العنوان التضحية في الأسرة.. لماذا صارت عملة نادرة؟!
الكاتب إيمان محمود
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1249
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 13-مايو-1997
علماء العقيدة والنفس والاجتماع الإيثار قيمة تربوية على الأبوين غرسها في الطفل منذ الصغر
- اهتزاز القيم الدينية في الأسرة وثقل الضغوط الاقتصادية جعل السيادة للأنانية والفردية.
- في بيوتنا المسلمة .. زوجات يعشن لأنفسهن.. وأزواج يفرطون في مسئولياتهم.. وأبناء أشبه بالأعداء.
بين جنبات بعض بيوتنا المسلمة بشر منزوون على أنفسهم لا يعرفون للتضحية والإيثار معنى ويفكرون بشكل مادي ويتصارعون على ما هو زائل، وهذا التناقض يجب ألا يمر، خاصة بعد أن تجاوز حدود الأسرة الضيقة وأصاب المجتمع المسلم في مقتل فحولت أفراده إلى جزر منعزلة شعارها: «أنا ومن بعدي الطوفان».
ولأننا ننشد مجتمعًا يحكمه شعار «أنا والآخرون في مواجهة الطوفان» نتساءل عن قيمة التضحية ومكانتها، ومدى حضورها أو غيابها في الأسرة المسلمة، وسوف نتعرف على لسان التربويين وعلماء الاجتماع والنفس والعقيدة على أسباب سيادة الأثرة، وتراجع الإيثار في هذه الأسر.
في البداية يشكو زوج- رفض ذكر اسمه- من أن زوجته تحب نفسها، وتقدس ذاتها، وكلما اشتهت طعامًا أكلته، وكلما تاقت نفسها إلى تصرف أتته، وتكون سعيدة بهذه التصرفات التي تشبع رغبتها، لاعتقادها الخاطئ بأنها بهذه التصرفات قد حصلت على حقوقها، وأثبتت ذاتها، ورغم اعتراض الزوج فإنه يقبل مرغمًا تصرفات زوجته لأنه إذا بدر منه سلوك مناهض تتحول الحياة إلى نكد وشقاء.
ويشكو زوج آخر من زوجته التي لا تفكر إلا في أهوائها، فلا هم لها إلا الحديث عن الأزياء ووسائل وأدوات المكياج وكريمات الشعر، وغير ذلك الأمر الذي يوغر صدره، إذ إن زوجته لا تستشعر المسؤولية حيث لا يهمها تدبير الالتزامات التي يحتاجها البيت بقدر ما يهمها تدبير شئونها الخارجية، وما يعود عليها هي.
وهناك زوجات كثيرات يشتكين من السلوكيات الأنانية لأزواجهن، فهم لا يهتمون بأولادهم وزوجاتهم، بل يتطلعون دائمًا إلى ارتداء أفخم الملابس والارتقاء المهني والمادي على حساب مسئولياتهم الأسرية. وتقول هناء عبد السلام: سافر أبي في عمل براتب مجزٍ، وبعد فترة قصيرة علم بأننا نعاني الكثير من المشاكل بسبب بعده عنا، فإذا به يرجع إلينا قائلًا: أنتم أغلى من كل أموال الدنيا، ولكنه أصبح في نظر الجميع رافضًا للنعمة.
وهذه أسرة ثالثة يغلب عليها طابع الأنانية باعتراف أحد أفرادها الذي يقول: عودنا أبي منذ الصغر على أن نتعامل مع الناس بأسلوب الأخذ وعدم العطاء، لا نقدم المساعدة لأحد وإذا أهدانا أحد شيئًا لا نرده، ونخبر والدنا إذا ساعدت والدتنا محتاجًا، أو أعانت فقيرًا لذا أصبح كل واحد منا يتعامل مع الآخر بنفس المنطق حتى أصبحنا أعداء في البيت كل واحد يريد أن يأكل الثاني.
ناقوس الخطر
ویری د. سيد صبحي رئيس قسم الصحة النفسية ومدير العيادة النفسية بجامعة عين شمس: أن لكل أسرة- بوصفها الحضن الاجتماعي الأول- بناء يحيط أفرادها بسياح من القيم والأخلاق السامقة، وتأتي فيه التضحية على رأس القيم المحورية الواجب على الوالدين غرسها في نفوس الأبناء منذ الصغر، لأن الأم هي رمز العطاء المستمر، وكذلك الأب يكمل هذا الدور، فحينما تختفي هذه القيم لابد أن نعي جيدًا أن هناك خطرًا يوشك أن ينجم عنه تصدع الأسرة، الأمر الذي يؤدي إلى تصدع المجتمع.
