العنوان المؤمن الصادق.. أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية
الكاتب د. محمود المنير
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2014
مشاهدات 52
نشر في العدد 2077
نشر في الصفحة 58
السبت 01-نوفمبر-2014
قراءة في كتاب
المؤمن الصادق.. أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية
الكثير ممن ينضمون إلى الحركات الثورية يتطلعون إلى تغيير مفاجئ كبير في أوضاعهم المعيشية
العاجزون عن التأقلم بصفة مؤقتة مثل المراهقين أو العاطلين عن العمل يستمعون لنداءات الحركات الجماهيرية
الذين يخافون محيطهم لا يفكرون في التغيير.. والذين يندفعون لإحداث تغيرات واسعة يشعرون عادة أنهم يمتلكون قوة لا تُقهر
المنبوذون والمهمَّشون هم المادة الخام التي يُصنع منها مستقبل الأمة
الإيمان بأمة أو دين أو عرق هي القضية الأقدس في حياة الفرد ولن تكون إلا من خلال الحركة والجماعة
عرض: محمود المنير.
المؤلف:
- "إريك هوفر"، كاتب اجتماعي أمريكي، ولد عام 1902م في نيويورك.
- له عشرة مؤلفات، منها "أهواء العقل"، و"أزمة التغيير"، و"مزاج زماننا"، ويعد كتابه "المؤمن الصادق" من أول مؤلفاته، نشر عام 1951م.
- حاز "هوفر" على الميدالية الرئاسية للحرية، وسلمها له الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان"، عام 1983م، وتوفي في ذات السنة.
- الكتاب نشر مشترك بين هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، و"دار العبيكان".
- صدرت الطبعة الأولى العربية من "المؤمن الصادق" لـ"إيريك هوفر" في عام 2010م.
- الكتاب من ترجمة د. غازي بن عبدالرحمن القصيبي.
- يقع الكتاب في 318 صفحة من القطع المتوسط.
أقسام الكتاب: ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: جاذبية الحركات الجماهيرية:
- الرغبة في التغيير.
- الرغبة في بدائل.
- التبادلية بين الحركات الجماهيرية.
القسم الثاني: الأتباع المتوقعون:
- دور المنبوذين في الشؤون الإنسانية.
- الفقراء: "محدثو الفقر، الفقراء فقراً مدقعاً، الفقراء الأحرار، الفقراء المبدعون، الفقراء المترابطون".
- العاجزون عن التأقلم.
- الأنانيون أنانية مفرطة.
- الطموحون الذين يواجهون فرصاً غير محدودة.
- الأقليات.
- الملولون.
- مرتكبو المعاصي.
القسم الثالث: العمل الجماعي والتضحية بالنفس:
- مقدمة.
- عوامل تشجع على التضحية بالنفس: "التماهي مع المجموع، الخيال، احتقار الحاضر، الأشياء التي لم تكن، العقيدة، التطرف".
- الحركة الجماهيرية والجيوش.
- العوامل التي تشجع على العمل الجماعي: "الكراهية، التقليد، الإقناع والقمع، من أين تأتي الرغبة في التبشير، القيادة، العمل، الشك، نتائج العمل الجماعي".
القسم الرابع: البداية والنهاية:
- رجال الكلمة.
- المتطرفون.
- الرجال العمليون.
- الحركات الجماهيرية النافعة والضارة.
- المرحلة الديناميكية وما يواكبها من فساد وعقم.
- بعض العوامل التي تحدد طول المرحلة النشطة.
- الحركات الجماهيرية النافعة.
أهمية الكتاب:
تأتي أهمية كتاب "المؤمن الصادق" من أننا نعيش حالة الاحتراب والاستقطاب الحاد من التيارات المتطرفة، سواء أكانت شعبوية أو جهادية أو دينية، وكلها تكاد تتحكم في واقع ومصير العديد من الشعوب، ويعبر "هوفر" عن هذا الواقع بقوله: "تستطيع الحركات الجماهيرية، عبر إثارة المشاعر الملتهبة في قلوب أتباعها، أن تحطم التوازن النفسي الداخلي، كما أنها تقوم باستخدام طرق مباشرة لضمان اغتراب دائم عن النفس، فتصف هذه الحركات أي وجود مستقل متميز بأنه وجود عقيم لا معنى له، بل وتذهب إلى اعتباره وجوداً منحلاً شريراً".
