العنوان من مائدة النبوّة (العدد 233)
الكاتب عبد الله بن عبد الرحمن آل سند
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1975
مشاهدات 62
نشر في العدد 233
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 21-يناير-1975
من مائدة النبوّة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وأن أصابك شيء فلا تقل، لو أني فعلت، كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» رواه مسلم.
هذا الحديث اشتمل على أصول عظيمة وكلمات جامعة: فمنها إثبات المحبة صفة لله وإنها متعلقة بمحبوباته وبمن قام بها ودل على أنها تتعلق بإرادته ومشيئته وأيضًا تتفاضل فمحبته للمؤمن القوي أعظم من محبته للمؤمن الضعيف ودل الحديث على أن الإيمان يشمل العقائد القلبية والأقوال والأفعال كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فإن الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاه قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، وهذه الشعب التي ترجع إلى الأعمال الباطنة والظاهرة كلها من الإيمان، فمن قام بها حق القيام وكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح. وكمل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهو المؤمن القوي الذي حاز أعلى مراتب الإيمان، ومن لم يصل إلى هذه المرتبة فهو المؤمن الضعيف.
ولما فاضل النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين قويهم وضعيفهم خشي من توهم القدح في المفضول فقال «وفي كل خبر» وفي هذا الاحتراز فائدة نفسية وهي أن على من فاضل بين الأشخاص والأجناس أو الأعمال أن يذكر وجه التفضيل وجهة التفضيل ويحترس بذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول، لئلا يتطرق القدح إلى المفضول وكذلك في الجانب الآخر إذا ذكرت مراتب الشر والأشرار، وذكر التفاوت بينهما، فينبغي بعد ذلك أن يذكر القدر المشترك بينهما. من أسباب الخير والشر وهذا كثير في الكتاب والسنة.
وفي هذا الحديث أن المؤمنين يتفاوتون في الخيرية، ومحبة الله والقيام بدينه وأنهم في ذلك درجات، ومجمعهم ثلاثة أقسام، السابقون إلى الخيرات، وهم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، ثم المقتصدون الذين اقتصروا على القيام بالواجبات وتركوا المحظورات، ثم الظالمون لأنفسهم الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا وقوله صلى الله عليه وسلم «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» كلام جامع نافع محتو على سعادة الدنيا والآخرة.
والأمور النافعة قسمان: أمور دينية: وأمور دنيوية: والعبد محتاج إلى الدنيوية، كما أنه محتاج إلى الدينية، فمدار سعادته على الحرص والاجتهاد في الأمور النافعة منهما، مع الاستعانة بالله تعالى فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها، وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها. كان ذلك كماله وفلاحه، ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة، فاته من الخير يحسبها فمن لم يكن حريصًا على الأمور النافعة، بل كان كسلانًا لم يدرك شيئًا فالكسل هو أصل الخيبة والفشل، فالكسلان لا يدرك خيرًا، ولا ينال مكرمة، ولا يحظى بدين ولا دنيا ومتى كان حريصًا، ولكن على غير الأمور النافعة: أما على أمور ضارة أو مفوتة للكمال كان ثمرة حرصه الخيبة وفوات الخير وحصول الشر والضرر فكمْ من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة لم يستفد من حرصه إلا العناء والشقاء والتعب.
ثم إذا سلك العبد الطرق النافعة واستعان بالله على إدراكها وتكميلها وأن لا يتكل على نفسه وحوله وقوته بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه وبذلك تهون عليه المصاعب وتتيسر له الأحوال وتتم له النتائج الطيبة في أمر الدين والدنيا؛ لكنه في هذه الأحوال محتاج إلى معرفة الأمور التي ينبغي الحرص عليها والجد في طلبها، والأمور النافعة في الدين ترجع إلى أمرين علم نافع وعمل صالح أما العلم النافع فهو العلم المزكى للقلوب والأرواح المثمر لسعادة الدارين وهو ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث وتفسير وفقه وما يعين على ذلك من العلوم النافعة فإن الإنسان إذا حفظ الأصول وصار له ملكة تامة في معرفتها هانت عليه كتب الفن كلها صغارها وكبارها ومن ضيع الأصول حرم الوصول. ومن سلك في طلب العلم غير هذه الطريقة النافعة فاتت عليه الأوقات كما هو معروف بالتجربة.
وأما الأمر الثاني وهو العمل الصالح:
فهو العمل الذي جمع الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو التقرب إلى الله باعتقاد ما يجب لله من صفات الكمال وما يستحقه على عباده من العبودية وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وتصديقه وتصديق رسوله في كل خبر أخبر به عما مضى. وعما يستقبل عن الرسل والكتب والملائكة وأحوال الأخرة والجنة والنار والثواب والعقاب وغير ذلك.
