; فلسطين المحتلة: المجتمع (1447) | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين المحتلة: المجتمع (1447)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001

مشاهدات 70

نشر في العدد 1447

نشر في الصفحة 22

السبت 21-أبريل-2001

صورتان من داخل فلسطين

الصبر والثبات.. في مواجهة الوحشية والنذالة

بين الحصار المحكم.. وتحت وابل القصف والاجتياح الوحشي أصبحت حياة أهلنا في فلسطين المحتلة.. هكذا.. وأصبح على هذا الشعب المجاهد أن يواصل المقاومة دون استسلام أو انهزام مقدمًا شهيدًا تلو شهيد، وضاربًا أنبل أمثلة الصبر على الحصار وأقوى امثلة مقاومة العدو.

بين القرى المحاصرة.. والبيوت المدمرة.. وبين الذين افترشوا الأرض والتحفوا السماء بعد أن أصبحوا بلا مأوى ولا قوت لكن عزيمتهم وإيمانهم القوي بالله صارا أمضى سلاح في وجه العدو الجبان.

صور البطولة والصمود تتوالى أمام وحشية الصهاينة ونلتقط منها هذه الصورة كنموذج على ما يدور هناك.. داخل فلسطين الحبيبة.

قرية سالم.. الشامخة

بلدة تحت الحصار، لكنها تظل شامخة... تكبد الاحتلال من الآلام والمعاناة مثلما تكبدت.

لم يكتف جيش الاحتلال الصهيوني بفرض الحصار وحظر التجول المشدد على بلدة سالم (7) كيلومترات شرقي مدينة نابلس)، فهو يسعى بكل السبل إلى إذلال الأهالي، وفرض عقوبات مشددة بحقهم.

تحولت البلدة الفلسطينية الريفية البسيطة إلى هدف مقصود لسلطة الاحتلال الغاشم في أعقاب الهجمات المسلحة في محيط البلدة، ضد دوريات للمشاة والمستوطنين اليهود.

فقرية سالم - التي تضم 5 آلاف نسمة - تعد محورًا للأنشطة الجماهيرية والوطنية في منطقة قرى شرق نابلس. وقد قدمت خلال الانتفاضة الحالية ثلاثة شهداء هم ضياء عيسى، وإياد اشتيه، وماضي اشتيه، إلى جانب عشرات الجرحى.

البلدة تعيش أجواء حصار مطبق، وقد أدى حظر التجول المفروض بصرامة عليها، إلى شل الحياة داخلها، ومنع مئات القرويين من التوجه إلى أراضيهم الواقعة في مناطق الغور وخاصة مع حلول موسم قطف البقول.

مساحات واسعة من أراضي البلدة التي تقع شرق الطريق الالتفافي، الذي يخترق أراضيها أضحت مهجورة لصعوبة الوصول إليها، بسبب اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين.

وحسب المواطن محمد اشتيه، فإن البلدة تعرضت خلال الأسابيع الأخيرة للقصف مرات عدة، وهو ما أدى إلى أضرار فادحة في منازلها. كما ان مزارع. محلية داخل البلدة تعرضت لخسائر فادحة أيضًا بسبب عدم تمكن أصحابها من العناية بها.

ويشكو الأهالي من اعتداءات الجنود الصهاينة المتواصل، وسط ممارسات لا أخلاقية!

وقد استولى جيش الاحتلال على سطح منزل المواطن ناجح اشتيه قبل شهرين، وهو منزل بصدد البناء، بحجة مراقبة تحركات المواطنين الفلسطينيين، وحماية سيارات المستوطنين، وتنفيذ الطريق الالتفافي.

كان جندي صهيوني قد قتل خلال تبادل الإطلاق النار في محيط المنزل، أصيب خلاله أيضًا جنديان آخران بجراح وقامت قوات الاحتلال بفرض حظر التجول على البلدة، إثر ذلك الحادث.

الطفل يوسف اشتيه (۳) أعوام) يعرب عن انزعاجه لمنعه من الخروج من المنزل واللعب في الحقل، ويقول: إنه اعتاد على ذلك إلا أن قوات الاحتلال تتدخل وتحرمه من أبسط حقوقه. ويضيف أنا لا أخاف الجيش، ولا المستوطنين اليهود.

أما أم يوسف فتشعر بالضيق والخوف والانزعاج الشديد من وجود قوات الاحتلال، لأن ذلك لا يمكنها من زيارة أهلها في منزل مجاور بسبب كثافة انتشار الجنود في أحياء البلدة.

وقد ترك الحصار ظلاله الثقيلة على التحصيل العلمي، إذ لم يتمكن الطلبة المسجلون في مدارس البلدة والمدينة، إلى جانب عشرات الطلبة الجامعيين من الوصول إلى مقاعد الدراسة، كما لم يتمكن العديد من المواطنين الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم حتى الصحافة لم تسلم من الحصار إذ تعرضت الصحف اليومية إلى إرباك في توزيعها بسبب محاصرة الاحتلال المسؤول التوزيع المقيم في البلدة.

ورغم الأسى والألم الذي يكتوي أهالي قرية سالم بناره، فإن ممارسات الاحتلال وسعيه الإذلالها، يكشف عمق الألم الذي تسببه هذه البلدة العنيدة للسلطات الصهيونية ودوائرها المختلفة.

معركة حقيقية حول مخيم خان يونس

ومن قرية سالم تتحرك صورة المأساة والبطولة في أن واحد إلى مخيم خان يونس، حيث دارت معركة حقيقية بين الفلسطينيين والصهاينة.. ماذا حدث.

يصف مواطنون فلسطينيون ما حدث بأنه معركة حقيقية، ويقول شهود عيان إن قوات الاحتلال المرابطة في شبكة مستوطنات غوش قطيف غرب المدينة، دهمت مخيم خان يونس الغربي بعد منتصف الليل، ومهدت لاقتحامه بقصف عشوائي مكثف من كل مواقع الجيش المحاذية له من الجهات الغربية والشمالية والجنوبية، وشارك عدد كبير من الدبابات والمدرعات، وجنود الاحتلال في الهجوم على منطقة المخيم الغربية.

وأحضر الجيش الصهيوني قواته وعددًا من الجرافات العسكرية التي جرفت خمسة عشر منزلًا ولم تسمح لأصحابها حتى بإخلاء أثاث منازلهم وخلفت أكثر من ١٥٠ مواطنًا من أصحاب البيوت دون مأوى.

الجيش استخدم في هجومه كل أنواع الأسلحة بما فيها قذائف الدبابات، والرشاشات من عياري ٥٠٠ و ٨٠٠ ملم، لكن عددًا كبيرًا من المسلحين الفلسطينيين تصدى لهذا الهجوم، ودارت معركة حقيقية استمرت حتى ساعات الصباح على جبهة يبلغ طولها نحو خمسة كيلومترات، تمتد على طول حدود شبكة مستوطنات غوش قطيف التي تفصلها المستوطنات عن مدينة خان يونس، ووجهت مكبرات الصوت في المساجد نداءات إلى المواطنين والمسلحين الفلسطينيين لحماية المخيم، والتصدي للهجوم.

المسلحون الفلسطينيون استطاعوا لأكثر من ساعتين وقف الهجوم وإعاقته ممما اضطر الصهاينة إلى استقدام المروحيات التي قامت بقصف المخيم. كما شاركت بوارج حربية صهيونية في عمليات القصف من البحر، وشكل قصف الطائرات المكثف ساترًا كبيرًا من النيران ترك المجال للجرافات الصهيونية كي تتقدم داخل مخيم خان يونس وتهدم 15 منزلًا فلسطينيًا.

ومازالت العمليات الوحشية جارية... ومازال الصمود والجهاد مستمرًا.

مأساة الشعب الفلسطيني من المسؤول.. ما العمل؟

عندما كان الفريق السياسي العربي والفلسطيني «المعتدل» يسوق المنهج الجديد في التعامل مع القضية الفلسطينية وفق أسلوب التنازلات التدريجية طمعًا في «السلام» و الازدهار، تحت لافتة «الواقعية» كان مما حفظته ذاكرتي من الردود والتعقيبات على هذا المنهج وبالذات على مصطلح «الواقعية» عبارة «الوقوعية». التعبير انطبق فعلًا ولايزال على الوضع المأساوي للحالة الاقتصادية - الاجتماعية للشعب الفلسطيني. هذا الوضع الذي نسف جوهر المنطق الاستسلامي التبريري الذي يتكئ على فرضية موهومة قوامها أن التفريط في المبادئ والحقوق سيقابله فجر مشرق من الرفاه والازدهار (1). 

