العنوان حماس_ بعد الاعتقالات أشد قوة وحماسًا
الكاتب محمود صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-1989
مشاهدات 66
نشر في العدد 919
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 06-يونيو-1989
لم تكن الاعتقالات الأخيرة في صفوف حركة المقاومة الإسلامية «حماس» هي الأولى من نوعها، بل سبقها العديد من عمليات الاعتقال في صفوف الحركة، وفي فترات مختلفة، غير أن حملة الاعتقالات الأخيرة تميزت عما قبلها من حيث الزخم والتركيز والنوعية، حيث تميزت عن بقية عمليات الاعتقال بإنها مركزة فقط على أعضاء «حماس» وبالذات الشخصيات القيادية والبارزة في الحركة، واختيار الوقت كان له أثر في أهمية هذه الاعتقالات وهذا ما سنحاول التعرض له بالبحث والتحليل.
نظرة عامة:
بغض النظر عن كون خبر
الاعتقالات الأخيرة قد ورد في الصحف ووكالات الأنباء نقلًا عن مصدر واحد هو قائد
المنطقة الجنوبية- في فلسطين المحتلة- الميجر جنرال إسحاق مردخاي في مقابلة له مع
«تلفزيون العدو» إضافة للتضارب الذي حدث في تقرير أعداد المعتقلين حيث تراوحت بين
«200- 950» معتقلًا، فإن هناك العديد من النقاط ميزت هذه الاعتقالات عما سبقها من
حيث:
الكم الهائل لأعداد
المعتقلين، فهي اعتقالات واسعة تمت بتنظيم وإعداد مسبقين.
تركزت هذه الاعتقالات على
أعضاء «حماس» ولم تشمل أي جهة أخرى، في حين أن الاعتقالات السابقة- غالبًا- ما
كانت تشمل أكثر من فئة وجهة حزبية.
انتقاء القادة والشخصيات
البارزة والمؤثرة في الشعب الفلسطيني، وذلك لإخماد جذوة الانتفاضة، وإبقاء الشعب
بعيدًا عن قيادته الميدانية التي توجه وتسدد مساره.
اعتقال الشيخ أحمد ياسين،
وهذا يعني تجاوزًا كافة الأعراف والقوانين الدولية والإنسانية، وتجاوزًا لأبسط
المشاعر والعواطف التي غرسها الله في الإنسان نحو أخيه الإنسان على هذه الأرض.
ومن أهم ما ميز حملة
الاعتقالات الأخيرة أنها جاءت بعدما تم اعتماد مبادرة شامير في الحكومة والكنيست
في «منتصف شهر مايو 1989» وهذا التوقيت له دلالات تستحق الوقوف عندها.
المعارضة الوحيدة:
لقد بات واضحًا للجميع أن
«حماس» هي المعارض الفعلي لكافة تحركات السلام وجهود التسوية التي من شأنها ضياع
حقوق الشعب الفلسطيني وتنازله عن أرضه لدولة العدو الصهيوني وميثاق «حماس» يؤكد على
أن أرض فلسطين وقف إسلامي لا يجوز لأي إنسان- حاكمًا أو محكومًا- أن يفرط فيه،
ويقرر الميثاق أن الجهاد هو الحل والسبيل الوحيد لتحرير فلسطين بعيدًا عن مائدة
المؤتمر الدولي، وقد تجلت هذه المعارضة للخط السلمي الذليل بكل وضوح في الرسالة
التي وجهتها حركة المقاومة الإسلامية، لاجتماع القمة العربي الاستثنائي الأخير في
الدار البيضاء، ونشرته «المجتمع» في العدد الماضي، حيث طالبت الزعماء والقادة
العرب بـ «رفض كافة مشاريع التسوية الرامية إلى إجهاض انتفاضة شعبنا المباركة، بما
فيها خطة رئيس وزراء العدو المغلفة بالدعوة لـ «انتخابات ديمقراطية»...» ولا شك أن
مثل هذه المواقف الثابتة للحركة، تجعل سلطات العدو تنظر إليها بشكل جدي، ومما يلفت
النظر أن الاعتقالات الأخيرة جاءت بعد هذه الرسالة بيوم أو يومين.
رفع لواء الجهاد:
وتكاد «حماس» تتميز عن
غيرها بقوة روح الجهاد، ومواجهة العدو، وبالإصرار على مواصلة الانتفاضة، ووصفها
بإنها «قدر الشعب الفلسطيني»، وقد تجلت هذه الحقيقة للعدو الصهيوني في شهر رمضان
المبارك، عندما طالبت «حماس» الشعب الفلسطيني إلى تصعيد المواجهة مع المحتل في هذا
الشهر الفضيل، مما جعل العدو يحسب للحركة حسابًا خاصًا، ويراجع نفسه ويحسم مواجهة
«حماس» بكافة أساليب البطش والتنكيل الممكنة، خصوصًا أنه بات من المؤكد له أن معظم
عمليات «إلقاء زجاجة حارقة» يقوم بها أعضاء من «حماس» إضافة لجرأة أعضاء «حماس» في
مواجهة جنود الاحتلال والتصدي لهم.
