العنوان الهزيمة التي تفوح من الأفواه.. هل تتوقف؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003
مشاهدات 51
نشر في العدد 1555
نشر في الصفحة 45
السبت 14-يونيو-2003
قلما تجلس اليوم مع رجل له حس بطل أو صوت مصلح، أو فكر منير، أو عقل مبدع، وقلما تجده يحدثك عن نصر لبلده أو عز لأمته، أو فلاح يفكر فيه أو عزة ينهد إليها أو اختراع يصبو له، أو فكرة عبقرية تداعب خياله، أو خطة سوية تنير طريقه، وترسم مستقبله، أو حتى الإصلاح ما تردى منه، وإقامة ما تهدم من ذاته، حين ترى هذا وتشعر بوخزه تتألم ويزداد حزنك على هذه الرجولة المهدرة، وهذه الإنسانية الثانية المبعثرة العاجزة، وتأخذك الفجيعة وتدهشك الكارثة حينما تسمع منه ما يهرف به من ضلال، وما ينطق به من انهزام يبرر به عجزه و خبله وضياعه، كهزئه مثلًا من أصحاب الفكر الناهض والعقل اللامع والخلق الكريم والعزيمة الصلبة، وسخريته بأهل الاستقامة والدعوة إلى الخير، وعيبه لكل فكر ينتمي إلى عقيدة الأمة أو إسلامها وقرآنها وهداها.
والحقيقة التي يجب أن يعلمها كل إنسان أن هذه الظاهرة هي نتاج طبيعي لعصر الانهزام الذي يجب أن ينتهي. وهذا لا يضير العاملين الجادين أو يفت في عضدهم، وقد مرت هذه الحقب في تاريخنا من بدئه إلى انتصاره، ونحن نقرأ تسجيل هذا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ (المطففين:29- 30-31-32-33-34).
هذا الصنف الرديء كان العمود الفقري للجاهلية الأولى، وهو الآن العمود الفقري للجاهلية المعاصرة والانهزامية الحاضرة، هذا الصنف العاجز هو الذي يتوارى دائمًا وراء الأسماء والمذاهب المستوردة من علمانية، وتنويرية، وبعثية واشتراكية وشيوعية، وماسونية وأخيرًا بهائية، هذا الصنف هو رائد النكسات المتتالية، وعار الزمان المعيش، ومطايا الأعداء والصهاينة فقدوا روح أباءهم في أصلابهم، وعزائم أمتهم في نفوسهم، وروحانية عقيدتهم في صدورهم، ونورانية قرآنهم في عقولهم، فحلت بنا الهزائم ونزلت بنا الكوارث.
أيها السادة نقولها بملء أفواهنا لن ترد إلينا عزتنا وكرامتنا وحقوقنا المغتصبة إلا بالإسلام ورسالته وتربيته ورجولة أمته، وثبات رجاله، وإلا فلا نصر ولا رجولة، ولا تقدم.
إن بغاث الأمم وحثالة الشعوب لما آلمها الضياع وأنهكها التشرد لجأت الصهيونية إلى عقيدتها البالية فأحيتها ولمت شعثها وجمعت شاردها وواردها وأعطتها قوة للنصر، وبعدًا للعزيمة، ودفعًا للعمل، والتصنيع والتحدي والنهوض، تحدث بن جوريون زعيم إسرائيل في ذكرى الانتصار على مصر فقال: «لقد كان من نصيب شعبنا دائمًا أن يقف كأقلية أمام الأكثرية، وقد ذكر أنبياؤنا هذا منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة فقالوا: إنكم أقل الشعوب جميعًا، ثم قال بن جوريون ولذلك يجب على شعب إسرائيل أن يكون شعب قدرات وتفوق من الناحية الروحية، بحيث يستطيع أن يقف بعظمته أمام شعوب أكبر منه وبدون التفوق الروحي لم يكن شعبنا ليستطيع أن يبقى ألف سنة ولا استطاع إحياء وطنه».
أما نحن فقد عمل البعض على تشكيك الأمة في هويتها وروحانيتها وعقيدتها فصارت شعوبًا من العجزة والكسالى والمنافقين المنهزمين إلا من رحم ربك، بل أصبحنا نسمع الأدهى والأنكى أن برامج التعليم الإسلامي سيُعمى عليها وسيستبدل بها برامج أخرى لتسطيح الفكر وإخماد العزيمة وقطع صلة الإنسان المسلم بعقيدته ودينه وتاريخه وتراثه، وتتواصل الفواجع الكبرى فنسمع أن بعض آيات القرآن ستحذف من المقررات وتستبدل بها أخرى تتحدث عن الشعائر فقط ولا تتطرق إلى مجاهدة الأعداء أو الحكم بما أنزل الله ... إلخ إلخ.
والغريب في الأمر أن هذه التوجهات أملتها جهات معادية للإسلام والمسلمين من يهود وصليبيين، بينما هم يتمسكون بدينهم وعقيدتهم يقول مؤسس الصهيونية حاضًا أتباعه على التمسك بالتوراة «الحياة الدينية اليهودية هي وحدها –دون سواها– سر خلود إسرائيل، وستظل إسرائيل خالدة طالما بقيت متعلقة بالتوراة، فإذا هجرتها اندثر تاريخها في رمال الصحراء ولو ظل الفرد مقيمًا في أرضه وبلاده».
ويقول شختر: «إن نهضة إسرائيل القومية وإحياء الدين اليهودي أمران لا ينفصلان»، بل يتعدى هذا الحرص والقداسة إلى تقديس اللغة التي كتبت بها التوراة وهي اللغة العبرية، فيقول زعماء إسرائيل «طالما سنظل يهودًا، وطالما سننادي بأن التوراة كتابنا يجب أن نقدس اللغة التي كتبت بها تقديسًا لا حد له»، ثم يقولون «الذين يبعدوننا عن اللغة العبرية يضمرون الشر لشعبنا ومجده الخالد»، فإسرائيل أحيت من الحفريات لغة انقرضت منذ ٢٠٠٠ سنة، وسمت كل منشآتها بها: «کنیست، کیبوتزم، هستدروت» كل المصطلحات التي لم تسمع بها العبرية قبل أن تختفي من الحياة، نحتت لها الألفاظ العبرية، بل اشترطت إسرائيل على كل مهاجر إليها أن يتخلى عن اسمه القديم ويتخذ له اسمًا عبريًا أو «يعبرون» اسمه .....
وشمويل يوسف عجنون، يكتب بالعبرية ويصفها بأنها لغة الله، ويتقدم بها للحصول على جائزة نوبل ويفوز بها!! عجيب أمر قومي عجيب، هل العبرية لها في العلوم تاريخ أعرق أو أحدث من العربية؟! فلم يتوقف العصريون عندنا وحدنا، ويصرون على أن العلوم لا يمكن أن تدرس باللغة العربية، ويحذروننا من التخلف زادهم الله تخلفًا. اليهود الذين اندثرت لغتهم، أعادوا بعثها وفرضوها على العالم، وحببوها هي وتوراتها إلى الأجيال، حتى إن اليهودي يهاجر من أمريكا وأوروبا –حيث كل شيء عصري– إلى صحراء فلسطين بدافع العقيدة، وليبني مجتمع التوراة، أما نحن الذين نعاني ما تعرفه الأمة والعالم أجمع فيظل الانهزام في الأفواه والأعمال هو دأبنا، ولا أظن أن هذا الوضع الشائن سيطول، لأنه غريب عن طبيعتنا وعراقتنا، وإن غدًا لناظره قريب إن شاء الله .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل