العنوان قصة قصيرة.. جنة العم صالح
الكاتب عبدالله سراج الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1982
مشاهدات 83
نشر في العدد 568
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 27-أبريل-1982
العم صالح عجوز قارب السبعين، هاجر من «الشام» من سنين، وجاء يطلب الرزق في هذه البلاد، قانعًا بلقمة طيبة يكسبها بالحلال. عرفته منذ كنت يانعًا أيام كنت أحمل كتبي في كيس ملون مع طعام الغداء، وفي طريقي إلى المدرسة كنت أمر على دكان العم صالح، أقف لدقائق قليلة أتفرج على السكاكر الملونة، والألعاب المعروضة، وقطع الحلوى من وراء الزجاج، وقتها كنت أرى العم صالح رجلًا أشيب الرأس، محني الظهر، دائم البسمة، بشوش الوجه، ولطالما علقت صورته بمخيلتي حتى في ساعات الدراسة، وكم جذبتني حلواه ولعبه الملونة عن كراريس التاريخ والحساب، مما سبب لي التأنيب كثيرًا.. وعند عودتي قبيل المساء، كان لا بد لي من المرور على دكان العم صالح، حيث كان «الكبار» يتربعون على كراسي القش يرشفون الشاي، ويتحدثون أحاديث «الكبار»، والعم صالح بابتسامته الحلوة، وشيبته البيضاء، يتنقل بينهم هنا وهناك.
ويصعب علي بالطبع أن أقص كل ما كان بيني وبين العم صالح طوال هذه السنين، فقد كان الزمن خارج الحساب؛ لأنني كنت أعيش معه في خيال الطفولة غير المحدود، إلى أن انتقلت إلى الكرسي الذي خلفه والدي رحمه الله، أمام دكان والدي رحمه الله، أمام دكان العم صالح، وذلك عندما أصبحت أفهم في حديث «الكبار»!
سنون مرت والعم صالح في حياتي كركن وطيد، فإذا أردت أن أسمر مع أحد كان العم صالح، وإن أردت أن أنفس عن صدري همًّا قصدت العم صالح، وعلى الدوام كنت أستشهد في أحاديثي بكلمات وتعابير وأمثال العم صالح، حتى زوجتي، لا أخفي عليكم أنني لم أحصل على موافقة أهلها دون مساعي العم صالح!
البارحة كعادتي قصدت دكانه عند المساء، جلست على الأريكة الخشبية بعدما ألقيت السلام، لأول مرة لحظت تغييرًا على العم صالح، كان غارقًا في وجوم طويل، نظراته شاردة في أفق بعيد، وكأنني للمرة الأولى ألحظ الخطوط المتعرجة كشقوق الأرض العطشى تتوزع في وجهه دونما انتظام، ويداه اللتان طالما حملني بهما ورفعني حتى السقف المرصوف بالقصب، تبدوان اليوم لي نحيلتين، تنتابهما رعشة كل حين.
قلت وأنا أطرد عني وساوس الشيطان: كيف الحال يا عم صالح؟ وعسى أن تكون صحتك بخير! قال وكأنما فجأه صوتي: هه.. أنت هنا؟.. عفوًا يا ولدي.. عفوًا فقد سهوت عنك، ولكن قل لي: هل سمعت الأخبار؟
أنا أعلم من زمن بعيد أن العم صالح فيمن يتابعون الأخبار بدقائقها، حتى أننا نسأله عنها بدل أن نشتري الصحف والمجلات، فعنده من أسرارها وخفاياها ما يصعب على الكثيرين جمعه والحصول عليه، لذلك عجبت أن يسألني هو عن الأخبار.. وفي هذا الوقت بالذات! قلت رغم ذلك: أنسيت يا عم صالح أننا نحن الذين نسألك عن الأخبار؟ هيا حدثني ماذا من جديد؟ ماذا حصل في الحرب بين الـ... قاطعني بإلحاح: الأخبار يا ولدي! ألم تسمع شيئًا جديدًا؟!
قلت وأنا أحوقل: أخبار جديدة طبعًا سمعت.. سمعت عن موجة البرد التي تقتل الناس في أمريكا، سمعت عن تحطم الطائرات.. سمعت عن أخبار الحرب.. سمعت الكثير، ونسيت الكثير، فأي أخبار تراك تريد؟!