 محمد بر او

ثمة إجماع على أن عجلة الاقتصاد الفلسطيني قد أصيبت في مقتل، فانهارت بنياته التحتية وتضررت فروعه الثلاثة على نحو فادح.

ويعتبر القطاع الفلاحي الأكثر تضررًا من سياسة الحصار وقد نجمت خسائره عن منع بيع وتسويق المنتجات الزراعية الفلسطينية وعبورها الحدود نحو الأسواق الدولية وخاصة السوق الأوروبية، وقد تضررت من جراء ذلك زراعة التوت المزدهرة في قطاع غزة، إذ تقدر المساحة المزروعة بحوالي ۱۷۰۰ دونم الدونم ۱۰۰۰ متر مربع)، وحسب المصادر الرسمية الفلسطينية فإن حوالي ٥٠ من الإنتاج يخصص للتصدير لأوروبا.

فيما توقف العديد من المصانع الفلسطينية عن العمل بسبب شح المواد الأولية التي تستورد ٧٥ منها من الكيان الصهيوني أو من بلدان أخرى عبر موانئه، وهكذا فقد الآلاف من الفلسطينيين عملهم بعد توقف الإنتاج، كما أن العدوان العسكري أصاب العديد من المصانع بالتدمير وتتلخص عوامل تدهور القطاع الصناعي الفلسطيني في العناصر التالية:

۱ - منع دخول المواد الأولية إلى الأراضي المحتلة.

2 - منع تصدير المنتجات الصناعية إلى الأسواق الخارجية.

3 - حرمان المصانع من اليد العاملة بسبب الحصار والعدوان.

4 - شل حركة المبادلات التجارية الداخلية بين المدن الفلسطينية.

وقدرت وزارة الصناعة الفلسطينية أن القطاع الصناعي الفلسطيني انحدر ما بين ۲۸ سبتمبر و ١٢ ديسمبر الماضيين بنسبة ٨٠%.

الآثار الاجتماعية والإنسانية على السكان

لم يجد ياسر عرفات في تشخيصه للوضع أكثر من إنشاد قصائد بكائية على حال الشعب الفلسطيني من قبيل ما قاله في القمة الإفريقية الاستثنائية في ليبيا إن "إسرائيل" تحاصر اقتصادنا، وتدمر بنيتنا التحتية، وتحتجز عائدات عمالنا .... ولم يذكر شيئًا عن دور نهجه التفريطي فيما آلت إليه الأوضاع، فها هو الشعب الذي مني بالعسل والورود يذوق العلقم ومرارة التسوية الشوهاء، حيث تصاعد معدل الفقر ليصل %۳۲ بعدما كانت نسبته ۲۱ قبل الانتفاضة، وحسب تقرير لبرنامج الغذاء العالمي (٢٠٠١/٢/٢٧م) فإن عدد الأفراد الذين يعيشون بمبلغ يقل عن دولارين يوميًا ارتفع من ٦٥٠ ألفًا إلى مليون إنسان، وتؤكد مصادر البرنامج أن الاقتصاد الفلسطيني الذي يوجد في حالة ركود تام انعكس بشكل حاد على القدرة الشرائية للسكان، كما أن معظم المحال التجارية فارغة لأن الناس لا يكادون يملكون النقود ولا يستطيعون شراء السلع الأساسية، إذ إنهم قد استنفدوا كامل مدخراتهم، وأضحت فرص العمل معدومة بالنسبة للكثير من الناس بسبب الإغلاقات والحصار.

