; المجتمع يجيب على: الأكراد وأحزابهم المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع يجيب على: الأكراد وأحزابهم المعاصرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988

مشاهدات 68

نشر في العدد 851

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 12-يناير-1988


تتضافر أقوال المؤرخين وعلماء الآثار على أن الأكراد ينتمون إلى العرق الآري ويرجع أصلهم إلى تلك القبائل التي استقرت بين بحيرة "وان" من الشمال والفرات ونهر الزاب الأعلى من الجنوب. ويبدو أن هذه القبائل شكّلت قوة كبيرة في تلك المنطقة، وبرزت من بينهما قبيلتان في فترتين متتاليتين: أولاهما جودي (جوتي)، ومعروف عند الأكثرين أنهم الذين يسكنون جبل "جودي" وما حوله. وقد استطاع هؤلاء الجوديون أن يوسعوا منطقة حكمهم فزحفوا جنوبًا وفتحوا بابل وحكموها لمدة 125 عامًا، وذلك في الألف الثانية قبل الميلاد. ويأفل نجم الجوديين ليسطع نجم إخوانهم الذين كانوا تحت حكمهم من بني قومهم، وهم "كاسان" الذين حكموا بابل مرة أخرى وأقاموا إمبراطورية واسعة، وامتدت علاقتهم لتتصل مع الفراعنة في مصر. وبعد انتصار كورش على مملكة بابل، نجد هيرودوت يؤرخ حملة الإسكندر على الشرق فيذكر لنا قومًا أولي بأس شديد في المناطق المجاورة لجودي ويطلق عليهم "كارودخ". ويبدو أن هذه التسمية هي التي كانت سائدة آنذاك، ومن هذه التسمية جاء اسم كردستان. فالاسمان "كرد" و"كردستان" يعدان اسمين جديدين إذا ما قيسا بالاسمين القديمين "جودي" و"جودونين".

 

"جودي: الجبل الذي شرفه القرآن الكريم باستواء سفينة نوح عليه، فكان ملجأ للمؤمنين من الطوفان. وبقي الجودي خلال تاريخه ملجأ للمظلومين وسدًا في وجوه الظالمين" ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود:44).

 

الأكراد في التاريخ الإسلامي

دخل الكرد في دين الله أفواجًا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن فُتحت بلاد فارس، وذلك قبل أن يدخل في الإسلام جيرانهم الفرس. وبقي الكرد موالين للخلافة الإسلامية إلى أواخر عهد بني أمية، وقد لعب الكرد دورًا بارزًا في تغيير الأوضاع حيث انضووا تحت راية الدعوة العباسية.

 

ولكن العبء الكبير الذي اضطلع به الكرد بعد ذلك هو مقارعة الصليبيين الذين بدأوا في الاستقرار ببلاد الشام وبخاصة بيت المقدس وسواحل البحر المتوسط. وكان صلاح الدين الكردي أحد القواد البارزين في القوات الكردية التي كانت تحارب الصليبيين منذ عهد عماد الدين الزنكي ومن بعده ابنه نور الدين الذي كان قائدًا تحت إمرته في بغداد. وبعد ذلك استطاع أن يؤسس دولة كبيرة شملت مصر وبلاد الشام والحجاز واليمن والسودان والموصل وما جاور ذلك، وقد تمكن بعد ذلك من إخراج الصليبيين من بيت المقدس وقضى على معظم قلاعهم على الساحل.

 

مقاومة الغزو المغولي والتيموري

وعندما تعرض المسلمون لغزو المغول، وقف الأكراد وقفة مشرفة في وجه هذا الزحف المدمر. فما إن وصلت قوات جنكيز إلى مشارف فذان حتى استطاع الأكراد أن يستدرجوهم إلى أرض المعركة، وقدروا على أن يهزموهم، مما اضطر هؤلاء المغول الذين لم يقف في وجههم أحد إلى التقهقر، وبذلك منع الكرد من تقدمهم نحو بغداد. لكنهم في عهد هولاكو أعادوا الكرة مرة أخرى عندما أرادوا عبور أراضي الكرد إلى بغداد، واجهوا مقاومة عنيفة فاضطر هولاكو إلى تغيير خط سيره لئلا يمر ببلاد الكرد. ولم تسقط أربيل في يد المغول إلا بعد سقوط بغداد بفترة، ولم يستطع المغول دخولها إلا بعد أن عمدوا إلى الخديعة.

 

ولما أراد تيمورلنك السيطرة على بلاد الكرد بعد انتصاره على السلطان العثماني، أبى الكرد الدخول في طاعته واستهزأوا برسله. فغزا تيمور بلادهم وأحرق كثيرًا من قراهم، ولكن الكرد قاوموا جيوش تيمورلنك الذي أدرك أن التوغل في بلادهم ليس في صالحه فرجع بجيوشه إلى مقره في سمرقند وبخارى.

