; الانتفاضة الثانية.. ما المطلوب منها؟ | مجلة المجتمع

العنوان الانتفاضة الثانية.. ما المطلوب منها؟

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001

مشاهدات 66

نشر في العدد 1442

نشر في الصفحة 42

السبت 17-مارس-2001

على الانتفاضة الثانية أن تفرز قيادات جديدة

 تتمسك بثوابت الأمة وبحقوقها في كل فلسطين

كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام ۱۹۸۷م بمثابة نقلة نوعية في تاريخ القضية الفلسطينية؛ حيث ظهر البعد الإسلامي بعد أن غُيِّب نحو ثلاثين سنة، وظهرت قيادات داخلية بعد أن كانت القيادات الخارجية هي المستأثرة بقضية فلسطين، وكان يمكن أن تكون انتفاضة عام ۱۹۸۷م نواة تحرير حقيقية لولا قيادات منظمة التحرير التي أجهضتها باتفاقات أوسلو عام ۱۹۹۳م، وقد قامت تلك الاتفاقات على أساس واحد هو: الأرض مقابل السلام، تنفيذًا لقراري مجلس الأمن رقمي ٢٤٢ و٣٣٨.

 وقد حدثت عشرات اللقاءات والاتفاقات من أجل تنفيذ اتفاق أوسلو من مثل اتفاق القاهرة، وطابا، وشرم الشيخ والخليل، وواي ريفر... إلخ. لكن الأرض لم تعد، والسلام لم يقم، والسبب في ذلك تهافت الأسس التي قامت عليها اتفاقات أوسلو وأولها: الأرض مقابل السلام، فقد ثبت أن الكيان الصهيوني أراده في المرحلة الأولى: الأرض مقابل الاستسلام، وبعد أن استسلمت منظمة التحرير، فقبلت بسلطة دون سيادة، ودون حق تقرير مصير، ودون جيش، ودون سيطرة على منافذ الحدود، ودون اقتصاد مستقل... إلخ، رفض الصهاينة تسليمها الأرض، وأصبحت المعادلة: المطلوب من الفلسطينيين الاستسلام دون الأرض، وهذه نتيجة يجب أن نتوقعها من اليهود -أحفاد قتلة الأنبياء- فهم أحفاد الذين خانوا العهود مع الله ومع أنبيائه بدءًا من موسى وانتهاءً بعيسى - عليهما الصلاة والسلام- فكيف لا تكون منهم خيانة وغدر مع بشر مثلنا؟!. 

ثم جاءت الانتفاضة الثانية التي اشتعلت في ٢٨ سبتمبر عام ۲۰۰۰م احتجاجًا على المفاوضات السابقة، وردًا على التعثر والمنطق السابقين، لذلك يجب أن تعيد الانتفاضة النظر في ثلاثة أمور من أجل ألا تنتهي كما انتهت سابقتها، وهذه الأمور هي:

الأول: القواعد التي قام عليها استرداد الأرض.

الثاني: القيادات التي قادت القضية الفلسطينية.

الثالث: المنهج الذي حكم القضية.

أما بالنسبة للأمر الأول، فقد أرادت منظمة التحرير الفلسطينية استعادة الأرض - كما رأينا - من خلال التفاوض على قاعدة: الأرض مقابل السلام، لكن اتفاقات أوسلو حوِّلت هذه القاعدة إلى الأرض مقابل الاستسلام، ثم كانت النتيجة التي انتهت إليها منظمة التحرير الاستسلام دون أرض، وكان المفروض أن تعيد تلك النتيجة مفاوضي أوسلو إلى صوابهم، ويقيموا أسسًا جديدة للتعامل مع العدو الصهيوني، ولكن أنى لهم ذلك وهم الذين أعمتهم أوهام السلطة والمصالح الشخصية عن رؤية الحق وفعل الصواب، لذلك قامت الانتفاضة الثانية لتؤكد أن الأرض التي اغتصبها العدو الصهيوني لا يمكن أن تعيدها المفاوضات، وإنما تعيدها الدماء والتضحيات والبذل والعطاء والاستشهاد، لذلك فالمطلوب الآن من الانتفاضة الثانية أن ترسخ هذه القاعدة حتى تحقق أهدافها في استرداد الأرض من العدو المغتصب.