وتشير مصادر البرنامج إلى أن ٥٠ من الناتج الإجمالي المحلي هي نسبة الخسائر الاقتصادية المباشرة، وأن العواقب على الأشخاص تكاد تكون قاضية فمعدل البطالة ارتفع من ۱۱ إلى ۸۳ ونذكر على سبيل المقارنة هذا الجواب الذي رد به مروان البرغوثي الشرق الأوسط (۲۰۰۱۲/۲۸م عندما سئل مدخولكم أربع آلاف دولار شهريًا في مناطق السلطة الفلسطينية جيد، فالأسعار رخيصة، ويمكنكم توفير الكثير، فأجابه بالعكس الأسعار مرتفعة جدًا عندنا، فنحن ندفع ثمن الضروريات بمثل أسعار "إسرائيل"، لأن بضائعنا الاستهلاكية من عندهم!!.

إذا كان الأمر كذلك، فماذا نقول عن المليون إنسان الذين يقل مدخولهم الشهري عن ٦٠ دولارًا.

الأسباب البنيوية

وأهم من يعتقد أن المأساة الحالية للشعب الفلسطيني سببها فقط المؤامرة الصهيونية، أو خط العنف والتطرف لدى حكومة شارون وكأن الشعب الفلسطيني كان يعيش وضعًا مريحًا منذ أوسلو حتى الآن (!). إن أسباب الضائقة الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني مردها إلى ثلاثة عوامل رئيسة (د سمير عبد الله التنمية الاقتصادية في فلسطين، ضمن كتاب فلسطين وجنوب لبنان... مؤسسة عبد الحميد شومان والمؤسسة العربية للدراسات والنشر) وهذه العوامل هي:

1- الإرث المتراكم للاحتلال.

٢ - الاتفاقات الفلسطينية مع الاحتلال.

3 - قيام السلطة الفلسطينية.

يری د عبد الله أنه كان بإمكان السلطة استغلال صلاحياتها في عملية التنمية الاقتصادية والقانونية، ويأخذ عليها عدم تطوير قدرتها التخطيطية في المجالات التنموية وعدم تمكنها من تخفيف العبء الضريبي فضلًا عن عدم قدرتها على معالجة تداخل السلطات علاوة على ما كشفت عنه تقارير متطابقة حول سوء التسيير والفساد الإداري والمالي مما أدى إلى حذر الجهات الممولة.

بناء عليه، فإن معالم التشخيص العلمي الموضوعي للوضع الاقتصادي الفلسطيني تتلخص في ضعف القاعدة الإنتاجية، واهتراء البنية التحتية، والتبعية الاقتصادية الطوعية (!) لتل أبيب وكرس ذلك الاتفاقات التي أبرمتها السلطة مع المحتل وخاصة البروتوكول الاقتصادي الموقع في باريس بتاريخ ٢٩ أبريل ١٩٩٤م، فواصل المحتل نهب موارد الاقتصاد  الفلسطيني وعمق الاستيطان وأحكم قبضته على التجارة الخارجية والداخلية.

مراجعة للبروتوكول الاقتصادي

يندرج البروتوكول داخل إطار سياسي وقانوني أوسع، غايته تثبيت الأمر الواقع الاحتلالي، كما صرحت بذلك «شولاميت الوني» وزيرة الاتصال في حكومة رابين السابقة: «لو ربطت بريطانيا انسحابها من فلسطين بمثل تلك الشروط التضييقية لما كان لدولة "إسرائيل" أن تخلق». وهكذا وطبقًا لاتفاق القاهرة في ٤ مايو ١٩٩٤م حول الحكم الذاتي لغزة وأريحا ستظل القوانين العسكرية سارية المفعول طيلة الفترة الانتقالية المحددة في خمس سنوات شارفت الآن على الثماني سنوات وستبقى مناطق الحكم الذاتي خاضعة لنظام الاحتلال.. وليس للسلطة الفلسطينية أن تراجع القوانين، حيث تحتفظ تل أبيب بحق الفيتو فيما يتعلق بموضوع تعديل القانون.

وحسب مرون بنفينيستي النائب الأسبق العمدة القدس، فإن البرتوكول الاقتصادي يضمن "الإسرائيل" جميع الوسائل الممكنة للسيطرة على اقتصاد مناطق الحكم الذاتي ويقنن تبعية الفلسطينيين أخطر من ذلك يجعل من الكيان الصهيوني الشريك الاقتصادي الوحيد للكيان الفلسطيني.

