; ثلاثون بليون دولار وفرتها الكويت بعد نجاح «الاستراتيجية».. | مجلة المجتمع

العنوان ثلاثون بليون دولار وفرتها الكويت بعد نجاح «الاستراتيجية»..

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 24-نوفمبر-1991

مشاهدات 132

نشر في العدد 977

نشر في الصفحة 7

الأحد 24-نوفمبر-1991

 

كيف ضمن صدام عدم تقاعس ضباطه عن التفجير؟!

القناعات الرسمية الخاطئة أعاقت تشكيل الفريق الكويتي

مهمة الكفاءات النفطية الكويتية الآن: إعادة تأهيل الآبار

في صباح صاف وتحت سماء زرقاء، كانت الصورة مختلفة تمامًا في الحادي عشر من شهر مارس الماضي حين بدأت أول جهود مكافحة الحرائق النفطية، ولو قُدّر للقارئ أن يتجول حينها في حقول النفط الكويتية لشاهد جحيمًا أرضيًّا تصنعه مئات الآبار المشتعلة وعشرات البحيرات النفطية التي تتأجج فيها النيران مطلقة سحبًا هائلة من الدخان تحجب نور الشمس وتُحيل نهار الكويت ليلًا وظلامًا.

هذه الكارثة الجريمة هي من صنع صدام حسين وتنفيذ الآلاف من جنوده الحاقدين، وهي الكارثة التي بُذلت جهود جبارة ليس لها سابق في تاريخ الصناعة النفطية للسيطرة عليها، وبفضل الله أثمرت تلك الجهود نجاحًا باهرًا وأنهت كارثة الحرائق في زمن قياسي.

فكيف نُفذت الجريمة؟ وكيف واجهت الكويت الكارثة؟

التفجير المؤجل

يقول وزير النفط السابق الدكتور رشيد العميري: «علمنا ونحن في السعودية خلال الاحتلال العراقي أن قوات الغزو بدأت منذ الأسابيع الأولى بتلغيم كافة آبار النفط في الحقول الكويتية، وأعد الجيش العراقي بأمر وإشراف الطاغية صدام حسين خطة تخريبية سميت بــ«خطة التفجير المؤجل» وتم من خلالها تركيب متفجرات بكميات كبيرة على كل رأس بئر نفطية، مع تركيب صواعق التفجير، وقدرت بمئات الكيلومترات من أسلاك النسف، وتم تكليف 3 ضباط على كل بئر لتفجيرها فور تلقيهم الأوامر بذلك بالشيفرة، وهذا يدل على حرص الطاغية الكبير على تحقيق الخراب الكامل بثروة الكويت النفطية. وكان يتم تغيير الضباط بصورة دورية حتى لا تتفق أي مجموعة على عصيان الأوامر، كما كانت الخطة تُراجع من قبل القيادة العراقية على أعلى المستويات».

وبدأت حرب تحرير الكويت في 17 يناير، وبدأت أصابع التخريب المجرمة تتحسس الزناد، وفي 21 فبراير وبعد أن باتت الهزيمة واضحة لا مفر منها أصدر الطاغية أوامره بتنفيذ الجريمة ودوت الانفجارات متوالية في الصحراء يتبعها اللهيب المتصاعد من الآبار التي تقذف النفط بأقصى طاقاتها محترقًا، وخلال أسبوع كانت الكويت قد تحررت واندحر جنود صدام مخذولين مهزومين، وغطت سماء الكويت سحابة سوداء مظلمة أحالت نهارها ليلًا.

ويتذكر الدكتور رشيد العميري في حديث لمجلة المجتمع الأيام الأولى التي عاشتها الكويت بعد التحرير فيقول: «في صباح اليوم التالي لوصولي الكويت قمت بجولة بالطائرة المروحية مع مجموعة من مهندسي البترول الكويتيين، وأعلنت على الفور أننا نواجه كارثة نفطية وبيئية كبيرة، واقترحت أن يُعلن رسميًّا بأن الكويت بلد منكوب وأن نطلب المساعدة الدولية من جميع الدول الصديقة».

ثم بدأت جهود الإطفاء بوصول 3 فرق أمريكية وفرقة كندية، وهي الفرق الأكثر شهرة في العالم، وبدأت النيران تخمد في بعض الآبار بصورة بطيئة وسط صعوبات جمة، وكان لابد للكويت من اتخاذ قرارات حاسمة لإيجاد حلول أفضل وأسرع لهذه الكارثة. وهنا طرح الدكتور رشيد العميري استراتيجيته التي أراد من خلالها إنقاذ أكبر ما يمكن من ثروة البلاد.

