; أثر الإيمان في بناء الرجال | مجلة المجتمع

العنوان أثر الإيمان في بناء الرجال

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1993

مشاهدات 135

نشر في العدد 1045

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 13-أبريل-1993

قد ترى الرجل فتزدريه، ولو أقسم على الله لأبره، وقد تنظر إليه فتستهين به، وفي ثوبه أسد هصور وقلب جسور. وما وجدت شيئًا يبني الرجال مثل الإيمان، ولا يرفع الهمم مثل العقائد ومعرفة الله تعالى. يضعف الناس ويزداد رجال الإيمان قوة، وتلين الأقوام وتشتد أصلاب العارفين، وتنهار الجماعات، ويقف رجال العقائد كالطود الراسخ، وتنهد الأمم وأفواج المتقين كالعواصف لا يقوى عليها شيء. فإذا جاء الليل، كانوا هم النور، وإذا عم الظلام كانوا هم الهداة، وإذا جاء الطوفان كانوا هم النجاة؛ فهم في الظلمة ضياء، وفي الجهالة حلم.. معهم عناية الله، وهداية السماء، وطمأنينة اليقين.. إذا صاحبتهم وجدت الصدق، وعرفت الحق، وتلاقيت مع الحقيقة، وهديت الفطرة، وأحسست بالأمان.. أقوى الناس قلبًا، وأصدقهم لهجة، وأثبتهم جنانًا، وأصلبهم عزيمة، وأشدهم رحمة، وأعمقهم نظرًا، وأنقاهم سريرة، وأكشفهم بصيرة.

يُروى أن هشام بن عبدالملك قدم حاجًا إلى مكة، فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة. فقيل: يا أمير المؤمنين قد تفانوا. فقال: من التابعين. فأُتي بطاوس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشيته، ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام، ولم يكنّه، وجلس بإزائه، وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبًا شديدًا حتى همّ بقتله، فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله، ولا يمكن ذلك. فقال: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبًا وغيظًا، قال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تقبل يدي، ولم تسلم عليّ بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذن مني، وقلت: كيف أنت يا هشام؟ قال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك، فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولم يعاقبني، ولا يغضب علي. وأما قولك لم تقبل يدي، فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة». وأما قولك لم تسلم عليّ بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب. وأما قولك لم تكنني، فإن الله تعالى سمى أنبياءه فقال: يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (المسد: 1). وأما قولك جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، فانظر إلى رجل جالس، وحوله قوم قيام.

فما كان من هشام إلا أن قال له: عظني. فوعظه طاوس، وخرج سريعًا من عنده.

والناظر إلى طاووس وقوله يجد بساطة المؤمن وصدقه وثباته ومنطقه ورجولته، حتى إنك ترى صور الأشياء في منطقه غير مبهرجة ولا كاذبة، لا تحيطها أجواء النفاق، ولا دخان العمالة، ولا غبار الشهوات والمصالح، وتحاكم الرجل إلى قانون ربه، لا إلى أورام المرضى وخدع الناس. وفي الحقيقة لا تلبث بعد برهة من حديثه -حتى وإن كنت المستهدف منه والمقصود به- أن تحس أنك أمام طبيب بارع لا حاقد ذام، وأمام نور كاشف وهداية مبصرة، لا نار حارقة وضلالة عمياء؛ فتشتاق نفسك إلى بلسمه، وترتاح خطواتك إلى طريقه؛ فهو طلبتك ومفقودك الذي تبحث عنه؛ لأنه يعطي ولا يأخذ، وينصح ولا يتآمر، ويحب ويحنو، ولا يقسو ويجرح ويغتاب ويفضح. فهل أنت معي أن هذا الصنف من الناس نادر وفريد، لا توازيه الجواهر ولا تعادله الأموال؟ إذا وُجد في أمة أمنت من الغبش والعمالة والضلال والغرور والمرض، وسلمت من العماية والفساد والأحقاد. فهل نتذكر الإيمان الذي صنع هؤلاء ورباهم وزرع فيهم مراقبة الله وحلاوة الحق وجنان الحكمة ومعالم الخلود؟ نسأل الله ذلك.. آمين.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل