العنوان الفساد الإداري والغزو الفكري
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988
مشاهدات 66
نشر في العدد 858
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 15-مارس-1988
لفت انتباهي من
المواضيع التي بحثها مؤتمر وزراء الداخلية العرب الذي انعقد بتونس موضوعان: الأول:
الفساد الإداري، والثاني: الغزو الثقافي الأجنبي، وعلاقة هذين الموضوعين بالأمن
والاستقرار في المجتمعات العربية.
والسبب في
اهتمامي بهذين الموضوعين ليس لعدم أهمية المواضيع الأخرى التي بحثوها، وإنما لأني
لأول مرة أرى مؤتمرًا كهذا يبحث هذين الموضوعين ويربطهما بالأمن والاستقرار في
المجتمع.
وهذه بلا شك
نظرة ثاقبة، يجب أن تحظى بالاهتمام من كافة الذين يهمهم أمر إصلاح المجتمعات، ونشر
العدالة والاطمئنان، وتقدم الشعوب، حيث تبين بما لا يدع مجالًا للشك أن الفساد
الإداري والتأثيرات الأجنبية يأتيان في قمة الأسباب التي تُقوض المجتمعات، وتنشر
فيها الفوضى والاضطراب.
فإذا استشرى
الفساد الإداري في أجهزة الحكم والمؤسسات كان لذلك آثارًا عكسية، وردود فعل عنيفة
في المجتمع بسبب التذمر الذي يعم طبقات الشعب المختلفة. ولذلك رأينا الدول
المتقدمة تفرض أنواعًا من الرقابة الشديدة والدقيقة على المسؤولين والموظفين، ولا
تسمح بأي حال من الأحوال لأي مسؤول أن يستغل مركزه الوظيفي لأغراضه الخاصة، وتمنع
منعًا باتًا التدخل في شؤون القضاء والمؤسسات التي من مهمتها الرقابة والملاحظة
على سير العمل الإداري، وتختار للمهام والمسؤوليات الأكفاء المعروفين بالنزاهة
والحزم والشجاعة، وتقضي على أي ظاهرة فساد قبل أن تستفحل، ولا تسمح للمحسوبية أن
تتحكم في رقاب الناس، وترفع من تشاء، وتخفض من تشاء. فالفساد الإداري بلاء عظيم،
وشر مستطير، ونكبة كبيرة عندما يبلغ أَوْجَه، وهو يبدأ صغيرًا ثم يكبر ويتضخم حتى
لا يكون له دواء، ولا ينفع فيه علاج، ويصير الأمر كما قال أحد الزعماء المصريين:
"ما فيش فايدة". عند ذلك تكون حركة تدميرية تقضي على الأخضر واليابس.
ونحن العرب
والمسلمون لنا أسوة حسنة في تاريخنا الإسلامي، وموقف الرسول صلى الله عليه وسلم من
عامله ابن اللتبيَّة المعروف في كتب الحديث والسيرة، كما أن الخليفة الراشد عمر بن
الخطاب -رضي الله عنه- قد وضع الأسس المثلى لمحاربة الفساد الإداري والحيلولة دون
استشرائه، فكان يراقب عماله مراقبة شديدة، كما كان يقاسمهم الأموال التي يُشتبه
فيها ويُصادرها ويضعها في خزينة الدولة، وهو أول من وضع نظام "من أين لك
هذا؟".
كل ذلك في إطار
إقامة العدل، وتحقيق المصلحة العامة، ولا يُولَّى في الإسلام الرجل الضعيف، ولذلك
منع الرسول صلى الله عليه وسلم الولاية عن أبي ذر على جلالة قدره وقال له:
"إنك رجل ضعيف"، ذلك لأن الضعيف يستسلم للضغوطات والمغريات، ولا يثبت
أمامها. فالرجل ذو الشخصية القوية لا يتزحزح عن موقفه ما دام على الحق، ولا يسمح
لأحد أن يجعله سلمًا لأغراضه، وجسرًا للظلم والإثم، ومَرْكَبًا يُتوصل به لتحقيق
مصالح فئة معينة على حساب فئات أخرى، ولسان حاله يقول:
فإن كنت تبغي
للظلامة مركبًا *** ذلولًا فإني ليس عندي بعيرها
نشأت عسيرًا لا
تلين عريكتي *** ولا يستقر فوق ظهري كَوْرُها
أما الغزو
الفكري فله ارتباط أيضًا بالفساد الإداري، فبسبب الانحراف عن العدالة، وهيمنة
الاستبداد والطغيان، تُفتح ثغرات لتقبل أي فكر يُظن فيه الخلاص من الأوضاع السيئة.