إن الناتج الوطني الإجمالي لغزة والضفة الغربية لا يتجاوز ٣ مليارات دولار. وليس بمقدور اقتصاد بهذا الحجم المحدود والمتخلف أن ينمو دون علاقات تجارية. بيد أن البرتوكول ينص على إقامة وحدة جمركية بين تل أبيب ومناطق الحكم الذاتي، ويلتزم الطرفان بفرض القيود نفسها على الواردات. وهو ما يعني لا محالة امتصاص الاقتصاد الأضعف من قبل الاقتصاد الأقوى.

على الرغم من أن إقامة علاقات اقتصادية مع العالم العربي سيكون - حسب البروتوكول . أمرًا مرخصًا به، فإن أمال الفلسطينيين في تنسيق أكثر مع الأردنيين ومن خلالهم مع أسواق أخرى قد تم إعدامها عمليًا، لأن أسعار منتجاتهم ستكون غير قادرة على المنافسة. إضافة إلى ذلك فإنه بالنسبة للتجار الفلسطينيين سيظل السوق اليهودي - الفترة طويلة - أكثر جاذبية بالمقارنة مع الأسواق المنافسة العربية، إن منتجات مستوردة كثيرة تم تعيين ستين منها سوف تخضع لنظام سقوف متفق عليها استنادًا إلى حاجيات الطرفين ويجب أن تستجيب للشروط اليهودية، بعضها لن يكون بالإمكان ابتياعها إلا من الأردن أو مصر إن تقنين الصادرات الفلسطينية إلى الكيان الصهيوني سيطرح مشكلات حقيقية لا سيما للقطاع الزراعي. فمع أن للفلسطينيين حق تصدير منتجاتهم الزراعية إلى الأسواق الخارجية دون قيود، فإنه لن يكون هيئًا عليهم بلوغها ذلك أن سلطة الاحتلال تحتكر بصورة شبه كلية عملية التسويق، وسيكون بإمكانها تقويض أي محاولة للاستقلال.

فيما يتعلق بتنقل العمال فإن أحد بنود البروتوكول يقنن حق المحتل في تقييد دخول العمال الفلسطينيين وصلاحية تقرير الأعداد المسموح لها بالدخول تبعًا لمصالحها.

لقد بدا أن المقتضيات المتضمنة في البروتوكول الاقتصادي يمكن أن تكون لها عواقب كارثية على الضفة الغربية وغزة، حيث يتراوح معدل البطالة بين ٣٠ و ٥٥، إذ إنها تحول مناطق الحكم الذاتي إلى سوق عمل أسيرة» في يد المحتل. وسيتحتم على كل عامل أو منتج للخروج من الأقاليم الفلسطينية المحصورة، الحصول على رخصتين الأولى فلسطينية والأخرى صهيونية وللمحتل الكلمة الأخيرة.

وحسب الخبيرة الأمريكية سارة روي (لوموند ديبلوماتيك أغسطس ١٩٩٤م): «إن أفدح خطأ وقعت فيه منظمة التحرير الفلسطينية هو عدم قدرتها على تأمين - طيلة الفترة الانتقالية - دخول أعداد معينة من الفلسطينيين إلى "إسرائيل" من غير قيود لأنها هي الطريقة الوحيدة على المدى القصير للتخفيف من ثقل البطالة، وإن كون الدولة اليهودية قد وافقت على تحويل ٧٥٪ من الرسوم المستخلصة من عائدات العمال الفلسطينيين إلى السلطة الفلسطينية لا يغير شيئًا من واقع الأمر، أي أن تبعية مناطق الحكم الذاتي لن تأخذ إلا في الازدياد. ولكن "إسرائيل" تحتجز الآن حتى تلك العائدات وحيث إن منظمة التحرير الفلسطينية قد وافقت على إقامة روابط شبه خاصة مع جارتها القوية فإن الموارد المالية الفلسطينية ستكون رهينة التدفقات الناتجة عن العلاقات التجارية مع "إسرائيل").