ثم يسعى في أداء ما فرضه الله على عباده من حقوق الله وحقوق خلقه مستعينًا بالله وكذلك يتقرب إلى الله بترك المحرمات وخصوصًا التي تدعو إليها النفوس وتحيل إليها فيتقرب إلى الله بتركها لله فمتى وفق العبد بسلوك هذا الطريق في العمل واستعان الله على ذلك أفلح.
وأما الأمور النافعة في الدنيا فالعبد لا بد له من طلب الرزق فينبغي أن يسلك أنفع الأسباب الدنيوية اللائقة بحاله وذلك يختلف باختلاف الناس ويقصد بكسبه القيام بواجب نفسه وواجب من يعوله وينوي الكفاف والاستغناء بطلبه عن الخلق.
وكذلك ينوي بسعيه و کسبه تحصیل ما تقوم به العبوديات المالية من الزكاة والصدقة والنفقات الخيرية الخاصة والعامة مما يتوقف على المال ويقصد المكاسب الطيبة متجنبًا للمكاسب المحرمة، فمتى كان طلب العبد وسعيه في الدنيا لهذه المقاصد الجليلة وسلك أنفع طريق يراه مناسبًا لحاله كانت حركاته وسعيه قربة يتقرب إلى الله بها. ومن تمام ذلك. أن لا يتكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته، بل يستعين بربه متوكلًا عليه راجيًا منه أن ييسره لأيسر الأمور وأنجحها وأقربها تحصيلًا لمراده. ويسأل ربه أن يبارك له في رزقه فأول بركة الرزق يكون مؤسسًا على التقوى والنية الصالحة: ومن بركة الرزق أن يوفق العبد لوضعه في مواضعه. ومن بركة الرزق. أن لا ينسى العبد الفضل في المعاملة: بالتيسير على المعسرين. والمحاباة عند البيع والشراء بما تيسر من قليل أو كثير فبذلك ينال العبد خيرًا كثيرًا: فإن قيل أي المكاسب أفضل قيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك: فمنهم من فضل الزراعة: ومنهم من فضل البيع والشراء: ومنهم من فضل القيام بالصناعات والحروف ونحوها وكل أدلى بحجته: ولكن هذا الحديث هو الفاصل للنزاع: وهو أنه -صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله» والنافع من ذلك معلوم أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص: فمنهم من تكون الزراعة أفضل في حقه ومنهم من يكون البيع والشراء والقيام بالصناعات التي يحسنها أفضل في حقه فالأفضل من ذلك وغيره الأنفع. فصلوات الله وسلامه على من أعطى جوامع الكلم ونوافعها.
ثم أنه صلى الله عليه وسلم حض على الرضى بقضاء الله وقدره، بعد بذل الجهد، واستفراغ الوسع على النافع فإذا أصاب العبد ما يكرهه، فلا ينسب ذلك إلى ترك بعض الأسباب التي يظن نفعها لو فعلها، بل يسكن إلى قضاء الله وقدره ليزداد إيمانه ويسكن قلبه وتستريح نفسه فإن «لو» في هذه الحال تفتح عمل الشيطان بنقص إيمانه بالقدر، واعتراضه عليه، وفتح أبواب الهم والحزن المضعف للقلب، وهذه الحال التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم هي أعظم الطرق لراحة القلب وادعى لحصول القناعة والحياة الطيبة، وهو الحرص على الأمور النافعة والاجتهاد في تحصيلها، والاستعانة بالله عليها، وشكر الله على ما يسره منها، والرضى عنه بما فات.
واعلم أن استعمال «لو» يختلف باختلاف ما قصد منها فإن استعملت في هذه الحال التي لا يمكن استدراك الفائت فيها، فإنها تفتح على العبد عمل الشيطان كما تقدم، وكذلك لو استعملت في تمني الشر والمعاصي فإنها مذمومة وصاحبها أثم: وأما إذا استعملت في تمني الخير، وفي بيان العلم النافع فإنها محمودة لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة، ولا يتم الدين إلا بهما، بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما لان قوله «احرص على ما ينفعك» أمر بكل سبب ديني ودنيوي، بل أمر بالجد والاجتهاد فيه، والحرص عليه نية وهمة فعلًا وتدبيرًا.
وقوله: «واستعن بالله» إيمان بالقضاء والقدر وأمر بالتوكل على الله الذي هو الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح ودفع المضار، مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك، فالمتبع للرسول صلى الله عليه وسلم يتعين عليه أن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه، وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته والله المستعان
الرابط المختصر :