يقول الدكتور رشيد في حديثه للمجتمع: «في يوم السبت 13/4/1991 عقدت مؤتمرًا صحفيًّا في الكويت كشفت فيه النقاب عن استراتيجية مدروسة لمواجهة كارثة الحرائق النفطية يتم بموجبها اختصار الفترة الزمنية إلى سبعة أشهر خلافًا لتوقعات «الخبراء» الأجانب الذين قدروا الفترة الزمنية المطلوبة بما يتراوح بين سنتين إلى خمس سنوات».

وقد اعتمدت تلك الاستراتيجية على 3 مرتكزات: 1. إشراك عدد آخر من الفرق الدولية ذات الخبرة في مجال إطفاء حرائق الآبار، بالإضافة إلى الفرق الأربعة العاملة في الكويت آنذاك بحيث يتم مكافحة الحرائق في جميع الحقول بنفس الوقت وبروح تنافسية بين الفرق المختلفة. 2. تأسيس فرق وطنية مستقلة لمكافحة الحرائق بعد فترة كافية من التدريب. 3. فتح المجال لأساليب وطرق الإطفاء والسيطرة غير التقليدية باستخدام التكنولوجيا الحديثة والأفكار الجديدة المتطورة.

وكان رد فعل الفرق الأربعة الرئيسية على الاستراتيجية سلبيًّا تمامًا وهدد بعضها بالانسحاب إذا تم إشراك فرق أخرى، إلا أنني وضعتهم أمام الأمر الواقع عندما بدأنا تنفيذ الاستراتيجية فعليًّا، ووجهنا وقتها رسائل لسفراء 7 دول هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين وإيران وبريطانيا وفرنسا ورومانيا ندعوهم للمشاركة، وإلى تقديم عروضهم النهائية، كما أصدرنا تعليمات لتأسيس فرق إطفاء وطنية.

ولكن الدكتور لم يُقدّر له أن يشرف على تنفيذ الاستراتيجية التي وضعها؛ إذ تغيرت الحكومة بعد الإعلان عن الاستراتيجية بأسبوع وأصبح خارج الوزارة، لكن روح الاستراتيجية بقيت وتم تنفيذها بعد تردد وأتت ثمارها في النهاية.

وكما يقول د. العميري: «كانت النتائج المتحققة من الاستراتيجية هي تقليل الخسائر المادية الناجمة عن الثروة النفطية المحترقة من 43 مليار دولار إلى 12.5 مليار تقريبًا؛ أي اختزال الخسارة المباشرة 70% هذا بالإضافة إلى تقليل الأضرار في المكامن النفطية والأضرار البيئية من إضرار بالصحة العامة، وهذه يصعب تقديرها».

فريق الإطفاء الكويتي

وبالرغم من أن «الاستراتيجية» تضمنت العمل على تشكيل فريق كويتي أو ربما فرق متعددة للإطفاء، إلا أن وزارة النفط والمؤسسات النفطية الكويتية أبدت حماسًا قليلًا لهذه الفكرة، بل تجاهل بعض المسئولين جهود بعض الشباب الكويتي من أجل إنجاح هذه الفكرة، ولم يبدأ الفريق الكويتي عمله إلا بعد صعوبات جمة.

عن هذه الصعوبات قال المهندس عيسى بو يابس رئيس فريق الإطفاء الكويتي: «كان لنا تصور في تكوين فريق كويتي للإطفاء منذ الأسابيع الأخيرة من حرب تحرير الكويت، وبعد التحرير تشكلت لجنة زار أفرادها من الفنيين كافة الحقول لتكوين تصور شامل عن حجم الكارثة ومواقع الآبار والمنشآت المشتعلة، وطلبنا وقتها تكوين فريق من الإدارات المختلفة لشركة النفط للانضمام إلى الفرق الأجنبية لدى مباشرتها عمليات الإطفاء.

والذي حدث أن أحدًا لم يُعِرْنا الاهتمام، وفشلت اللجنة المذكورة وبذلنا جهدنا لإقناع المسئولين بقدرتنا على ممارسة عملية الإطفاء ولكن بدون جدوى.

كانت القناعة لدى المسئولين في المؤسسات النفطية الكويتية أن أحدًا غير شركات الإطفاء الأربع لا يستطيع التصدي للآبار المشتعلة».

ويضيف المهندس عيسى بو يابس: «الحقيقة هي أن عملية إطفاء بئر مشتعلة ليس أمرًا معقدًا لا يقدر عليه غير كبار المتخصصين، والذي لاحظناه أن بعض الفرق العالمية المتخصصة في هذا المضمار تحاول تصوير هذا الاختصاص الفني على أنه «سحر غامض» و«طلاسم» لا يفهمها سوى أقلية نادرة من البشر يؤتى بهم عبر القارات.