وقد كان من أولويات أهداف منظمة التحرير خلق سلطة نقدية فلسطينية قادرة على تقنين الأنشطة البنكية والتجارة الخارجية، ولكن المفاوضين الفلسطينيين لم يتمكنوا من فرض حق هذه السلطة في صك النقود، وهي وظيفة أساسية من وظائف أي بنك مركزي، وظل الشيكل العملة اليهودية) هو العملة المستعملة داخل مناطق الحكم الذاتي وهكذا فإن القرارات ذات الصلة بالقطاع النقدي المتخذة من قبل الحكومة الصهيونية سيكون لها أثر مباشر على الفلسطينيين.

فلماذا قبل ياسر عرفات بالاتفاق تحت هذه الشروط ربما لأنه كان يعول على مبلغ ٢,٤ مليار دولار من العون الخارجي الموعود من أربعين جهة مانحة. لكن المساعدات تأخرت لأسباب أقلها غياب مؤسسات اقتصادية حكومية قادرة على استيعاب تلك المبالغ، أو عدم ملاستها، فالمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية وإعادة البناء مازال غير جاهز تمامًا للعمل، وقد تم رصد نسبة معتبرة من تلك المبالغ لأهداف التنمية وليس لتسيير الإدارة، بينما كان عرفات يفضل العكس وسواء عن صواب أو عن خطأ فإن الجهات المانحة ستفرض شروطها الخارجية الخاصة وإذا لم تتم الاستجابة لها فإن بإمكانها إلغاء التحويلات مهما تكن العواقب على السكان. ازدادت حدة تلك الشروط بعد انكشاف فضائح سوء التسيير الإداري والمالي.

في الواقع فإن البروتوكول الاقتصادي الموقع في باريس يعطي الشرعية والمشروعية لفترة ٢٧ سنة من الاحتلال، إذ بموجبه فإن الأوامر العسكرية سيستمر مفعولها ساريًا، وخاصة في الميدان الاقتصادي، ولا يمكن للسلطة الفلسطينية إبطالها بصورة انفرادية، وهي ليست فقط تقيد حق الفلسطينيين في تقرير ما يتعلق بتنمية اقتصادهم، ولكنها ترسم الحدود التي سوف تؤطر مسار تلك التنمية.

إن بعض الإصلاحات التي تقدم من حين الآخر على أنها إيجابية لن تؤثر على التبعية للمحتل إنها ستغير شكل هذه التبعية ليس إلا. العمال الفلسطينيون سيستمرون في العمل الصالح المحتل ولكن هذه المرة ليس في تل أبيب بل في غزة ورام الله، ثم إن العوامل الجوهرية للإنتاج ستبقى تحت سيطرة اليهود واللجنة المشتركة، ستكون عمليًا عبارة عن أداة سيطرة بيد المحتل.

البدائل الواقعية المطروحة

ما العمل؟ إن البديل الواقعي المطلوب هو استخلاص العبرة لجهة أي اتفاق أو تعاقد مقبل اقتصاديًا كان أو سياسيًا.

أولًا: فالضرورة المنطقية تستدعي إسناد الأمور لأصحابها فلا يجوز أن يحشر غير الأكفاء الأمناء أنفهم في مفاوضات تتناول شؤونًا اقتصادية دقيقة.

ثانيًا: أن تستغل السلطة الفلسطينية تحلل الجانب الآخر من التزاماته الاقتصادية والسياسية، وتعلن عن موت الاتفاقات والالتزامات السابقة لأن ضررها ثبت أنه أكثر من نفعها.

ثالثًا: تشكيل جبهة وطنية عريضة تضم جميع مكونات الشعب الفلسطيني سياسية كانت أم اقتصادية أم فنية وتسييج هذه الجبهة بشبكة من التعاقدات المؤسسية يكون مرجعها هو الشعب الفلسطيني، ومن وراءه العرب والمسلمون كافة وهذا الأمر لن يضعف عرفات بل سيقويه.

رابعًا: أن يؤيد العرب والمسلمون توجه القيادة الفلسطينية نحو شعبها ونخبه وقياداته المتنوعة الداخلية والخارجية ويعلنوا تعبئة شاملة سياسية وإعلامية واقتصادية ومالية لمواجهة التحدي الصهيوني الهمجي.

 

الرابط المختصر :