ويضيف: إن الأصل في العمل الأسري أن يقوم على تبادل أدوار التضحية، ولكن نظرًا لإيقاعات العصر المادية السريعة وضغوطه النفسيةوالمادية تكالبت الضغوط على الأسرة فنشأ ما يسمى بالجزر المنعزلة داخل كل أسرة، لذا فالقضية بالغة الخطورة ولا بد من التنبيه عليها لأن ظاهرة الجزر المنعزلة تجعل كل فرد في الأسرة يعيش في جفاء عاطفي، ويصبح انعدام الإخلاص والوفاء والحب من المظاهر المألوفة في هذه الأسر. ومن هنا تصبح الأسرة طاردة وليست جاذبة لأفرادها، ولذلك تأثير واسع المدى حيث من ينشأ بهذه الصورة وتحت هذه الظروف لا يؤدي عمله على أكمل وجه تجاه مجتمعه لأنه لم يتعلم العطاء والتضحية داخل أسرته.
ويؤكد د. صبحي أن هناك آثارًا سلبيةً خطيرةً لانعدام هذه القيمة العظيمة، مشيرًا إلى أن الأنانية حلت محل التضحية، وأخذت مكانها داخل الأفراد، مما يخرجهم من كيانهم الآدمي إلى كيان غير آدمي، فيصبح المجتمع أشبه بالغابة والأفراد هم الوحوش الانتهازيون الذين يقدمون الأنا والذات معلنين شعار «أنا ومن بعدي الطوفان».
وعن أسباب تفشي الأثرة والأنانية يشير د. صبحي إلى اهتزاز القيم الدينية داخل الأسرة، فالأسر التي لا تحرص على أداء الشعائر الدينية والالتزام بالفضائل والواجبات والتحلي بمكارم الأخلاق ومنها التضحية بالوقت والجهد والمال والنفس لا بد أن تسودها الأثرة والأنانية.
ويؤكد أنه مهما بلغت الضغوط الاقتصادية ذروتها، فينبغي ألّا تتخلى الأسرة عن رسالتها في دعم قيمة التضحية بين جميع أفراد الأسرة، فلا بد من إعادة النظر في غرس التضحية من خلال الأسرة والمناهج الدراسية، وأجهزة الإعلام، لأن قيمة التضحية تنشئ مجتمعًا متماسكًا تتساوى فيه قيمة حب الغير مع حب النفس.
والأسرة التي تسودها التضحية تفرز لنا عناصر تتسم بالمروءة والشجاعة والشهامة والرجولة، وتقدمها هدية للمجتمع.
أما د. عزة كريم الخبيرة بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرةفتقول: إن الأنانية أصبحت سلوكًا معتادًا يجب مقاومته من خلال ضرورة تفهم كل فرد لدوره وواجباته تجاه الآخر فالصغير لا بد أن يحترم الكبير، وفي مقابل هذا الاحترام، يؤثر الكبير الصغير بأشياء يفضلها، مشيرة إلى أن ظاهرة الأنانية تعود أسبابها إلى الطريقة التي تمت تنشئة الطفل عليها في مراحل حياته الأولى حيث يستأثر بلعبته دون أخيه أو يستولي على بعض الأشياء دون أقرانه، هذه السلوكيات تكرس على المدى البعيد الفردية والأنانية، وبالتاليينعكس ذلك على تصرفات الشخص عندما يكبر.
وعن أفضل الطرق لغرس قيمة التضحية منذ الصغر تقول د. عزة: إن الحوافز والثواب والعقاب أساليب تربوية مهمة لتشكيل تفكير وقناعات الطفل حيث يجب مكافأته إذا قام بسلوك إيجابي تجاه أخيه، ويجب أن ينتبه الآباء إلى ضرورة المساواة في التعامل مع الأبناء، فقد يغرس الآباء بذور الأنانية والأثرة في نفوس أبنائهم دون قصد منهم، وذلك عندما يفضلون الولد على البنت أو العكس ويجب أن يعرف الأب والأم أن الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء، وهما اللذان يتحكمان في صياغة وتشكيل عقله وتحديد أولوياته الأخلاقية والقيمية.
وترى د. رفيقة خبيرة باليونسكو وعميدة بكلية التربية بالبحرين سابقًا: أن للتربية دورًا مهمًا في إكساب الطفل فنون وقيم التعامل الصحيحة مثل التضحية والعطاء، وأفضل وسيلة تربوية- بداية- هي أن يكون الأب والأم قدوة لأبنائهم.