 

الأكراد والخلافة العثمانية

ظل الكرد خاضعين لأمرائهم ومشايخهم أثناء الخلافة العثمانية، وقد لعب الكرد دورًا مهمًا في الصراع الذي نشأ بين الصفويين في إيران والعثمانيين في تركيا. وقد استطاع العثمانيون كسب ود الأكراد واستغلوا انتماءهم للمذهب السني لاستخدام الكرد ضد صفويي الشيعة. ولئن كان الملا يس المستشار الخاص للسلطان سليم الأول وطنيًا مخلصًا لبني الأكراد، إلا أنه أدى خدمة كبيرة للسلطان العثماني عندما استطاع أن يقنع علماء الكرد ومشايخهم وكبراءهم بعقد عهود مع السلطان العثماني بحيث يكونون تابعين اسمًا للسلطان، مستقلين بشؤونهم فعلًا في إماراتهم. وكانت معركة جالديران الفاصلة وانتصار الترك على الفرس بمساعدة الأكراد ثمرة من ثمرات السياسة المرنة التي اتبعها السلطان سليم الأول نحو الأكراد، وظلت الخلافة العثمانية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الأكراد في إدارة شؤونها وبخاصة شؤون الجيش، وكانت فرق الفرسان العثمانية الخاصة كلها من الشباب الكردي المتمرس بفنون الحرب والقتال، ولعبت هذه الفرق دورًا كبيرًا في قتال الصفويين.

 

تقسيم كردستان وثورات الأكراد

بعد الحرب العالمية الثانية، اقتسم الغرب بمرافقة روسيا التركة بعد استيلاء أتاتورك على السلطة والقضاء على الخلافة العثمانية. وكان من بين ما اقتُسِم كردستان، حيث اقتطعت روسيا جزءًا منها وبقي القسم الأكبر تابعًا لتركيا، وخضع القسم الرابع للإنجليز، وكان من نصيب فرنسا الشريط المتاخم لتركيا من الجنوب. ولم يقبل الكرد بهذا التقسيم فقامت ثورات عديدة كان أهمها ما قام به الكرد في إيران من إعلان جمهوريتهم في مهاباد، وما قام به الشيخ سعيد من ثورة ضد أتاتورك. ولا تزال منطقة كردستان في حالة غليان قابلة للانفجار في أية لحظة.

 

الحزب الإسلامي الكردستاني

أما عن الحزب الإسلامي الكردستاني فإنه لا يدعو إلى فلسفة فكرية جديدة أو "أيديولوجية" مبتكرة أو دين غريب. إنه يدعو إلى إقامة حكومة لشعب كردستان على أساس الشريعة الإسلامية. وهذا يعني أن غالبية الأكراد وهم مسلمون لن ترى في هذا الحزب جسمًا غريبًا في مجتمعها، بل ستقبل مبادئه الأساسية بصدر رحب وستدافع عنه بقوة، وستلتقي عليه لأنه حزب بنى مبادئه الأساسية على الإسلام. إنه لم يأت ليفرق بل ليجمع، وسبب التجمع موجود، إذ لا تكاد تخلو قرية من قرى كردستان من "المسجد الجامع" الذي ليس إلا مركز تجمع روحي لأبناء القرية.

 

ويقول مؤسسو الحزب: "لقد ظهر هذا الحزب ليضع القضية الكردية في المكان المناسب، فثمة إيجابية في هذا الاتجاه الذي لا يهدم أواصر التآخي بين شعوب المنطقة بل يعمق من هذا التآخي". وشعار الحزب الكردستاني في ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات:10). وإذا كان استقلال كردستان يفسر بأنه يسلخ الأكراد عن الإسلام، فلقد جاء هذا الحزب الجديد ليؤكد بأن كردستان مستقلة ومسلمة ستقوي من دعائم الأخوة بين الشعوب.

 

على أن الحزب الإسلامي الكردستاني هو حزب الأغلبية في كردستان، وكل الأحزاب الأخرى بثوراتها وقياداتها المتعددة لا تشكل إلا أقلية ضئيلة للغاية في كردستان. فالحزب الإسلامي الكردستاني هو حزب يربطه بشعب كردستان رباط الروح والعقيدة، بينما الأحزاب القومية والشيوعية والاشتراكية تحاول باستمرار أن تقف بين الكردي ودينه ولكنها تفشل. وإذا كان الشعب الكردي يتبع إلى اليوم بأقلية ضئيلة هذه الأحزاب، فالسبب الوحيد هو غياب تنظيم إسلامي في استقلاله ويناضل من أجل هذا الحق على أساس إسلامي. والآن بعد ظهور هذا التنظيم فلا بد أن يكون انتصاره كبيرًا... إنه تنظيم المستقبل في كردستان، وإنه القوة التي ستجمع شعب كردستان بإذن الله.

الرابط المختصر :