; بالمؤمنين رؤوف رحيم.... سامحنا يا سيدي يا رسول الله | مجلة المجتمع

العنوان بالمؤمنين رؤوف رحيم.... سامحنا يا سيدي يا رسول الله

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008

مشاهدات 61

نشر في العدد 1795

نشر في الصفحة 50

السبت 29-مارس-2008

سيدي الحبيب العظيم: محمد بن عبد الله رسول رب العالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين

صلاة الله وسلامه عليك في الأولين. 

وصلاة الله وسلامه عليك في الآخرين. 

وصلاة الله وسلامه عليك في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

سيدي يا أبا القاسم: هذه أول رسالة أخطها إليك وأناجيك بها، فاعذرني الجلال الموقف واختلاط المشاعر وتزاحم الأفكار. 

ماذا أقول يا سيدي.. يا رسول الله؟!

أأقول لك: إن الأمة التي تركتها بعد أن أحييتها من العدم وأخرجتها من ظلمات الجهالة إلى نور المعرفة، ومن التخبط في الضلالة إلى الهدى والنور، ومن الفرقة والشتات إلى الوحدة والتوحيد، هذه الأمة قد خالفت تحذيراتك لها وأنت تقول لهم: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولم تنتبه إلى صوتك الرحيم وهو يتلو عليهم الآيات البينات التي حفظها الله إلى يوم الدين ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103) 

هذه الأمة يجتمع فيها من نصبوا أنفسهم قادة لها، على غير رغبة من شعوبها. يجتمعون الآن وقد تفرقوا إلى أكثر من ٥٠ دولة كل قطعة منها تسمي نفسها، ويا للسخرية!.. أمة.

أنعي إليك يا سيدي يا رسول الله صلوات الله وسلامه عليك، هذه الوحدة التي جمعت المسلمين على اختلاف ألوانهم والسنتهم وبلدانهم، فقد ثبت النزاعات بين المسلمين بسبب وبدون سبب بتدخل من أعدائهم الدين صاروا أولياء للبعض من دون البعض وبسبب العصبية القبلية أو الاختلاف المذهبي، أو الصراع على حطام الدنيا الفانية.

أشكو اليك يا حبيب الله

فثروات المسلمين في يد أعدائهم وأموالهم لا يستثمرونها في بلادهم، بل وضعوها في بنوك ربوية غربية يسيطر عليها من حدرتنا منهم وحذرنا الله بقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا (المائدة: ٦٤). بينما ينتشر الفقر ويتكاثر الفقراء في بلادنا بصورة فاقت الخيال والتصور ويا ليت الأمر وصل إلى الفقر فقط بل أن المجاعات أصبحت سمة لبلاد المسلمين حتى أن بلادًا زراعية تجري بها الأنهار بانت بشكو أهلها من الجوع. 

سامحنا يا رسول الله

فعدد اللاجئين الفارين من ديارهم والهائمين على وجوههم من أبناء ملتك ملة الإسلام فاق عشرات الملايين، وهم أكبر مجموعة من اللاجئين في العالم، وكان الأمل أن يكونوا مواطنين في بلاد تجمعها عقيدة الإسلام. ويحتضنهم إخوانهم في العقيدة والدين، وينصروهم على أعدائهم أو يساعدوهم على العودة إلى بيوتهم وحل ما نشب من نزاعات بين بني قومهم، عملًا بتوجيهاتك النبوية المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله، وعملا بالأمر القرآني ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحجرات: 9)

وكان الواجب أن يغيثوهم من الجوخ والعطش كما قلت لنا وعلمتنا: ليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم به، ولكن تفرقت أمتك يا حبيب الله إلى من يموت من الجوع والعطش لأنه لا يجد ما يسد رمقه. وبين من يموت من الشبع والتخمة بسبب الأثرة والأنانية والجشع والطمع.

ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد فإن أمتك التي حياها الله بثروات هائلة وأنهار جارية، وأراض خصبة، وأيد عاملة، وعقول بيرة أضحت تعيش عالة على المعونات أو الاستيراد من بلاد الله الأخرى تستورد غذاءها كما تستورد لباسها كما تستورد سلاحها، والجميع في ذلك سواء الدولة التي بها قاعدة صناعية، أو ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، أو الدول الربعية التي تعيش على عوائد النفط، فالكل في هم الاستيراد سواء، والجميع باتوا عالة على غيرهم، إما أن يمدوا أيديهم السفلي لأخذ المعونات، وإما يرهنوا قرارهم السياسي والإستراتيجي لمن يتولى حمايتهم بالسلاح والقواعد العسكرية وجنود المارينز!!

سامحنا يا رسول الله

أمتك أمة الإسلام المليار ونصف المليار مسلم ومسلمة، الذين نزل فيهم أول ما نزل من وحي السماء على قلبك لتكون من المنذرين قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (العلق: 1)أمة ﴿اقْرَأ﴾ بها أعلى نسبة من الأمية على مستوى أمم العالم، وفي ذيل ركب الأمم المتقدمة في العلوم والتكنولوجيا. وليس بها مخترع أو مبدع أضاف في القرون الأخيرة شيئًا يذكر إلى الحضارة الإنسانية بعد أن علمتها وربيتها على العلم والمعرفة فكانت شمس الحضارة منها تسطع على الدنيا بأسرها، وبعد أن علمت أوروبا كيف يكون العلم، وكيف يكون النقد، وكيف يكون التقدم... إذا بها تتأخر لتصبح في ذيل الركب، بل تحارب العلم وتحمي الخرافة!! أقول لك لقد فشلت جامعاتنا أن تحرز موقعًا متقدمًا بين أفضل ٥٠٠ جامعة في العالم لأشكو لك كيف باتت جامعاتنا وكلياتنا لا تقوم بالبحث العلمي ولا تعلم الطلاب شيئًا، ولا تهتم بإرساء قواعد العلم والمعرفة. ولا تهتم مدارسنا بتربية النشء وأن معظم معاهدنا العلمية أو التي من المفترض أن تكون علمية قد أصبحت مرتهنة الضباط الأمن ومسؤولي المباحث الذين دمروا كل شيء في حياتنا بأوامر من قادتهم السياسيين!. 

سامحنا يا سيدي يا رسول الله

لقد علمتنا من البداية أن هناك صنفين إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس:

العلماء والأمراء.

وها هو حال العلماء لا يخفى على أحد سواء أكانوا علماء في علوم الدنيا، أم كانوا علماء في علوم الدين والشريعة.

ويا للحسرة!! من ثم تسميتهم، علماء السلطان، قد تخلوا عن واجبهم في الجهر بكلمة الحق في وجه السلطان الغاشم الظالم بل أصبح من واجبهم تبرير كل ما يقوم به السلاطين وتقديم كل المبررات لاستبدادهم وفسادهم كان المأمول أن يكون هؤلاء – وهم علماء الإسلام – كما أخبرتنا ورثتك من بعدك فالعلماء ورثة الأنبياء كما علمتنا، ولكن هؤلاء في زماننا هذا ضيعوا ما ورثوه من ميراث النبوة فلم يعد منهم هداة تقاة إلا قلة نادرة يفرع إليها الناس ويهتدي بها المسلمون أما علماء الدنيا من علوم تعمر بها الأرض، ويقيمون بها حضارة تهتدي بها البشرية لتكون أمتنا حجة على الناس فقد باعوا أنفسهم وتركوا معاملهم خاوية على عروشها، وسلموا كلياتهم وجامعاتهم وطلابهم القمة سائغة لوحوش الأمن يفتكون بآمالهم وطموحاتهم، ويدمرون مستقبل الأمة كلها.

يا سيدي لقد توقف علماؤنا، إن صحت تسميتهم بالعلماء. عن فريضة التفكير والتجديد والاجتهاد، فتعطلت شريعة الله. ليس فقط بإهمال الأمراء الذين جعلوها خلف ظهورهم بل أيضًا بتقاعس علماء الشريعة أنفسهم عن التجديد والاجتهاد، حتى يواكبوا العصر ومستجداته، ويقيموا الحجة على المسلمين عامتهم وحكامهم بل إن الأدهى والأمر أنهم شغلوا أنفسهم وشغلوا الناس بسفاسف الأمور وتوافه الفتاوى مما ضيع هيبتهم في العيون كافة. 

ولو أن أهل العلم صانوه لصانهمو            ولو عظموه في النفوس لعظما. 

سامحنا يا سيدي يا رسول الله

لقد علمتنا وربيت أمتك على قيم العزة والكرامة والعمل والإنتاج، والدقة والأمانة. والحب والتسامح والكرم والجود والمساواة والعدل والحرية والشورى اين نحن الآن من هذه القيم ومن غيرها؟!

لقد تردت أحوالنا في معظم بلاد المسلمين حتى باتت تعيش على عكس ما ربيتنا عليه، والأسى والحسرة والحزن والكمد يملأ قلوبنا، ونحن تعترف بهذه الحقيقة المرة ولكنه تشخيص الداء لنبدأ العلاج. 

والأمل يملأ قلوبنا فها هي أمتك تصحو وتنتفض لكي تنهض وتعمل على تغيير أحوالها، فإنك علمتنا ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ(الرعد: ١١). ولقد بدأت نهضتها منذ عقود، وبدأت صحوتها منذ فزعت على أقدام الكفار يحتلون بلادها، وهي مستمرة في صحوتها ونهضتها، ولكن العقبات مازالت أمامها كبيرة، وها هي تتخطى العقبات فأعلنت الجهاد ضد الاحتلال وضد الاستبداد وضد الفساد، وضد الجهل وضد الخرافة، وضد التعصب وضد الفرقة والتشرذم.

وأنت الذي بعثت فينا الأمل يقولك لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك...

سامحنا يا رسول الله: لقد كنت أبث إليك هذه الهمهمات أمام قبرك الشريف مع ملايين الزائرين من المسلمين، ولكني محروم من هذه الزيارة تلك الأيام، ومازلت أتذكر تمثلي بأبيات أحمد شوقي التي تعبر كل التعبير عن مكنون نفسي:

 

إذا زرت بعد البيت قبر محمد * * * وقبلت مثوى الأعظم العطرات

وفاضت مع الدمع العيون مهابة * * * لأحمد بين الستر والحجرات

وأشرق نور تحت كل ثنية * * * وضاع أريج تحت كل حصاة

لمظهر دين الله فوق تنوفة * * * وباني صروح الجد فوق فلاة

فقل لرسول الله يا خير مرسل * * * أبثك ما تدري من الحسرات

شعوبك في شرق البلاد وغربها * * * كأصحاب كهف في عميق سبات

بأيمانهم توران: ذكر، وسنة * * * فما بالهم في حالك الظلمات؟

وذلك ماضي مجدهم وفخارهم * * * فما ضرهم لو يعملون لاتي؟

وهذا زمان ارضه، وسماؤه * * * مجال المقدام كبير حياة

فيه قوم في السماء، وأنشؤوا * * * بوارج في الأبراج ممتنعات

فقل رب وفق للعظائم أمتي * * * وزين لها الأفعال والعزمات

كان هذا منذ حوالي قرن من الزمان عندما دعاه الخديو عباس حلمي للحج معه فاعتذر، وسطر هذه الأبيات، ولكنها ما زالت معبرة بصدق عن هموم كل مسلم تنقطع نفسه حسرات على أمة محمد ﷺ . 

سامحنا يا رسول الله

لقد نزل في القرآن العظيم قول الله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (النساء: 24). 

وها نحن ظلمنا أنفسنا واعترفنا بذنوبنا وأقبلنا على الله تائبين وأنت الذي وصفك الله ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة: 128). فسامحنا واستغفر لنا الله، وسله سبحانه أن يرحمنا ويثبتنا، ويقوي ظهرنا، ويجبر ضعفا، ويغير أحوالنا لما يحبه ويرضاه، فأنت خير شافع لنا، يا سيدي.. يا رسول الله!!

الرابط المختصر :