وللأسف كان هذا الاعتقاد مسيطرًا على بعض المسئولين الرسميين، ولم ننجح في إقناعهم بغير ذلك إلا في مرحلة متأخرة. فكل الذي تحتاجه عملية إطفاء البئر مجموعة من الأفراد المدربين والمجهزين بالمعدات الملائمة وشيء من الحكمة والذكاء في تقدير حالة البئر والأسلوب الأمثل في القضاء على الحريق ثم السيطرة على البئر».

وباشر الفريق الكويتي نشاطه في وقت متأخر نسبيًّا، وتمكن في 14/9 من إطفاء البئر المشتعلة الأولى في حقل «أم قدير» النفطي بعد إطفاء جميع آبار الحقل المشتعلة انتقل إلى حقل برقان، وقام في 6/11/1991 وفي حفل كبير بإطفاء البئر المشتعلة الأخيرة في الكويت ليضع حدًّا لهذه الكارثة المروعة.

وقد فاقت قدرات الفريق الكويتي قدرات الفرق العالمية العريقة في إطفاء الآبار والسيطرة عليها؛ حيث سجل الفريق الكويتي إطفاء بئر واحدة في 1.2 يوم عمل، مقابل 3.8 يوم لشركة «سيفتي بوس» الكندية التي جاءت بالمرتبة الأولى من حيث عدد الآبار.

وسيطر الفريق الكويتي على 41 بئرًا في 36 يومًا، ولو أتيحت الفرصة مبكرًا للفريق لكان قد سجل في المرتبة الأولى في إطفاء الآبار المسيطر عليها، إلا أنه بدأ متأخرًا ولم يعمل سوى 46 يومًا مقابل 180-210 أيام عمل للفرق الأمريكية والكندية.

ومن المؤسف أن وزير النفط الدكتور حمود الرقبة قد ألمح بعد الاحتفال بإطفاء البئر الأخيرة إلى أن عمل الفريق قد انتهى وأنه سيتم حله، وطالب رئيس الفريق المهندس عيسى بويابس بعدم حل الفريق الكويتي والإبقاء عليه، مع تحويل مهمته من إطفاء الآبار إلى عملية إعادة تأهيل الآبار للإنتاج، وهو مجال يملك الفريق فيه خبرة جيدة.

وتعهد المهندس بو يابس في حديث صحفي بأن يتمكن فريقه من إعادة تأهيل ما بين 5-8 آبار شهريًّا إذا ما تلقى الدعم الكافي والمعدات اللازمة، وقال بأن الفريق مؤهل أكثر من الفِرق الأجنبية لمهمة إعادة تأهيل الآبار وإعادة إعمارها لاستئناف إنتاج النفط منها، وأن ذلك أفضل برأيه الفني والشخصي من التركيز على حفر آبار جديدة بمعدل 4-5 آبار شهريًّا، وبتكاليف عالية قياسًا بتكاليف إعادة التأهيل.

لقد آن الأوان لكي نستمع إلى شبابنا إذا ما وعدوا بالإنجاز وقبلوا التحدي. إن القليلين فقط سمعوا بالفريق الكويتي قبل أن يبدأ، والآن أصبح هذا الفريق رمزًا وطنيًّا للعطاء والبذل والإنجاز المتفوق من أبناء البلد.

إعادة الإعمار.. وتكويت عصب الثروة

الآن بعد السيطرة على النيران بقيت جهود عظيمة يُفترض بذلها لإعادة إعمار الصناعة النفطية التي تمثل عصب الثروة والاقتصاد للكويت.

وإذا كانت تكاليف إعادة الإعمار ستبلغ 80 مليار دولار كما صرح وزير المالية مؤخرًا للصحافة، فإن أبسط ما يمكن تحقيقه من خلال تكبد هذه المصاريف هو إدخال العنصر الفني الكويتي ليأخذ موقعه المطلوب داخل المؤسسات النفطية الكويتية، فلثلاثة عقود من الزمن كانت الأصوات تنطلق في الكويت مطالبة تكويت الصناعة النفطية في البلاد، بينما المسئولون عن هذه الصناعة يتلكأون في هذا وحتى قبل الغزو العراقي بفترة وجيزة كان العنصر الوطني يمثل نسبة محدودة معظمهم في وظائف قيادية أو إدارية.

والآن تبين أن الجهد الكويتي الأبرز والأنجح في حملة إعادة الإعمار هو في المجال النفطي، والمهندس عيسى بو يابس وزملاؤه في فريق الإطفاء الكويتي أبرز دليل على ذلك.