قيادات جديدة

أما بالنسبة للأمر الثاني، فإننا نتطلع إلى أن تفرز الانتفاضة الثانية قيادات جديدة للقضية الفلسطينية غير القيادات السابقة التي ثبت أنها فرطت بثوابت الأمة عندما اعترفت بالكيان الصهيوني وبشرعية الدولة العبرية في الرسائل المتبادلة بين ياسر عرفات وإسحاق رابين عشية توقيع اتفاقات أوسلو عام ۱۹۹۳م، ولم تأخذ مقابل ذلك على الأقل حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وفرطت مرة ثانية عندما شطبت بنودًا من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية تتعلق بتحرير كل فلسطين من الدولة العبرية، وبإلغاء الجهاد، مع أن الصهاينة لايزالون يحتلون كثيرًا من أراضينا، ويهددون العالم العربي والأمة الإسلامية، ونتطلع أن تفرز الانتفاضة الثانية قيادات جديدة تلتزم بثوابت الأمة وعقيدتها وتطلعاتها وآمالها بعيدًا عن لوثات التفريط وأوهام الثقة بالعدو.

استعادة منطق الأمة

وجوب استبعاد المنطق القطري في التعامل مع قضية فلسطين

 أما بالنسبة للأمر الثالث، فإننا نتطلع أن ترسخ الانتفاضة الثانية نهجًا يقوم على اعتماد منطق الأمة واستبعاد المنطق القطري الذي يعتبر أن فلسطين خاصة بالفلسطينيين، وهو ما أدى إلى توقيع اتفاق أوسلو الذي مازلنا نعاني من شروره وآثامه، بحجة أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، لأنه إذا استمر هذا المنطق القطري حاكمًا لقضية فلسطين ولقضايا المنطقة العربية، فإننا نتوقع أن يؤدي ذلك إلى قيام «إسرائيل الكبرى» وليس فقط ترسيخ الكيان الحالي، وعندما نعي وندرك أن الأمة التي تسكن المنطقة العربية أمة واحدة، ذات لغة واحدة وتاريخ مشترك، وتؤمن برب واحد، وتتجه إلى قبلة واحدة، وهي ذات عادات وتقاليد واحدة... إلخ. 

عندما نعي ذلك وندركه، وننطلق من هذه الحقائق، تصبح حينئذ قضية فلسطين قضية الأمة الإسلامية وليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ويصبح الواجب على الأمة كلها أن تواجه الاحتلال، ويصبح دور الفلسطينيين جزءًا من دور الأمة في مواجهة العدو الصهيوني، وتصبح الأرض والمقدسات ملكًا للأمة وليس ملكًا لأهل فلسطين وحدهم، وتصبح الأمة هي المخولة وحدها باتخاذ أي قرار يتعلق بأرض فلسطين ومقدساتها، وهذا ما حدث عندما احتل الصليبيون القدس عام 1099م، فتصدّت لهم الأمة متمثلة بالأسرة الزنكية انطلقت من إمارة الموصل، ثم تصدّت لهم الأسرة الأيوبية التي ورثت الأسرة الزنكية، وكانت تظلل الجميع الخلافة العباسية، ثم تحقق الانتصار بسبب أن الأمة هي التي واجهت الغزاة الصليبيين وليس أهل فلسطين وحدهم، وكذلك الآن سيكون الانتصار بإذن الله عندما يصبح واجب تحرير فلسطين ليس واجب أهل فلسطين وحدهم، إنما هو واجب الأمة الإسلامية كلها، لذلك على الانتفاضة الثانية أن ترسخ هذا المنطق، وتلغي المنطق القطري إلى غير رجعة. 

لابد لنا من أن نعي دروس الماضي حتى نحسن بناء الحاضر والمستقبل، وأبرز دروس الماضي: خطأ القواعد التي قام عليها استرداد الأرض، وتفريط القيادات السابقة، وقصور المنهج القطري الذي اعتمدته القضية الفلسطينية خلال المرحلة الماضية، لذلك فإن المطلوب من الانتفاضة الثانية ترسيخ أساس البذل والعطاء والدماء والاستشهاد من أجل استرداد الأرض، وكذلك فإن المطلوب من الانتفاضة الثانية فرز قيادات جديدة مرتبطة بثوابت الأمة وعقيدتها، وكذلك فإن المطلوب اعتماد منطق الأمة في التعامل مع القضية الفلسطينية واستبعاد المنطق القطري. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل