسلامية إلى درك من الضعف كبير، في هذا الوقت قرر الأعداء أن يضربوا ضربتهم القاضية ويشنوا حملتهم الشاملة، فاحتلوا أجزاء كبيرة من ديار المسلمين بعد انتصارهم في الحرب العالمية الأولى، وكان أول ما فعلوه بعد إحكام سيطرتهم، واشتداد قبضتهم على هذه البلاد هو أن خططوا تخطيطًا دقيقًا لتنفيذ عملية «التبديل الثقافي» للوصول بمعركتهم مع الإسلام إلى الصفحة الأخيرة، ليقول اللنبي -بعد احتلال الشام-: «الآن انتهت الحروب الصليبية». وليكون «التبديل الثقافي» الوسيلة الدائمة الباقية التي تضمن لهم ابتعاد الأمة الإسلامية ابتعادًا كاملًا عن الإسلام، ويتوارث المسلمون جيلًا بعد جيل ذلك الابتعاد، وهكذا فك الارتباط بين المسلمين وبين مصادر الإسلام الأساسية المتمثلة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فغيروا سائر أنظمة التعليم، وبدلوا برامجه، وكل مناهجه، وسخروا كل وسائل الإعلام والتوجيه الفكري والتربوي ووظفوها لإحداث عملية التغيير الثقافي والفكري لدى الأمة حتى نضمن لهم ألا تقوم لهذه الأمة قائمة بعد ذلك. ولكن خاب فألهم، فإن محاولات هذه الأمة للتخلص من الاستعمار ولإصلاح شأنها لم تنقطع ولم يجف نبعها على مر العصور، فما زالت آيات الله تذكرهم صباح مساء بأنهم خير أمة أخرجت للناس وأنهم الأمة الوسط وتستثير كوامن القوة والخير فيهم، حتى قامت الحركات الإصلاحية والتحررية في كل أنحاء العالم الإسلامي، ولكن -للأسف- فإن معظم هذه الحركات كانت في كثير من الأحيان تنهج النهج الغربي في الإصلاح فتخفق؛ لأن ما يصلح للغرب من فكر وعقائد لا يصلح لأمة قدر الله لها أن يرتبط مصيرها وحياتها بكتابه وسنة رسوله، وحاول البعض الآخر أن يقوم بحركات إصلاحية تأخذ جانبًا واحدًا أو جوانب محدودة من الإسلام، وظنوا أو توهموا أنهم بذلك سوف يستطيعون تحقيق ما ينبغي تحقيقه للمسلمين من استئناف لحياتهم الإسلامية، وعودة إلى سابق أمجادهم، ونحو ذلك من الأماني والطموحات، ولكن ذلك أيضًا قد أخفق ولم يحقق في هذا الصدد شيئًا يذكر، مما جعل الكثير من مفكري هذه الأمة وأبنائها يقلبون وجوه الرأي والنظر ويتدبرون مختلف الأمور، فمنهم من يدركه اليأس قبل أن يصل إلى الهدف، ومنهم من يدرك أنه لا بد أن يكون هناك سبيل إلى إعادة هذه الأمة إلى صلتها بكتاب ربها وسنة رسولها لتعود بعد ذلك إلى منابع الفكر الأصيل الذي تبني بمقتضاها حياة كريمة طيبة مثلى.