لا نريد أن نحرم اقتصادنا النفطي من الخبرة الأجنبية، ولكن نريد لشبابنا السيطرة التامة على ثروة بلادهم والإلمام بكافة الكفاءات والمهارات اللازمة لإدارة وتشغيل هذه الثروة.

نريد الشباب الكويتي في قطاع النفط مهندسًا وعاملًا وسائقًا وفنيًّا كهربائيًّا وكيميائيًّا وجيولوجيًّا وخبيرًا واقتصاديًا ومحاسبًا ومدربًا بنفس القدر الذي نريده فيه إداريًّا وقياديًّا.

هذا هو المجال الذي نريد أن تهيمن عليه اليد الوطنية قبل أي مجال آخر، فالاقتصاد الكويتي هو صناعة نفطية قبل أن يكون بنكًا أو متجرًا أو جمعية استهلاكية، فهل ننجح في ذلك؟

الإنجاز بالأرقام

  • بدأت جهود الإطفاء في 11/3/1991 بوصول أول الشركات الأربع الرئيسية للبلاد.
  • أُطفئت البئر الأولى في 20/3/1991 والأخيرة في 6/11/1991 وكانت فترة إطفاء الآبار 240 يومًا مقابل سنتين إلى 5 سنوات حسب التوقعات الأولية.
  • شاركت في جهود الإطفاء 11 دولة، قدمت 17 فريقًا قامت حتى النهاية بإطفاء 727 بئرًا.
  • كان معدل الإطفاء بصورة عامة هو 3 آبار في اليوم، وكان أكبر المعدلات هو 13 بئرًا في اليوم، وكذلك 52 بئرًا في الأسبوع.
  • لأجل تسهيل عمل الفرق تم تطهير 175 كيلومترًا مربعًا من الأرض من مخلفات الغزو، ومُدت طرق «آمنة» عبر الحقول استخدم في إنشائها 1.8 مليون متر مربع من مادة الجيتش المقاومة لتسرب النفط.
  • لأغراض الإطفاء أُنشئت 361 بحيرة صناعية صغيرة، وكان يتم يوميًّا استهلاك 25 مليون جالون من المياه، وبلغ إجمالي كمية المياه التي استخدمت 11.2 مليار جالون، ولتوفير هذه المياه مُدت أنابيب بطول 400 كيلومتر.
  • استُخدمت خلال الجهود 5800 سيارة وشاحنة وجرافة وآلية مختلفة، وتم توزيع ألفي جهاز لاسلكي ومد 3000 خط هاتفي، وأُقيمت 50 محطة تلكس.
  • شارك في الإطفاء 10,000 شخص وفرت لهم 31.2 مليون وجبة، وبلغ أكبر معدل إطعام 26 ألف وجبة يوميًّا، بالإضافة إلى 12 طنًا من الثلج.
  • خلال جهود المكافحة تم تفجير 20 ألف قطعة ذخيرة ولغم بواسطة فرق خاصة انتشرت في الحقول لهذا الهدف.

جدول يوضح النتائج النهائية لجميع فرق الإطفاء


الشركة

تاريخ بداية ونهاية العمل

المجموع بئر

الشركة

تاريخ بداية ونهاية العمل

المجموع بئر

سيفتي بوس «كندية»

18/4 إلى 8/11/91

176

بوس أندكوتس «أمريكية»

25/3 إلى 30/10/91

126

وايلدويل كونترول «أمريكية»

20/3 إلى 2/11/91

120

ريد أدير «أمريكية»

20/3 إلى 29/10/91

111

الفريق الكويتي

14/9 إلى 31/10/91

41

كوموتش كونترول «أمريكية»

30/8 إلى 5/11/91

23

الفريق الإيراني

17/8 إلى 1/11/91

20

ألبرت ديسرنر «كندا»

7/10 إلى 30/10/91

11

الفريق الصيني

13/9 إلى 29/10/91

10

الفريق الهنغاري

28/9 إلى 29/10/91

9

الفريق الفرنسي

10/10 إلى 30/10/91

9

برودكشن مانتس

-

9

أبيل «أمريكية»

4/10 إلى 27/10/91

8

ريد فلام «كندية»

30/9 إلى 24/10/91

7

الفريق البريطاني

16/10 إلى 1/11/91

6

الفريق الروماني

7/10 إلى 1/11/91

6

الفريق الروسي

20/10 إلى 29/10/91

4

شركة نفط الكويت

الوفرة

31

المجموع

727

 












الرابط المختصر :