ويعد كتاب "المؤمن الصادق" مدخلاً للإجابة عن طبيعة تلك الحركات الجماهيرية، وبالتبعية ماهية الحركات الثورية بمختلف أنواعها وانتماءاتها، سواء أكانت دينية، عرقية، أم سياسية.
فكرة الكتاب:
يقول الكاتب "إيريك هوفر" عن كتابه "المؤمن الصادق": "يُعنى هذا الكتاب – أساساً - بالمرحلة الديناميكية من الحركة الجماهيرية التي سيصوغها ويهيمن عليها "المؤمنون الصادقون"؛ حيث تنزع الحركات مهما كان نوعها في هذه المرحلة إلى إظهار خصائصها المشتركة التي حاولنا تلخيصها، ويبدو من الواضح أنه مهما كانت الأهداف الأصلية للحركة نبيلة، ومهما كانت النتائج التي حققتها جيدة، فإن مرحلتها الأولى تبدو لنا غير جذابة، إن لم نقل شريرة، والمتطرف الذي يطبع هذه المرحلة بطابعه هو نموذج إنساني لا يثير التعاطف، إنه رجل قاسٍ، معتدٌّ برأيه".
خصائص مشتركة
يؤكد المؤلف "إريك هوفر" أن هذا الكتاب يتعامل مع خصائص تشترك فيها الحركات الجماهيرية كافة، سواء أكانت دينية أم اجتماعية أم قومية، فكل هذه الحركات متماثلة، وتشترك في صفات رئيسة تؤسس بينها نوعاً من الشبه العائلي، وبرغم أن ثمة فروقاً واضحة بين المسيحي المتطرف، والمسلم المتطرف، والقومي المتطرف، والشيوعي المتطرف، والنازي المتطرف؛ فإنه يبقى أن التطرف الذي حرك هؤلاء كلهم هو تطرف ذو طبيعة واحدة، وتصدق هذه الملاحظة على القوة التي تدفعهم إلى التوسّع ومحاولة السيطرة على العالم، فثمة درجة من التماثل بين هذه الجماعات تتجلى في إخلاصها للحركة، وفي إيمانها، وفي سعيها إلى السلطة، وفي وحدتها، وفي استعدادها للتضحية بالنفس.
الحركة الجماهيرية
يتناول المؤلف في كتابه المرحلة النشطة الدعوية إلى الحركة الجماهيرية، ويرى أن هذه المرحلة تتميز بسيطرة المؤمن الصادق، صاحب الإيمان المستعد للتضحية بنفسه في سبيل القضية المقدسة، ويحاول الكتاب تحليل البذور والجذور التي تغذي طبيعة هذا الرجل، مستعيناً في تحليله بفرضية محددة، انطلاقاً من الحقيقة التي تقول: "إن المحبطين يشكلون غالبية الأتباع الجدد في الحركات الجماهيرية، وإنهم ينضمون بإرادتهم الحرة"، فيفترض "هوفر" بأن الإحباط في حد ذاته، ومن دون دعوة أو محاولة للاستقطاب من الخارج، يكفي لتوليد معظم خصائص المؤمن الصادق، والأسلوب الفاعل في استقطاب الأتباع للحركة يعتمد أساساً على تشجيع النزاعات والاتجاهات التي تملأ عقل المحبط.
الرغبة في التغيير
يعتبر "هوفر" أن أول ما يجذب المنضمين الجدد إلى الحركات الثورية الصاعدة هو رغبتهم في التغيير المفاجئ لأوضاعهم المعيشية؛ أي أن الحركات الثورية بالنسبة إليهم هي أداة واضحة من أدوات التغيير، والحركات الدينية والقومية قد تكون هي الأخرى وسائل للتغيير، وكي يندفع الرجال في مغامرة تستهدف تغييراً شاملاً من توافر شروط عدة، فلا بد من أن يشعروا بالتذمّر من غير أن يكونوا فقراء فقراً مدقعاً مثلاً، ويجب أن يكون لديهم الشعور بأنهم عبر اعتناق العقيدة الصحيحة أو اتباع الزعيم الملهم، أو اعتناق أساليب جديدة في العمل الثوري؛ سيصبحون قوة لا تُقهر، بالإضافة إلى ذلك كلّه، يجب أن تكون لديهم تطلعات جامحة إلى المنجزات التي ستجيء مع المستقبل، كذلك يجب أن يكون هؤلاء جاهلين جهلاً تاماً بالعقبات التي ستعترض طريقهم، فالرجال الذين أشعلوا الثورة الفرنسية لم يكن لديهم أي قدر من الخبرة السياسية، والأمر نفسه يصدق على البلاشفة والنازيين والثوار في آسيا، أما الرجال المجربون ذوو الخبرة فيأتي دورهم في مرحلة لاحقة، إذ إن هؤلاء لا ينضمون إلى الحركة إلا بعد التحقّق من نجاحها، فخبرة المواطنين الإنجليز السياسية مثلاً، هي التي تجعلهم بمنأى عن الحركات الثورية.
الجاهزية للتغيير
يؤكد "هوفر" أنه عندما يصبح الناس جاهزين للانضمام إلى حركة جماهيرية، فإنهم – عادة - يصبحون جاهزين للالتحاق بأي حركة فاعلة، وليس بالضرورة إلى حركة بعقيدة معينة أو برنامج معين.. ففي الفترة التي سبقت صعود "هتلر" إلى الحكم كان من المستحيل أن يتوقع أحد ما إذا كان سينضم الشباب المتوترون إلى الشيوعيين أو إلى النازيين، وفي أثناء غليان روسيا القيصرية كان اليهود والروس مستعدين للثورة على القيصر، وللانضمام إلى الصهيونية في الوقت نفسه، فكان أحد أبناء العائلة الواحدة ينضم إلى الثوار والآخر ينضم إلى الصهاينة، ويقتبس الكاتب هنا كلام والدة "حاييم وايزمن": «كل ما قد يحدث سوف يكون ساراً، إذا كان "صموئيل" (الابن الثوري) على حق؛ فسنكون سعداء في روسيا، وإذا كان "حاييم" (الابن الصهيوني) على حق؛ فسنذهب إلى العيش في فلسطين».. هذا الاستعداد للتحوّل، لا ينتهي بالضرورة، عند اعتناق المؤمن الصادق حركة ما، فعندما تكون هناك حركات جماهيرية متنافسة نجد حالات كثيرة من نقل الولاء من حركة إلى أخرى.
الحركة الجماهيرية.. القوة والبقاء
يرى الكاتب أن نشوء الحركة الجماهيرية وبقاءها، أمر يعتمد على القوة، فصعود الحركة لا يتم إلا بعد تعرية النظام القائم، ويكون ذلك من خلال عمل منظم ومتعمد، يتعامل به رجال الكلمة.
فـ"غاندي"، و"تروتسكي" – مثلاً – من رجال الكلمة، لكن لا تأثير لهما، إلا في وقت لاحق، حيث أظهرا قدرة استثنائية على القيادة والإدارة، وهنا يرى الكاتب أن تهيئة التربة لحركة جماهيرية تؤدي إلى أفضل وجه على يد رجال، موهبتهم الأساسية استخدام الكلمة المسموعة، وهناك لحظة ما، في حياة كل رجل من رجال الكلمة، يمكن فيها اجتذابه إلى صف النظام عن طريق مبادرة سلام يقوم بها الحاكمون، كمثال على الإمبراطورية الرومانية التي ظلت زمناً طويلاً، حين حدث تحالف بين الحكام الرومان ورجال الكلمة اليونانيين.
الغوغاء والتغيير
يشير المؤلف "إريك هوفر" إلى أن المنبوذين والمهمَّسشين هم المادة الخام التي يُصنع منها مستقبل الأمة، أي أن الحجر المطروح في الشارع يصبح حجر الزاوية في بناء عالم جديد، فالأمة التي تخلو من الغوغاء هي التي تتمتع بالنظام والسلام والاطمئنان، إلا أنها أمة تفتقر إلى خميرة التغيير، أما السبب الذي يجعل هؤلاء الغوغاء يؤدون دوراً مهماً في مسيرة الأمة؛ هو أنهم لا يكنون أي احترام للأوضاع القائمة، إنهم يعدون حياتهم فاسدة بلا أمل في العلاج، ويحملون النظرة نفسها إلى الأوضاع القائمة، ومن هنا فإنهم على استعداد دوماً لتحطيم كل شيء ونشر الفوضى والقلاقل، فالغوغاء يتوقون إلى صهر أنفسهم التي يعدونها بلا معنى في مجهود جماعي خارق، وإلى الانخراط في عمل جماعي موحد، الغوغاء دائماً في مقدمة الأتباع، سواء كنا بصدد ثورة أو هجرة جماعية أو حركات عرقية، وهم - من ثَم - يطبعون الحركات التي تغير طبيعة الأمم ومسار التاريخ.