قال وزفرة حارة انبعثت مع كلماته: طبعًا.. هم يهتمون بما يجري في أمريكا، يشفقون عليهم من موجة الصقيع، ومن قلة الوقود؛ بل تراهم يملئون الصحف والمجلات بخبر تحطم طائرة على أرض المطار، أو غرق صياد في آخر الدنيا، لعلك تسمع كثيرًا عن امرأة تضرب عن الطعام في بلاد «الروس» تريد الهجرة إلى إسرائيل ولا يسمحون لها، وعن موت سجين في أقصى الأرض مضربًا عن الطعام.. كل أولئك تقرأ عنهم وتسمع ليل نهار، لكل أولئك بواكي يا ولدي يبكون ويندبون ليل نهار!
أعترف أنني حتى اللحظة لم أدرك ما يريده العم صالح، ماذا يود أن يقول؟ لكنني رغم ذلك شعرت بأن وراء كلماته أمرًا يقلقه، فقلت مستوضحًا: إذن فها أنت كعادتك تعرف كل الأخبار وزيادة، فما الذي تسألني عنه؟
التفت العم صالح نحوي وقال بصوت تكاد تخنقه الدموع: ألم تسمع أخبار الشام يا ولدي؟ ألم تسمع بما يجري هناك.. في حماة!
حقًّا لقد سمعت بعض الحديث عن حماة، سمعت عن اضطرابات ومعارك وأسلحة ودبابات.. لكنني أعترف أن الصورة لم تكن واضحة لدي، مجرد كلمات من هنا وهناك.. لكن، ما الذي أثر بالعم صالح إلى هذه الدرجة.. آه تذكرت الآن.. إنه من بلاد الشام..
قلت: وقد أطرقت خجلًا: آسف يا عم صالح، نسيت أنك من هناك، وفعلًا لم أسمع ما يكفي من الأخبار.. خبرني.. ماذا حصل؟
قال ودمعة تغررت من عينه الحزينة النظرات: ما الفائدة يا ولدي من الحديث؟ ما الفائدة؟! ها أنت تسمع وتقرأ أخبار الدنيا كلها، فماذا أفدت وماذا استفدت؟.. قلت مازحًا: لعلي أخفف من حزن العم صالح: بالطبع استفدت.. فأنا أستطيع أن أحكي لك الكثير عن الدجاج الذي يبيض ذهبًا، وعن الفيل الذي..
قاطعني العم صالح وقال: ربما تستطيع أن تبكيني حزنًا على مأساة الحيتان المهددة بالانقراض، أو القرود التي تقتل ظلمًا في مخابر العلماء، أتستطيع يا ولدي أن تبكي الكثيرين على هذه القصص والحوادث الآن، الجميع يبكون على مآسيهم، ولكن حماة يا ولدي.. حماة بلدي..
غصت بالعم صالح الكلمات.. حبستها مرارة الدموع الجارية على أخاديد وجهه، تشق أنفه وقال: حماة تركتها منذ سنين لا أعرف كم بلغت الآن، كان الربيع هو حماة خضرة وجمالًا وطيبة، خرير نواعيرها حداء دائم يسلب العقول، والعاصي المتعرج في أنحائها كاللجين المذاب، بيوتها المتلاحقة المتعانقة تقص عليك البطولات من الأمجاد دونما انتهاء.. مساجدها -واحرقة القلب على مساجدها- كانت أعشاش الحمام ومنارات الهدى والفلاح، كانت حماة جنة في الأرض.. ترى الحملان ترعى فيها مع الخيول الأصيلة، والأقحوان يزهر في ظل شجيرات الرماد، واللبن والقشطة والعسل لا يغيب عن موائدها، لا في الصيف ولا في الشتاء.. كان الخير كله في حماة والحب والطيب والسلام.. كانت جنة الله في الأرض حماة..
وتساقطت الدموع تترى من عيون العم صالح.. تساقطت على وجهي وراحتي وسقطت كفه المعروفة على الكرسي أمامي، وتبعها جسده الذي بدا لي نحيلًا متعبًا أكثر من أي وقت مضى، قال ونظراته الحزينة تعود تغيب في أفق بعيد: لكل العالم بواكي يا ولدي.. لكل العالم.. ولكن حماة.. حبيبتي.. لا بواكي لها!
وتتالت على الأخاديد الدموع!