العنوان عودة خاطئة للمفاوضات في ظل معارك حول القـدس والأقصى
الكاتب رأفت مرة
تاريخ النشر السبت 20-مارس-2010
مشاهدات 100
نشر في العدد 1894
نشر في الصفحة 26
السبت 20-مارس-2010
معارك عدة تجري في الشأن الفلسطيني في وقت واحد .. المعركة الأولى: حول «القدس» حيث يقوم الاحتلال الصهيوني بتنفيذ مشاريع بهدف السيطرة الكاملة على المدينة، ومنها تغيير أسماء، وطرد السكان وهدم المنازل، وسحب الهويات.. وسوف تؤدي هذه المعركة إلى خلق وقائع سكانية وسياسية وجغرافية تنهي كل شيء اسمه مفاوضات حول القدس!
الرؤية الأمريكية – الصهيونية تطيح بها.. والحل عبر مصالحة فلسطينية وانتفاضة جديدة
نتنياهو استغل وجود نائب الرئيس الأمريكي ليعلن عن الاستيطان الجديد.. في مظهر من مظاهر الاستخفاف والقوة!
والمعركة الثانية حول «الأقصى» حيث يقوم الاحتلال الصهيوني بتنفيذ مشاريع تؤدي إما إلى التهويد الكامل، وإما إلى هدم المسجد.. وفي هذه المعركة يستخدم الاحتلال وسائل عدة، منها: الحفر تحت أساسات المسجد الأقصى، ومنع المصلين دون الخمسين عاما بالدخول، والسماح لما يسمى به السياح اليهود وغيرهم بالدخول إلى المسجد الأقصى المبارك، وإقامة كنس يهودية في محيط الأقصى، بلغ عددها في السنوات الأخيرة ثلاثة كنس.
والمعركة الثالثة «حول الاستيطان» إذ يقوم الاحتلال الصهيوني بالبناء في كل المساحات، مستهدفًا بشكل أساسي مدينة القدس والقدس الشرقية منها، كما يقوم بتوسيع المستوطنات القائمة ويسرع من وتيرة منح رخص البناء وتوفير الموازنات لها.
في ظل هذه المعارك ووقائعها اليومية على الأرض وأبعادها السياسية والأمنية الخطيرة، جاء القرار الفلسطيني العربي المشترك باستئناف المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وحكومة «نتنياهو» في قرار ليس ذا جدوى سياسية، وأعاد الموقفين الفلسطيني والعربي إلى نقطة الصفر، وأعاد السؤال حول العلاقة بين القرار العربي والمصلحة العربية.
والمؤسف أن قرار استئناف المفاوضات بشكل غير مباشر على المسار الصهيوني الفلسطيني جاء في مناخات سلبية للغاية وأجواء غير مناسبة.
فرئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس يعيش واقعًا صعبًا بسبب جمود المصالحة الفلسطينية الداخلية وفشل رهانه على التدخل أو الضغط الأمريكي وعلى جهود الرئيس« أوباما» شخصيًا، واضطرار عباس لسحب شرطه عدم استئناف المفاوضات إلا بعد تجميد حكومة «نتنياهو» للاستيطان.
وبروز المعاناة الفلسطينية بشكل واضح في الضفة الغربية، إذ لم تقدم الحكومة الإسرائيلية أي مكسب العباس مثل رفع الحواجز أو تحسين الظروف الاقتصادية والإنسانية.
والرئيس الأمريكي «أوباما» في وضع لا يحسد عليه أيضا فهو محاصر داخليا من قبل الحرس القديم أي أتباع الرئيس السابق «جورج بوش»، وهو فشل في أبرز قضايا تواجهها بلاده مثل أفغانستان والعراق وإيران وفشل في تجميد الاستيطان، ولم يحسن صورة أمريكا في العالم، ولم يحدث التغيير الذي رفعه شعارًا، وبالتالي لم يبق أمامه إلا الملف الفلسطيني والضغط على محمود عباس لتسجيل انتصار لإدارته السياسية.
والأوروبيون تراجعوا عن عرض مبادرتهم السياسية تحت الضغط «الإسرائيلي» والأمريكي، وتراجعوا عن الموقف الذي اتخذوه بالاعتراف بدولة فلسطينية، وخضعوا للتهديد «الإسرائيلي»، وبلعوا لسانهم في قضية اغتيال القائد محمود المبحوح لذلك جاء قرار لجنة المتابعة العربية باستئناف المفاوضات بشكل غير مباشر بين عباس ونتنياهو بمثابة رافعة شكلية لمحمود عباس الذي لم يعد أمامه إلا العودة للمفاوضات بعدما طلبت منه القيادة المصرية ذلك، إثر طلب من «نتنياهو» و«أوباما».
وقالت مصادر عربية في مجالس خاصة إن قرار لجنة المتابعة العربية باستئناف المفاوضات جاء نتيجة للضغط الأمريكي الكبير على الدول العربية وبسبب إدراك العرب أن محمود عباس يذهب في جميع الحالات إلى المفاوضات.
الإخفاق قبل المفاوضات
لم يرفض أحد من الدول العربية إعادة المفاوضات، لكن كل ما قيل من العرب قبل وبعد القرار يؤكد أن هذا القرار عديم الفائدة وأن المستفيد الأول منه هو «رئيس الحكومة الإسرائيلية» «نتنياهو» الذي استمر في سياسة الاستيطان، وراهن على جدوى الضغط على محمود عباس، ورفض وضع جدول أعمال أو قواعد للمفاوضات.. والمستفيد الآخر هو «أوباما» الذي أخذ مكسبًا سياسيًا، ولم يقدم أي مكسب المحمود عباس.
