العنوان قراءة في رسالة « أوباما » للعالم الإسلامي
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009
مشاهدات 111
نشر في العدد 1856
نشر في الصفحة 14
السبت 13-يونيو-2009
· تجاهل «أوباما» مسؤولية أمريكا عن التوتر التصاعد في علاقتها بالعالم الإسلامي بسبب دعمها المستمر للكيان الصهيوني.. بل دافع عن هذا الموقف.
· جاء الرئيس الأمريكي إلى القاهرة ساعياً لرسم بداية جديدة للتعايش المبني على الاحترام والتفاهم..مروجًا لتقارب تاريخي بين الغرب والمسلمين محاولًا تدمير فكرة صراع الحضارات.. فهل نجح في ذلك؟
· كيف يبرر «أوباما» وهو يتحدث عن كرامة الإنسان- مذابح وادي سوات التي يمارسها الجيش الباكستاني بدعم أمريكي والتي نجم عنها مقتل الآلاف ونزوح أكثر من مليون مدني؟
اختلف الناس كثيرًا – والمسلمون خاصة في الرئيس الأمريكي أوباما ، شخصيته وأفكاره وقدرته على تغيير السياسة الأمريكية داخليا وخارجياً. الاختلاف له ما يبرره ؛ فهو يعد ظاهرة متفردة في السياسة الأمريكية من وجوه عدة؛ فهو أول رئيس من أصل أفريقي، ومن أصل مسلم، وليس لعائلته من ناحية والده امتدادات في الحياة الأمريكية، فقد عاد والده إلى بلده كينيا وترك الطفل « باراك» « أو بركة حسين أبو عمامة» مع والدته المسيحية التي تزوجت مسلما آخر من إندونيسيا، عاش الطفل في كنفه سنوات طفولته، ثم ضمه جداه لوالدته إلى حضانتهما فنشأ مسيحيا. وبينما يرتاح بعض المسلمين إلى حقيقة أصوله المسلمة ويأملون أن يكون لها تأثير على توجهاته يراه آخرون مرتدا يمثل خطرا على الإسلام أشد من سلفه «بوش».
كما أنه يمتاز بشخصية قوية وقدرة كبيرة على التأثير والإقناع، الأمر الذي مكنه ومكن خبراء صناعة النجوم من إحداث هذا التحول الكبير، وإقناع الناخب الأمريكي باختياره، سواء داخل الحزب الديمقراطي متفوقًا على منافسته «هيلاري كلينتون»، أو في الانتخابات الرئاسية متفوقًا على «جون ماكين»، وكلاهما من الأصول البيضاء.
ويجمع حديث «أوباما» عمومًا بين السياسة والفكر والأخلاق والتاريخ والاقتصاد، بأسلوب يبدو موضوعيًا يتسم بالتواضع والصراحة لا تجد له مثيلًا عند من سبقوه ممن اعتادوا استعراض القوة والتعالي على الآخرين.
جاء «أوباما» إلى مصر يوم الرابع من يونيو الجاري ليوجه رسالة من جامعة القاهرة إلى العالم الإسلامي، ضاعفت الجدل حوله، وسنحاول هنا «تفكيك» عناصر الرسالة وربطها بمواقف أمريكا الجارية – لا السابقة – لنرى مدى ارتباط أقوال أوباما» بأفعال إدارته.
الإسلام عند «أوباما»
لا يمكن إغفال أن «أوباما» نشأ صغيرًا في بيئة مسلمة، بل ربما بيئة ملتزمة بالإسلام، ولا تزال له صلات بأفراد عائلته المسلمين، وهو يرى أنه تعرف على الإسلام في ثلاث قارات أفريقيا التي منها أسرته وآسيا التي عاش فيها سنوات في إندونيسيا وأمريكا حيث تعرف على كثير من المسلمين أثناء عمله الاجتماعي العام. وقد اكتسب من هذه المعرفة تقديرًا واحتراماً للدين حتى وإن كان قد تحول عنه، ولعل هذا أحد أسباب قراره توجيه رسالة للعالم الإسلامي فأزمة أمريكا مع العالم الإسلامي ممتدة ومع ذلك لم يقم أي رئيس قبله بمثل هذا العمل.
قبل توجيه خطابه للعالم الإسلامي زار «أوباما» مسجد ومدرسة السلطان حسن في القاهرة الذي بني قبل ما يقرب من سبعة قرون، ويمثل مرحلة نضوج العمارة في العصر المملوكي، وخلع نعليه عند دخول المسجد لم يخلع بابا الفاتيكان عليه عند زيارة «أحد مساجد الأردن مؤخرًا» وارتدت وزيرة خارجيته غطاء للرأس، وكان زيها المتبرج أفضل نسبيًا من زي المرشدة السياحية المسلمة التي كانت معهما، وبدأ مهتمًا ومنبهرًا، وإن كان أمره كذلك أيضًا عندما زار الأهرامات الفرعونية، وحين بدأ رسالته بدأ بتوجيه تحية الإسلام السلام عليكم، وأشار في أول جملة إلى الأزهر باعتباره منارة العلوم الإسلامية، واستشهد ثلاث مرات بآيات من القرآن الكريم، وأشار إلى حادثة الإسراء والمعراج.