أما د. عبلة الكحلاوي، أستاذة الفقه بجامعة الأزهر: فتتفق مع الرأي القائل بتنشئة الأبناء على حب الغير، لأن المسلم ما خلق لنفسه وأنه قليل بنفسه كثير بإخوانه، فهذا هو الأسلوب الأمثل في غرس فضيلة التضحية والإيثار في نفوس أفراد الأسرة، فالمسلم من صفاته الأساسية أن يكون نافعًا لغيره، ومعطاء، ومنفقًا وباذلًا للجهد والعرق في سبيل نصرة دين الحق، والحق تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. (التوبة: ١١١) والتضحية مفهوم واسع وشامل يبدأ من إيثار الزوج لزوجته بلقمة من الطعام، ويرتفع إلى مستوى التضحية بالروح في سبيل الله.
مفهوم واسع
ويرى د. أحمد المجدوب الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة: أن الأم يجب أن تلاحظ وتتابع الأبناء، ولا تستجيب لجميع مطالبهم حتى لا تجعلهم شرهين وأنانيين.
والأم هي التي تدرب الأبناء على كبح جماح أنانيتهم، فالطريق الصحيح لغرس قيمة التضحية هو توجيه الأبناء برفق لا بعنف والنزول لمستواهم، وعلينا نحن الآباء أن نضرب لهم المثل ونصبح قدوة حسنة في كل المواقف لأن الطفل يلاحظ ويسجل الواقعة كما هي، فإذا رأى أمه تعطي فسوف يعطي فهو يحاكي والديه في جميع أفعالهما حسنة كانت أم سيئة.
وبهذه الطريقة عندما ينشأ الطفل ولديه حب التضحية فإنه حتمًا وقطعًا حين يكبر ويصبح عضوًا فاعلًا في المجتمع، ويشرع في تكوين أسرة فلا شك أن فكره سيسود حياته مع أسرته، وبالتالي ينعكس الأمر أيضًا على مجتمعه، لذا فإن علاج هذه الأمراض من القاعدة أمر مطلوب وسهل فالفرد دائمًا هو إحدى لبنات الأسرة، والأسرة إحدى لبنات المجتمع، ومن خلال عدد من المجتمعات تسودها هذه القيم العظيمة تتولد الدولة المضحية والباذلة والمعطاءة.
ويقول د. السعدي فرهود رئيس جامعة الأزهر الأسبق ورئيس جبهة علماء الأزهر السابق: إن التضحية من الأدبيات الإسلامية الرفيعة، وهي مأخوذة من الإيثار، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩). ومفهوم التضحية يتسع ليشمل أشياء كثيرة منها التضحية بالنفس والمال والأولاد، والتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية زاخران بنماذج مشرقة سواء من الرجال أو النساء الذين ضحوا بأموالهم وأوقاتهم وأنفسهم في سبيل الله، فهذا أبو بكر الصديق قد ضحى بكل ماله وهذا عمر قد أنفق نصف ماله، وذاك مصعب بن عمير يضحي بالترف ويؤثر حياة التقشف والزهد وشظف العيش هذه نماذج رائعة ضربت بجذورها في أعماق التاريخ.
الأنانية
وعلاجًا لمشكلة الأنانية- كما يقول دكتور فرهود- لا بد من تعويد الطفل على هذه الأخلاق الطيبة منذ بداية حياته، حيث تلتزم الأسرة بضرورة المساواة بين جميع الأولاد وعدم تفضيل طفل على آخر، وأن تثبت للأطفال من خلال القدوة والنماذج العملية والقصصية الإسلامية الرائدة ضرورة التحلي بأدب التضحية وحب الإيثار، لأن النفس إذا تربت على حب شيء فإنها ستعتاده، وبالتالي يصعب علاج ذلك في الكبر، ولنا في السيدة فاطمة رضي الله عنها وزوجها سيدنا علي القدوة والأسوة الحسنة، فقد قال الله سبحانه وتعالى في شأنهم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. (الإنسان: ٨).
فهما رغم كونهما صائمين ومع حاجتهما الملحة للطعام فقد آثرا المسكين واليتيم والأسير على نفسيهما. والنموذج الفريد الذي يجسد التضحية في أرقى معانيها هم الأنصار، فعندما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة سارع الأنصار لتقديم كل مقومات الحياة لإخوانهمالمهاجرين فمن كان متزوجًا بأكثر من واحدة عرض على أخيه المهاجر أن يتزوج بإحداهن، ومن كان لديه مال أعطى لأخيه المهاجر منه.
إن التضحية ليست مجرد قيمة سلوكية نفتقدها، إنها إحدى لافتات الطريق إلى المجتمع الإسلامي المنشود، المجتمع الذي يبيع أفراده أنفسهم وأموالهم لله، لا الذي يمن كل فرد فيه على أخيه ليس بالعطاء المادي فحسب بل بالمشاركة الوجدانية أيضًا.