والمؤسف أن القرار العربي نعى المفاوضات قبل إعادة إطلاقها، وأن هذا الأمر يعبر عن التخبط أو الفشل العربي.. ومن يقرأ كلمة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أمام الاجتماع يدرك أسباب الفشل والإخفاق العربي، إذ قال موسى كلامًا سلبيًا جدًا ضد المفاوضات، لكنه وافق على إعادتها ، ومما قاله: كانت هناك آراء مختلفة فيما يتعلق بموضوع المفاوضات غير المباشرة، فهذه المسألة حساسة، ونحن في إطار محاولة أخيرة.
وأضاف: «إن كل المشاركين في اجتماع لجنة مبادرة السلام العربية كان مقتنعا بأن المسار التفاوضي مع «إسرائيل»، تحت الظروف الحالية، أصبح غير مفيد، وأن «إسرائيل» بإجراءاتها المستمرة في القدس والأقصي والخليل وبإقامة المستوطنات تشكل تحديا للجميع، وهو أمر يؤكد أن مسار التفاوض بات غير مجد»، مؤكدًا أنه كان هناك توافق في الرأي بين الجميع على هذا الأمر.
وأضاف: أكدنا خلال الاجتماع أن «الطرف الإسرائيلي» في هذا النزاع غير معني بالتفاوض، والدليل على ذلك هو ما يقوم به من إجراءات على الأرض واستفزازات للجانب العربي».
والأصعب من ذلك بيان لجنة المتابعة الذي جاء فيه على رغم عدم الاقتناع بجدية «إسرائيل» في تحقيق السلام العادل ترى اللجنة إعطاء الفرصة للمحادثات غير المباشرة كمحاولة أخيرة.
وتسهيلًا لدور الولايات المتحدة في ضوء تأكيداتها للرئيس الفلسطيني».
الرد الإسرائيلي – الأمريكي
في ظل الوضع الفلسطيني والعربي الحرج الذي دفع العرب للمشاركة في مفاوضات غير مباشرة جاء الرد الإسرائيلي، والأمريكي ليستثمر انهزام العرب وفشلهم السياسي.
فبعدما أثنى «نتنياهو» على ما سماه «بدء نضوج العرب» بدأ الرد بسلسلة من الخطوات هي الاعتداء على المسجد الأقصى وبناء ١٦٠٠ وحدة استيطانية في القدس الشرقية وعرض بناء ٥٠ ألف وحدة في السنوات القادمة، واستغل «نتنياهو» وجود نائب الرئيس الأمريكي جون بايدن في فلسطين المحتلة ليعلن عن الاستيطان الجديد، في مظهر من مظاهر الاستخفاف والقوة.
وبغض النظر عن العتاب الأمريكي على استغلال وجود «بايدن» لإعلان غطاء بناء الوحدات الاستيطانية، فإن ما قاله بايدن في جامعة تل أبيب رسم مستقبل العلاقة الإستراتيجية الأمريكية، وأظهر التلازم في المصير ووحدة الموقف.. فقد وضع «بايدن» مرتكزات العلاقة الأمريكية الإسرائيلية في المستقبل وفصلها على النحو التالي:
- الولايات المتحدة ليس لديها صديق أفضل من إسرائيل في العالم بأسره.
- العلاقة بين الدولتين لا يمكن أن تتأثر بأي تغير في سياسة الدولتين أو الحزبين الحاكمين.
- الولايات المتحدة لن تتراجع عن تأمين حماية «إسرائيل» في هذه المنطقة المعادية.
- الحقائق الديموجرافية تدل على أنه من الصعب على إسرائيل أن تكون دولة يهودية وديمقراطية معا ما لم تقم الدولة الفلسطينية.
عبء وليست حلًا!
أسس ومرجعية المفاوضات غير واضحة وغير متفق عليها .. ويبدو أن محمود عباس سيعود للتفاوض من الصفر !
في ظل هذه الأجواء السياسية تحولت المفاوضات غير المباشرة بين «عباس» و«نتنياهو» إلى عبء على الفلسطينيين وعلى العرب.
فمعظم القوى السياسية الفلسطينية رفضت العودة للمفاوضات، وصدرت مواقف عن «حماس» و«الجهاد الإسلامي» وحتى عن فصائل داخل منظمة التحرير الفلسطينية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» و «حزب الشعب».
ويعود تحول المفاوضات إلى عبء للأسباب التالية:
- شعور «نتنياهو» بالنشوة واستخفافه بالقرار العربي وتحديه له من خلال ما يجري في القدس والأقصى وبناء الوحدات الاستيطانية.
- آلية المفاوضات غير المباشرة غير واضحة، إلى الآن، ومحمود عباس ينتظر إشارة أمريكية.
- أسس ومرجعية المفاوضات غير واضحة وغير متفق عليها، ويبدو أن محمود عباس سيعود للتفاوض من الصفر.
- القرار «الإسرائيلي» ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية انعكس تخبطًا عربيًا، وهناك محاولات لسحب اليد من القرار.
يبقى أن نشير إلى أن الخروج من هذا المأزق السياسي يتمثل في التالي:
- إعادة إشعال الانتفاضة في القدس والضفة الغربية ردًا على السياسات الصهيونية حول الأقصى والقدس وضم الأماكن المقدسة.
- تنفيذ المصالحة الفلسطينية الداخلية.
- تراجع العرب عن قرارهم في القمة العربية القادمة .