ثم بلغ الأمر أشده والمحنة قمتها بعد أن أوجد الغرب دولة كاملة بكل كيانها لتمثل الغرب وفكره، وتقوم بدوره في المنطقة الإسلامية، حيث كان ذلك بعد قيام دولة إسرائيل، وبلغ الأسى غايته في قلوب المخلصين من هذه الأمة حين رأوا العدو يأكل أرضهم شبرًا شبرًا، ويحط من قيمهم شيئًا فشيئًا، ويهزأ من دينهم يومًا بعد يوم، ويغتصب ممتلكاتهم، وينتهك حرماتهم ليل نهار، ولا يجد من ردود الفعل إلا أقلها أثرًا، وأضعفها شأنًا، وأصبح المسلم في لجة هذه الأحداث والمصائب الجسام يكاد لا يميز بين الحق والباطل، ولا يفرق بين الغث والسمين.. وتفرقت الأمة أيدي سبأ وذهبت شذر مذر، فبعدما كانت أمة واحدة أضحت أربعًا وأربعين دولة تتصارع فيما بينها وتوجه أسلحتها إلى صدور أبنائها، وتغمر القلاقل والفتن سائر أركانها، وتهدر ثرواتها ويفترس الجوع أبناءها. كيف نزلت عن مرتبة الخيرية، وهبطت عن درجة الوسطية والشهادة على الأمم إلى هذا الدرك؟ وما هي العوامل التي أوصلتها إلى هذا الدرك الهابط من الذل والمهانة؟
إن الأزمة الكبرى التي منيت بها الأمة الإسلامية هي أزمة فكر وعقيدة وإيمان، وسائر الأزمات إنما هي وجوه أخرى وانعكاسات متعددة لتلك الأزمة، فهذه الأمة أصيبت أول ما أصيبت في فكرها، فاختلطت أمامها الأوراق، واضطربت الأولويات، واختل میزان الأمور وسادت الفوضى والاضطراب في أساليب التعامل، الذي أدى إلى تدهور مؤسسات الأمة، وانحطاط مستوى ومحتوى وشكل أداء ما بقي منها، ولم تجد سائر محاولات الإصلاح التي تجاوزت هذا الأزمة في انفراج في قضايا الأمة، ولذلك فإن العلاج ينبغي أن يبدأ من هذا المنطلق.
إن الأزمة الفكرية التي حلت بالأمة قد أخذت بعدين: الأول: قد أخذ صفة التبديل الثقافي في مجال العلوم الإنسانية، ذلك التبديل الذي جعل عقول أبناء الأمة الإسلامية تتخطى الفكر الإسلامي والتراث الإسلامي أو تدرسه على أنه مجرد ظواهر قد اندثرت لا ينبغي أن يفكر بإحيائها، ولذلك فقد صار المسلمون يأخذون جوانب المعرفة الإنسانية المختلفة من الغرب الذي فلسف هذه العلوم وبناها وفقًا لفكره ونظرياته وأهدافه وغاياته، ولذلك فإنها تعطي انعكاساتها على الفكر والتصور والاعتقاد والسلوك الإنساني وأساليب التعامل المختلفة من خلال الغرب ومثل ثقافته، وإذا كانت هذه الانعكاسات على جوانب الحياة المختلفة مما يتقبله الإنسان الغربي ويتناسب مع أهدافه وغاياته، فإن مما لا شك فيه أن هذه الانعكاسات تحدث لدى المسلم نوعًا من التمزق والفصام بين معتقداته الإسلامية وقيم الإسلام وأهدافه وغاياته، وبين قيمها وغاياتها، ولذلك فإن معظم ما نلاحظه من تمزق وتناقض وتناحر وفقدان للهوية وشتات في السبل والمناهج يعود في معظمه إلى ذلك السبب، مما يجعل عملية التبديل الثقافي في الأمة الإسلامية وإسلامية العلوم الإنسانية بمثابة حجر الزاوية في معالجة الأزمة الفكرية، ثم الأزمة الإيمانية والاعتقادية.
والبعد الثاني: كان في قطع صلة هذه الأمة بتراثها الإسلامي وتحويله إلى مجرد تراث تاريخي يعتز به ويتغنى بأمجاده وتختار منه النماذج الفلكلورية التي تكرس النظرة الغربية إلى التراث، أما أن يستفاد منه ويتعايش مع المفيد والنافع منه، فذلك أمر قد استبعد تمامًا، فمن الواجب تنبيه هذه الأمة إلى أهمية تراثها الإسلامي وتذكيرها بأن دوره لم ينته وأن فيه الكثير من الجوانب النافعة والمفيدة التي لا بد من إحيائها والاستفادة منها من خلال تيسير سبل الاطلاع على التراث الثقافي والفكري الإسلاميين، وجعل الاستفادة منه أمرًا ممكنًا بعد أن كاد أن يسلك في عداد المستحيلات. وكذلك لا بد من خطة تفصيلية ذات مراحل مدروسة لتحقيق هذا الهدف على أحسن الوجوه وأتمها. ولعل قيام المعهد العالمي للفكر الإسلامي، والتفاف كثير من المفكرين المسلمين حوله، واستعدادهم للعمل على معالجة هذه الأزمة من خلال برامجه إيذان بأن العمل الجاد لمعالجة هذه الأزمة قد بدأ.
ونسأل الله تعالى التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل