العنوان وشيجة الأسرة وتقوى الأرحام
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2012
مشاهدات 57
نشر في العدد 2013
نشر في الصفحة 18
السبت 28-يوليو-2012
الأخوة ركيزة أساسية من ركائز قيام المجتمع الإسلامي، وسيظل الحديث عنها والتنظير لها موصولا بقدر حاجتنا إليها ودورها في إشاعة الأمن والسلم في حياتنا سيما أن الأخوة تؤسس لمجتمع متلاحم ومتماسك، وقد قيل: إن الأخ من النسب قد يكون الصديق والصاحب، ويطلق على كل مشارك في القبيلة أو في الدين، أو في صنعة أو معاملة، أو في مودة، وما شابه ذلك.
ومن ثم يطلق لفظ «أخ» ويراد به جميع المنتسبين إلى آدم أو العقيدة، أو العمل، وبهذا يشمل مفهوم الأخوة كل من ينتسب إلى آدم وحواء، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:1).
هذه حقائق فطرية.. لو ألقى الناس أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم، وبنقلهم من الواقع الأليم الذي تعيشه الإنسانية -كما نرى ونشاهد- إلى الإيمان والرشد والهدى وإلى الحضارة الحقيقية التي تليق بـ«الناس هذه الحقائق تذكر الناس بمصدرهم الذي صدروا عنه، وتردهم إلى خالقهم الذي أنشأهم في هذه الأرض.
هذه الحقيقة هي وحدها التي تعرف عنهم كل شيء، وهي وحدها التي تدبر أمرهم خير تدبير، وهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهم طريق حياتهم، وتشرع لهم أنظمتهم وقوانينهم، وقيمهم وموازينهم، وهي التي يرجعون إليها وإلى منهجها وشريعتها وإلى قيمها وموازينها عند الاختلاف في شأن من هذه الشؤون، فيرجعون إلى النهج الذي أراده الله رب العالمين، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾، لو يتذكر الناس هذه الحقيقة دوماً لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة، التي نشأت في حياتهم متأخرة ففرقت بين أبناء النفس الواحدة، ومزقت وشائج الرحم الواحدة، وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية، وصلة النفس وحقها في المودة، وصلة الربوبية وحقها في التقوى.
صراع عنصري
ولا شك أن استقرار هذه الحقيقة كان كفيلاً باستبعاد الصراع العنصري، الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة، وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم وتنسىى النسبة إلى الإنسانية الواحدة، والربوبية الواحدة.
والحقيقة التي تتضمنها الإشارة إلى أنه من النفس الواحدة خلق منها زوجها .. كفيلة - لو أدركتها البشرية - أن توفر عليها تلك الأخطاء الأليمة، التي تردت فيها، وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة، وتراها منبع الرجس والنجاسة، وأصل الشر والبلاء، وهي من النفس الأولى فطرة وطبعا، خلقها الله لتكون لها زوجا وليبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً، فلا فارق في الأصل والفطرة، إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة.
تصور سخيف
إن البشرية خبطت في هذا التيه طويلاً، جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها فترة من الزمان تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له، فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى، وأطلقت للمرأة العنان ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان، ونفس خلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر، وأنهما ليسا فردين متماثلين، وإنما هما زوجان متكاملان والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الشطط البعيد ، كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة فقد شاء الله تعالى أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة، فخلق ابتداء نفسا واحدة، وخلق منها زوجها فكانت أسرة من زوجين: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء﴾ [ النساء: 1].
ولو شاء الله لخلق - في أول النشأة - رجالاً كثيرا ونساءً، وزوّجهم، فكانوا أسرا شتى من أول الطريق، لا رحم بينها من مبدأ الأمر، ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد. وهي الوشيجة الأولى»، ولكنه جل شأنه شاء لأمر يعلمه، ولحكمة يقصدها، أن يضاعف الوشائج فيبدأ بها من «الوشيجة الأولى» - وهي أصل وأول الوشائج - ثم يثني بـ «وشيجة الرحم» فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى، هما من نفس واحدة وطبيعة واحدة، وفطرة واحدة، ومن هذه الأسرة الأولى يبث رجالًا كثيرًا ونساء كلهم يرجعون إبتداء إلى «وشيجة الربوبية»، ثم يرجعون بعدها إلى «وشيجة الأسرة» التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني، بعد قيامه على «أساس العقيدة»، ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإسلامي، وهذه العناية بتوثيق عراها، وتثبيت بنيانها، وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء، وفي مقدمة هذه المؤثرات مجانبة الفطرة، وتجاهل استعدادات الرجل، وإستعدادات المرأة، وتناسق هذه الإستعدادات مع بعضها بعضا، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى، وإن نظرة إلى التنوع في خصائص الأفراد واستعداداتهم بعد بثهم من نفس واحدة وأسرة واحدة - على هذا المدى الواسع، الذي لا يتماثل فيه فرد قط تمام التماثل، على توالي العصور، وفيما لا يحصى عدده من الأفراد في جميع الأجيال.
تقوى الأرحام
ويطالعنا ختام الآية: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ﴾[ النساء: 1]، اتقوا الله الذي تتعاهدونِ باسمه، وتتعاقدون باسمه، ويسأل بعضكم بعضاً الوفاء باسمه، ويحلف بعضكم لبعض باسمه.. اتقوه فيما بينكم من الوشائج والصلات والمعاملات وتقوى الله مفهومة ومعهودة لتكرارها في القرآن أما تقوى الأرحام، فتعبير عجيب يلقي ظلاله الشعورية في النفس، ويخاطب المشاعر بأن ترهف للإحساس بوشائجها، والإحساس بحقها، وتوقي هضمها وظلمها، والتحرج من خدشها ومسها، ثم تأتي رقابة الله يختم بها: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [ النساء: 1]، وما أهولها ،رقابة، فالله سبحانه هو الرقيب وهو الرب الخالق، الذي يعلم من خلق، وهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية، لا في ظواهر الأفعال، ولا في خفايا القلوب، والله الموفق.