; مقامات رمضانية (5)- صائم في مقام الإيثار | مجلة المجتمع

العنوان مقامات رمضانية (5)- صائم في مقام الإيثار

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009

مشاهدات 62

نشر في العدد 1870

نشر في الصفحة 48

السبت 19-سبتمبر-2009

الجود بالنفس أعلى المراتب.. والجود بالعلم أفضل من المال.. والجود بالصبر والاحتمال لا تقدر عليه إلا النفوس الكبار

فريد رجل لا يكف عن الكد والعمل لخدمة الصائمين المعتكفين في رمضان وهو سعيد مسرور لا تفوته العبادة

إِنْ أَنسَ لا أنسى «فريدًا»، وإن تعجب فعجب فعل هذا الرجل.

ما إن يحل شهر رمضان حتى تجد «فريدًا» كالنحلة النشطة لا تكف عن العمل بلا كد ولا كلل.

وعمله هذا يكون لإخوانه داخل المسجد والمؤسسة التابعة، يعد وينظف المكان ويحرس الأبواب، يسقي الظمأى، يساعد في طبخ الإفطار وتقديمه، يبقى مستيقظًا إذا نام الناس في المعتكف مستعدًا لأي طارئ متقدمًا لأي خدمة.. إذا احتاج الأمر للمال دفع، للتوصيل قاد، للسهر قام، للعمل رفع.

كل ذلك وهو سعيد مرتاح لا تسمع منه كلمة تذمر أو نبسة اعتراض، كأنه خلق لا تهمه نفسه وإنما يهمه إخوانه. وتراه مع ذلك لا تفوته العبادة كما في الحديث:

عن ابن عباس قال: قال رسول الله : «قال الله تبارك وتعالى: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرًا على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ورحم المصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلوه بعزتي وأستحفظه ملائكتي، أجعل له في الظلمة نورًا وفي الجهالة حلمًا، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة» (رواه البزار)

 توازن عجیب

ذلك التوازن بين الخدمة والعبادة تراه في الحديث عن الأسود قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي يصنع في بيته؟ قالت: «كان يكون في مهنة أهله «تعني خدمة أهله»، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» (البخاري).

وكذلك العلاقة بين الإيمان وحب الخير للإخوة في الدين، فعن أنسى رضي الله عنه أن النبي قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (البخاري).

كأنما سلّ الصيام سخيمة نفس «فريد» وجردها من الأثرة، كأنما تحقق فيه قول رسول صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن تواضع من غير منقصة وذل في نفسه من غير مسكنة، وأنفق مالًا جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة..» (معجم الطبراني الكبير).

منزلة الإيثار: أسأل نفسي: هل يحقق هذا الرجل السخاء، لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه. أم أنه في مقام الجُود فهو يعطي الأكثر، ويُبقي شيئًا لنفسه، أم أنه في منزلة الإيثار؛ فيؤثر إخوانه بالشيء مع حاجته إليه؟ وهذه قصة آية الإيثار في سورة الحشر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبي فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضم أو يضيف هذا؟» فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: هيئي طعامك وأصـبـحـي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9)» (رواه البخاري).

سخاء الأنصار

وللعجب، فهؤلاء الأنصار أصحاب الإيثار، أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سيجدون من بعده أثرة: لما أفاء الله على رسوله يوم حنين، قسم الغنائم في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي»، كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَنّ قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ؟»، قال: كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَن قال: «لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (البخاري).

فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية. وزاد في حديث أبي سعيد: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا وحظًا».

عشر مراتب

و«الجود» عشر مراتب:

الجود بالنفس، وهو أعلى المراتب.

 الجود بالرياسة، فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته والإيثار في قضاء حاجات الناس.

الجود براحته ورفاهيته، فيجود بها تعبًا وكدًا في مصلحة غيره.

الجود بالعلم وبذله، وهو أفضل من الجود بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال، ومنه أن تبذله لمن لم يسألك عنه، ومنه أن السائل إذا سألك عن مسألة استقصيت له جوابًا شافيًا.

الجود بالنفع بالجاه، كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان.

 الجود بنفع البدن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل سلامى عليه صدقة، كل يوم يعين الرجل في دابته يحامله عليها، أو يرفع متاعه صدقة، والكلمة الطيبة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة» (البخاري).

الجود بالعرض، كجود أبي ضمضم من الصحابة، كان إذا أصبح قال: «اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل»، قال ابن القيم: «وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه» (مدارج السالكين).

 الجود بالصبر والاحتمال والإعفاء، ولا يقدر عليه إلا النفوس العظيمة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مَثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله (الشورى:٤٠). فذكر المقامات الثلاثة، مقام العدل وأذن فيه، ومقام الفضل وندب إليه، ومقام الظلم وحرمه.

الجود بالخلق والبشر والبسطة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (مسلم).

الجود بتركه ما في أيدي الناس، فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له قلبه..

الرابط المختصر :