البؤس والتذمر والحرية
يرى الكاتب أن البؤس لا يقود تلقائياً إلى التذمر، كما أن درجة التذمر غير مرتبطة بدرجة البؤس، فالتذمر يبلغ أعلى درجاته حين يكون البؤس محتملاً، حينما تتحسن الأوضاع على نحو يسمح بالاعتقاد في الأمل وتحسن الأوضاع، فالحرية تمنح بعض الحركات الجماهيرية القوة في التواجد، حيث إن أكثر البيئات صلاحية لنمو الحركات الجماهيرية هي المجتمعات التي تتمتع بقدر من الحرية، في حين افتقارها إلى ما يزيل الإحباط، لنقل كما ذكر الكاتب أن الثورة في روسيا لم تكن لتندلع لو لم يصبح الفلاحون الروس ملاكاً خلال جيل أو أكثر قبل قيام الثورة، وهو الأمر الذي مكنهم من تذوق طعم الملكية الفردية.
الإحباط والإيمان والانتماء
يرى "هوفر" أن الإنسان حينما يتعرض للإحباط ويفقد الإيمان بنفسه، يصبح الإيمان بقضية أو الانتماء إلى حركة جماهيرية محاولة للتعويض عما فقده من الإيمان بذاته، وهنا تكمن الرغبة في إنقاذ أنفسنا من الغرق حينما نهيئ لأنفسنا واجباً مقدساً تجاه الآخرين في انتشالهم، فالحركات الجماعية تقدم المعوض عن خيبة الأمل الفردي، وهنا نجد قاعدة الحركات الجماهيرية الأولى ألا وهي الإيمان بالنفس محدودة، أما الإيمان بأمة أو دين أو عرق هي القضية الأقدس في حياة الفرد، ولن تكون إلا من خلال الحركة والجماعة.
وأخيراً يبحث الكتاب في الأساليب التي تتمكن التنظيمات عبرها من السيطرة على الجماهير وتحويلها إلى أشخاص مستعدين لبذل أنفسهم في سبيل القضية المقدسة، ويحاول تحليل البذور والجذور التي تغذي طبيعة هؤلاء الأشخاص.
أفكار من الكتاب:
- كلما استحال على الإنسان أن يدّعي التفوق لنفسه؛ سهل عليه أن يدعي التفوق لأمته، أو لدينه أو لعرقه، أو لقضيته.
- كثيراً ما تُنتقد الحركات الجماهيرية؛ لأنها تخدر أتباعها بأمل المستقبل، وتأخذ منهم متعة الحاضر، إلا أن الحاضر يبدو في نظر المحبط قاسياً لا تمكن معالجته حتى بالمتع وأسباب الراحة، إن الأمل هو السبيل الوحيد لإدخال القناعة والرضا في أذهان المحبطين.
- عندما نجد أن اهتماماتنا الذاتية واحتمالات المستقبل لا تستحق أن نعيش من أجلها، نصبح في حاجة ماسة إلى شيء منفصل عن أنفسنا نحيا له.
- إن الإخلاص لحركة ما وإعطاءها الولاء المطلق لا يعدو أن يكون محاولة للتعلق بشيء يمنح حياتنا الفاشلة معنى وقيمة.
- إن فاعلية عقيدة ما لا تقاس بعمقها أو سموها أو صدق الحقائق التي تنطوي عليها، بل بقدرتها على حجب الشخص عن نفسه وعن العالم، كما هو عليه بالفعل.
- يزدري المتطرف الحاضر كله، ويعمى عما في الحياة من جمال وعمق، وتبدو الأشياء التي تثير خيال المبدع في نظر المتطرف تافهة أو فاسدة.
- إن عمى المتطرف يمنحه القوة؛ لأنه لا يرى العقبات في الطريق، ولكنه سبب للعقم الفكري والجفاف العاطفي.
- يعتد المتطرف بعقله؛ ولهذا فهو لا يستطيع أن يبدأ التفكير من جديد، وسبب هذا الاعتداد هو اعتقاده الراسخ أن الحياة – والكون بأكمله – تخضع لقانون بسيط؛ هو القانون الذي يؤمن به!