جاء «أوباما» إلى القاهرة ساعياً لرسم بداية جديدة للتعايش المبني على الاحترام والتفاهم، ممهدًا لحوار جديد، مروجًا لتقارب تاريخي بين الغرب والمسلمين محاولًا تدمير فكرة صراع الحضارات.. فهل نجح في ذلك؟
يعترف «أوباما» بتوتر العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي وهو توتر يرى أن له صلة بالعلاقة بين الإسلام والغرب التي شهدت صراعات وحروبًا دينية لم يصرح بمسؤولية الغرب عنها، كما ساهم الاستعمار في تغذية التوتر بسبب حرمان العديد من المسلمين من الحقوق والفرص «هكذا فحسب !! وماذا عن المذابح ونهب الثروات»، والحرب الباردة التي عوملت فيها كثير من البلدان ذات الأغلبية المسلمة بلا حق كأنها مجرد دول وكيلة لا يجب مراعاة تطلعاتها الخاصة، وعلاوة على ذلك حدا التغيير الكاسح الذي رافقته الحداثة والعولمة بالعديد من المسلمين إلى اعتبار الغرب معاديًا لتقاليد الإسلام.
وهكذا تجاهل «أوباما» تمامًا مسؤولية أمريكا عن هذا التوتر المتصاعد بدعمها المستمر منذ ستة عقود للكيان الصهيوني، بل دافع عن هذا الموقف كما سنرى لاحقًا.
وينتقل إلى تفجيرات 11 سبتمبر ٢٠٠١ م التي حدت ببعض الأمريكيين إلى اعتبار الإسلام معادياً لا محالة، ليس فقط لأمريكا وللبلدان الغربية، وإنما أيضاً لحقوق الإنسان، ونتج عن ذلك مزيد من الخوف وعدم الثقة.
يدرك «أوباما » أن هناك أوجه اختلاف بين العالم الإسلامي وأمريكا، لكنه يريد ألا نبني علاقاتنا المشتركة من خلال أوجه الاختلاف لأن ذلك يصب في خانة من وصفهم بأنهم يزرعون الكراهية، ويروجون للصراعات ولكن ينبغي بذل جهود مستديمة للاستماع إلى بعضنا البعض والتعلم من بعضنا بعضًا والحوار، ومن منطلق تجربته الشخصية يعتقد أن الشراكة بين أمريكا والإسلام يجب أن تستند إلى حقيقة الإسلام، ولذلك فقد جاء للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادًا إلى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أمريكا والإسلام لا يعارضان بعضهما بعضًا، ولا داعي أبدًا للتنافس فيما بينهما، بل ولهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان.
والسؤال: من في العالم الإسلامي يرى أن أمريكا تعمل من أجل العدالة وكرامة كل إنسان؟
الإسلام جزء من أمريكا
يرى «أوباما» أن الإسلام كان دائمًا جزءًا لا يتجزأ من أمريكا، حيث كان المغرب أول بلد اعترف بالولايات المتحدة، وقد ساهم المسلمون الأمريكان في إثراء البلاد، ويعترف بوجود قرابة سبعة ملايين مسلم في أمريكا يزيد تعدادهم على سكان بعض الدول الإسلامية لهم حرية إقامة الشعائر في أكثر من ۱۲۰۰ مسجد، ومن هذا المنطلق يرى أن من مسؤوليته التصدي للصور النمطية السلبية عن الإسلام، وكذلك عن صورة أمريكا لدى الآخرين، ومثلما لا تنطبق على المسلمين الصورة النمطية البدائية فإن الصورة النمطية البدائية للإمبراطورية التي لا تهتم إلا بمصالح نفسها لا تنطبق على أمريكا»، وما نراه أن «أوباما» يتحرك لتغيير الصورة النمطية السلبية عن بلاده، لكنه لم يفعل إلا القليل لرفع الضرر الذي لحق بالمسلمين الأمريكيين أو المقيمين في أمريكا بعد ۱۱ سبتمبر، ووقائع الاضطهاد أكثر من أن تحكى، ويمكن الرجوع لسجلات منظمة مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية «كير» على سبيل المثال لمعرفة حجم المأساة.
يحمد لـ «أوباما» أنه تحدث بواقعية معترفاً بأن التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها، ولا يمكن لخطاب واحد أن يلغي سنوات من عدم الثقة، كما أنه لا يستطيع أن يقدم الإجابة على كل المسائل المعقدة، لكنه على يقين من أنه يجب علينا من أجل المضي قدمًا أن نعبر بصراحة عما هو في قلوبنا، وعما لا يقال إلا من وراء الأبواب المغلقة، لكن الكلمات وحدها لا تستطيع سد احتياجات الشعوب هكذا يقول ولن نسد هذه الاحتياجات إلا إذا عملنا بشجاعة على مدى السنين القادمة، وإذا أدركنا حقيقة أن التحديات التي نواجهها هي تحديات مشتركة، أما إذا أخفقنا في التصدي : لها فسوف يلحق ذلك الأذى بنا جميعًا.
وهو يسعى لدفع المسلمين للعمل وفق سياسته، ويتملقهم بالقول: إن أي نظام عالمي يعلي شعبًا أو مجموعة من البشر فوق غيرهم سوف يبوء بالفشل لا محالة، فهل يتنبأ أوباما بفشل النظام الأمريكي الذي يضع الأمريكي فوق كل البشر؟ وإذا كان يرفض هذا السلوك، فلماذا لا يسمح مثلاً بتقديم الأمريكيين للمحاكمة أمام محكمة الجرائم الدولية أسوة ببقية الأجناس؟ ألا يتذكر البعض الحديث عن المساواة إلا حين يريد تحميل الآخرين المسؤولية؟
التطرف العنيف
تجنب «أوباما» تمامًا استخدام لفظي الإرهاب والإرهابيين، واستخدم بدلًا من ذلك لفظًا أخف وهو المتطرفون الذين يمارسون العنف، لكن المعنى لم يتغير، فأولئك سوف يتصدى لهم لأنهم يشكلون تهديدًا جسيمًا لأمن بلاده، ومن واجباته كرئيس أن يتولى حماية الشعب الأمريكي، وهو يرى أن التطرف يمثل تهديدًا دوليًا حتى لو نشأ في مكان ناء ومن هذا المنطلق يدافع عن غزو أفغانستان بدعوى ملاحقة تنظيم القاعدة ونظام طالبان لم نذهب إلى هناك باختيارنا، وإنما بسبب من الضرورة !! إنه يدافع عن سياسات «بوش» الذي غزا أفغانستان عقب تفجيرات سبتمبر « التي لا يقبل «أوباما» الجدل حول مسؤولية القاعدة عنها، دون أدنى تحقيق أمريكي أو دولي لتحديد المسؤول عن الأحداث».
« أوباما» مقتنع بأن هناك خطرًا على أمريكا ينبعث من أفغانستان «ومعها باكستان»، ولذلك قرر منذ ما قبل انتخابه زيادة عدد القوات الأمريكية فيها، وهو يأسى بالطبع على مقتل الأمريكيين هناك، لكنه لم يشر مطلقاً لمقتل أعداد من المدنيين الأفغان بسبب الغارات الأمريكية يزيد عددهم على قتلى برجي مركز التجارة العالمي، ويقول: إنه لا يريد لجيشه أن يبقى في أفغانستان ولا يسعى لإقامة قواعد عسكرية هناك، ولكن ما الحل وقد مضت سبع سنوات دون التمكن من القضاء على طالبان بل زادت قواتها ودون الإمساك بقيادات القاعدة؟ إنه يربط الانسحاب به «عدم وجود متطرفي العنف في كل من أفغانستان وباكستان الذين يحرصون على قتل أكبر عدد ممكن من الأمريكيين». لكن متطرفي العنف هؤلاء سيزداد عددهم مع استمرار الاحتلال وانتهاكات حقوق الإنسان. وكيف يبرر «أوباما» وهو يتحدث عن كرامة الإنسان- مذابح وادي سوات التي يمارسها الجيش الباكستاني بدعم أمريكي والتي نجم عنها مقتل الآلاف ونزوح أكثر من مليون مدني؟
العراق
بخلاف حال أفغانستان، يقر« أوباما» بأن قرار غزو العراق كان اختياريًا، أي لم تكن هناك ضرورة له، وقد تعلمت واشنطن من غزو العراق درسًا مفاده ضرورة استخدام الدبلوماسية لتسوية المشكلات، ويرى «أوباما» أن قرار الغزو كان يخالف المبادئ الأمريكية لا أدري عن أي مبادئ يتحدث، فقد قامت واشنطن بالعديد من عمليات الغزو الخارجي في مختلف بلدان العالم.
وهو على كل حال يتفهم مدى الخوف والغضب الذي خلفته أحداث سبتمبر والتي دفعت إلى غزو العراق .. والآن فإن إدارته تتخذ إجراءات محددة لتغيير الاتجاه، أي الانسحاب وعدم ترك قواعد هناك، مناقضاً مع ما ردده عسكريون أمريكيون من أن بلادهم ستترك بعض قواتها بالعراق حتى بعد عام ۲۰۱۲م. يعلن «أوباما» أن أمريكا ستدافع عن نفسها محترمة في ذلك سيادة الدول وحكم القانون، وفي إطار الشراكة بينها وبين المجتمعات الإسلامية التي يحدق بها الخطر ووجهة نظره أنه يمكن تحقيق مستوى أعلى من الأمن في وقت أقرب، عن طريق النجاح بصفة سريعة في عزل «المتطرفين»، «مع عدم التسامح معهم داخل المجتمعات الإسلامية» وهي رسالة نفهم ترجمتها التي تعني المزيد من التضييق في الداخل تحت دعوى تجفيف منابع التطرف العنيف الإرهاب سابقاً».