الهاجس الأمني:
ولعل أهم وأخطر ما يقلق
سلطات العدو بشكل خاص واليهود عمومًا، عدم استقرار الأمن مما يثير في نفوسهم بواعث
الخوف والقلق، وبالتالي فإن اكتشاف سلطات العدو لشبكة تديرها حركة «حماس» وتعمل في
قطاع غزة كله يثير حفيظة العدو ويخرجه عن طوره وذكرت «وكالات الأنباء في 23/5/1989»
إنه تم العثور على «18» نوعًا من الأسلحة عند هذه الشبكة، منها رشاشات من طراز
«أم- 16» من صنع أمريكي، ومسدسات وبنادق اليد من طراز جليل وكارل غوستاف وعوزي
وكلاشينكوف، إضافة لدعوة «حماس» وتبنيها عملية تصفية العملاء والخونة من صفوف
الشعب، الذين يقدمون خدمة لا حدود لها للعدو، وتساعده على معرفة كافة تحركات
المنظمات والأحزاب الفلسطينية، ومجرد تصفية يفقد العدو ورقة رابحة كانت تساعده في
الحفاظ على استقراره وأمنه.
تكهنات العدو:
وعن إثر هذه الاعتقالات،
ومدى تأثيرها على استمرار الانتفاضة المباركة اختلفت تحليلات العدو، ففي حديث
لصحيفة «معاريف» نقلته وكالات الأنباء في «23/5/1989» قال الجنرال إسحاق مردخاي:
«لقد وجهت ضربة جديدة إلى «حماس» وسيلزم أعضاء هذه الحركة الذين لا يزالون طليقين
وقتًا طويلًا قبل أن يعيدوا تنظيم أنفسهم»، غير أنه استدرك بإن هناك احتمال لعودة
مؤقتة للتوتر احتجاجًا على الاعتقالات، غير أن وجهات نظر معلقي الصحف في دولة
العدو كانت معارضة لذلك، وقد قال المعلق العسكري لصحيفة «هاآرتس» زئيف سيف «إن
الضربة قاسية بالتأكيد لكنها لن تمنع «حماس» من استئناف نشاطها في إطار الانتفاضة».
حماس تحسم الموقف:
وقبل أن تهدأ حدة الخلاف
حول هذه الاعتقالات وتأثيرها على الحركة، طالعتنا «حماس» ببيانها رقم «42» والصادر
بتاريخ 28/5/1989- بعد أسبوع فقط من الاعتقالات الأخيرة- والمطلع على هذا بيان
يلمس إصرار «حماس» على استمرار الانتفاضة، وبرمجت ذلك عمليًا في ثلاثة إضرابات
شاملة خلال الفترة «31/5- 9/6/1989»، وبهذا تكون «حماس» قد حسمت الموقف لصالحها-
بعون الله- واختارت الجهاد في سبيل الله دربًا تعبره بأجساد الشهداء، وتروي ثرى
فلسطين بدماء الأخيار البررة من أبناء الشعب الفلسطيني، فالموت في سبيل الله برصاص
العدو أفضل من الموت جوعًا تحت حصاره الاقتصادي.
قبل أن ننسى:
إن اعتقال الشيخ أحمد
ياسين الأب الروحي للحركة الإسلامية في فلسطين بشكل عام ولحركة المقاومة الإسلامية
«حماس» بشكل خاص، ورئيس المجمع الإسلامي في غزة، جريمة ليس بعدها جريمة في حق
الإنسانية، وباعتقال الشيخ أحمد ياسين أكد اليهود أنه لا قيمة لا لأي عرف أو حقوق
إنسانية، أمام مصالحهم وغاياتهم، فأعمى الحقد أبصارهم وطمس فطرتهم وطبيعتهم
البشرية، فأودعوا جسم الشيخ الذي أصيب بالشلل في أقبية السجون والمعتقلات لا لشيء
غير أنه استطاع بعزيمته الصلبة وعقيدته القوية أن يقف أمام جبروتهم وبطشهم بكل
جرأة وثبات رغم جسمه الهزيل وأعضائه المترهلة، ونحن في «المجتمع» نطالب كافة
المنظمات والهيئات المحبة للسلام، والمدافعة عن حقوق الإنسان، أن تبذل قصارى جهدها
للإفراج عن الشيخ أحمد ياسين وجميع الدول العربية والإسلامية وبما فيها منظمة
التحرير الفلسطينية مدعوة للقيام بواجبها في هذا الأمر، كما أن للهيئات والنقابات
والجمعيات وغيرها واجب يحتم عليها أن تشجب مثل هذا الأمر وتسعى بكافة الوسائل
الممكنة لتحريك الرأي العام للإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، الذي لا ندري كيف يقضي
حياته في سجون العدو وهو الذي لا يفارق كرسيه المتحرك.
وأخيرًا.... فإن كل
محاولات العدو لتحجيم «حماس» وإخماد شعلتها، ما هي إلا محاولات فاشلة لأن «حماس»
تختلف عن غيرها في كونها تستمد قوتها وعونها ومددها من الله العلي القدير ﴿وَمَا
يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (المدثر: 31).