فالشيوعية مثلًا
لا تدخل إلى بلد إلا إذا فقدت فيه العدالة؛ لأنها توهم الناس أنها هي التي تحققها
لهم، وأن كل ما ينشدونه من عدل ورفاهية سيتحقق لهم بوساطتها، وتُثير الفتن
والخلافات بين فئات المجتمع، لأنها تقوم على الصراع الطبقي، وتجد لها أنصارًا من
كل الطبقات، وخاصة من الطبقات الدنيا، ومن المظلومين.
عند ذلك تسود
الفوضى والاضطراب في المجتمع، بصرف النظر عن عدم تحقيق ما تدعيه من عدالة عندما
تحكم.
المهم أن تُثار
الأحقاد والضغائن في المجتمع، لأن الأوضاع الفاسدة تعطي قابلية لتفجير الأحقاد،
فأكبر سد منيع ضد الغزو الفكري هو العدالة في أسمى معانيها وفي مختلف مجالاتها.
وبالنسبة للمجتمعات الإسلامية يجب أن تسود المُثُل العليا للإسلام، وألا
تُستَفَزَّ الجماهير بما يناقض عقيدتها الإسلامية؛ فإن هذا الاستفزاز من جانب
المتشبعين بثقافة الغرب والسائرين في ركاب الحضارة الغربية المفتونين بقشورها يسبب
الاضطراب والبلبلة والصراع، وهذا ما أدى إلى التطرف والعنف في بعض البلدان؛ إذ لا
يُطيق المسلمون وخاصة شبابهم أن يروا الخمور تُباع علنًا في الأسواق، ولا يُطيقون
أن يروا السفور والتفسخ يعم البلاد، ولا يسمحون للترويج للأفكار الإلحادية
والمناهضة للإسلام.
والغريب أن بعض
الدول التي تدعي أنها تسير على النظام الغربي في تعدد الأحزاب تسمح بتكوين أحزاب
شيوعية وعلمانية، بينما ترفض السماح بتكوين تنظيمات إسلامية، وهذا ما يسبب تذمرًا
عند قطاع عريض من الشعب، يشعر بأنه مكبوت ومحارب ومضغوط، فما يلبث أن تتمدد هذه
التنظيمات، وتتعدد بصورة سرية، حتى يكون الصراع بينها وبين السلطة ويتطور إلى
العنف المتبادل. وبعض الدول يسيطر عليها الحزب الواحد يحتكر الخدمة الوطنية،
ويُصادر حريات الأحزاب الأخرى، ويتمتع أفراد الحزب الحاكم بكل الامتيازات، وكأن
الوطن وطنهم وحدهم، وليس وطن الجميع، فيؤدي ذلك إلى الشعور المستمر بالظلم حتى
تحين الفرصة للإطاحة بالنظام القائم.
وهكذا تستمر
الانقلابات والثورات مما ينعكس على المجتمع فيبقى متخلفًا يسوده الانحطاط في مستوى
المعيشة والصحة والتعليم. والمجتمعات العربية التي نراها الآن تنعم بالاستقرار
والأمن هي مجتمعات فتية لم يستشرِ بعد فيها الفساد الإداري ولا الغزو الفكري، غير
أنه يجب ملاحظة القضاء على أي بادرة فساد حتى لا تنتشر فيها البلايا المنتشرة في
المجتمعات الأخرى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾
(طه:124). صدق الله العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل