; رأي في: شركات توظيف للأموال في مصر | مجلة المجتمع

العنوان رأي في: شركات توظيف للأموال في مصر

الكاتب عبدالحميد الغزالي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988

مشاهدات 83

نشر في العدد 851

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 12-يناير-1988

بالرغم من الخطوة التي اتخذتها الحكومة المصرية نحو طريق طويل وصعب لمعالجة المشكلة الاقتصادية، خاصة فيما يتصل بسوق سعر الصرف، فإن المناخ الاستثماري ما زال حتى الآن غير مشجع لإغراء الأموال القابلة للاستثمار على الدخول في استثمارات جديدة، يعد الاقتصاد المصري في أمس الحاجة إليها، خاصة مع بداية الخطة الخمسية الثانية، والتي أعطت القطاع الخاص مسؤولية استثمارية تفوق 40% من الاستثمارات الكلية. خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الأنصبة النسبية للقطاعين العام والخاص تتسم بالنسبة للقطاع العام بأنها تنصب أساسًا على الهياكل الأساسية والإحلال والتجديد، والمنافع العامة. ومن ثم نجد أن مسؤولية القطاع الخاص أكبر بكثير مما تشير إليه أرقام الخطة، أي تفوق بكثير نسبة الـ 40%. ولا شك أن احتياج الاقتصاد المصري إلى تشجيع استثمار الأموال القابلة للاستثمار هو أمر حيوي وهام، خاصة فيما يتصل بأموال العاملين في الخارج، والتي تقدر فيما بين 5-7 آلاف مليون دولار. إذ بعد قرارات ترشيد سوق الصرف لا بد من إيجاد قنوات الاستثمار للجزء الأكبر من هذه الأموال في الداخل، خاصة وأن حائزيها يحتفظون بها في صورتها الدولارية، على أساس أن الدولار يعد مخزنًا جيدًا للقيمة، من وجهة نظرهم، في ظل موجات متصاعدة من التضخم السعري وانخفاض قيمة النقود. ومن هنا تأتي الأهمية الاستراتيجية القصوى لشركات توظيف الأموال كوعاء فعال لاستخدام هذه السيولة المتاحة.

 

مفهوم الاستثمار الإسلامي

وشركات توظيف الأموال بصفة عامة هي أداة لحشد المدخرات وتوجيهها إلى مجالات الاستثمار، وبهذا التحديد تعد صيغة أساسية تدعم النظام المصرفي القائم في القيام بدوره الأساسي في تمويل الجهود الإنمائية. ومعظم هذه الشركات تبنت الصيغة الإسلامية للعمل المصرفي والتمويل، ومن حيث المبدأ تعد الصفة الإسلامية لهذا العمل ذات جدوى إنمائية مرتفعة، وتمثل مطلبًا ضروريًا وملحًا، لمعالجة مشكلة التمويل، والمساهمة الجادة في الجهود الإنمائية. فصيغة هذا العمل الإسلامي تقوم على مفهوم الاستثمار في النظام الاقتصادي الإسلامي، ومفهوم الاستثمار في هذا النظام ينصب على الاستثمار الحقيقي، بمعنى العمل على إقامة أو إنشاء مشروعات إنمائية تقوم بإنتاج ما يحتاج إليه أفراد المجتمع من سلع وخدمات، وفقًا لنظام أولويات محدد وشديد الوضوح، يبدأ بتوجيه الموارد لإنتاج الضرورات من المنتجات الاقتصادية، استهلاكية كانت أو إنتاجية، ثم بعد استيفاء هذه الضرورات والتي يحددها المجتمع وفقًا لاحتياجاته الفعلية، يقوم النظام كمرحلة ثانية باستيفاء الحاجات وهي المنتجات الاقتصادية التي يُتصور وجود الحياة البشرية بدونها، ولكن بمشقة زائدة. ثم بعد ذلك كمرحلة أخيرة يسعى إليها النظام العمل على إنتاج التحسينات في المنتجات التي توفر الحياة الطيبة الكريمة لأفراد المجتمع، ومن ثم يعمل هذا الترتيب للأولويات الإنتاجية والاستثمارية حقيقة على تحقيق غاية النظام الاقتصادي، والمتمثلة في تمام الكفاية، أي حد الغنى، أي الحياة الطيبة الكريمة لأفراد المجتمع الذين يعيشون في ظل هذا النظام، مسلمين كانوا أم ذميين.

وعلى ذلك، فالاستثمار في الإسلام لا يعرف أساسًا الأنشطة الثانوية التي تمثل أولوية شديدة الانخفاض في هذا النظام، مقارنة بالاستثمار الحقيقي الذي يعمل على توسيع الطاقة الإنتاجية، والقدرة الاقتصادية المولدة لمنتجات يحتاج إليها أفراد المجتمع.

 

فرضية إعمار الأرض

وهذا الاستثمار، بدوافعه المتمثلة أساسًا في فرض «العمل على إعمار الأرض» أي تنميتها الجادة والمستمرة، وضوابطه الشرعية الحاكمة، والمتصلة بمنع كل الممارسات الخاطئة في النشاط الاقتصادي إنتاجًا وتوزيعًا واستهلاكًا، وعلى رأسها تحريم الربا والغرر، والاحتكار، وتحريم الاكتناز، وتحريم الغش والتدليس، وغيره من الممارسات المدمرة للكفاءات الإنتاجية في المجتمع وتحريم الإسراف والتقتير.

هذا الاستثمار بضوابطه له صيغ محددة وواضحة، تتمثل أساسًا في صيغ المشاركات والمضاربات والمرابحات والمتاجرات، وهذه جميعًا تقوم على مبدأ استثماري هام، مؤداه أن العائد لا يحل لصاحب المال إلا نتيجة تحمل هذا المالك للمال مخاطرة حقيقية، ومن ثم يقول فقهاؤنا: إن الخراج بالضمان، أي العائد لا يعد حلالًا إلا نتيجة مخاطرة، أو كما هو شائع الآن أن الغُنم بالغُرم، ومن ثم جاء هذا المبدأ كأساس لصيغ الاستثمار الإسلامية حربًا على الاستغلال والمستغلين، على أساس أن النظام الاقتصادي الإسلامي جاء لمنع أكل أموال الناس بالباطل، ومن ثم أقام فعلًا مجتمعًا للمنتجين، حيث يحصل كل مساهم في العملية الإنتاجية على نصيب عادل بقدر جهده أو مخاطرته بماله أو عمله. وأساس العمل في توظيف الأموال ينحصر في المقام الأول في المشاركة في أموال هذه الشركات، ومن ثم المساهمة بنسبة هذه المشاركة في هذه الأموال، فيما تقوم به هذه الشركات من استثمارات وتحمل نتيجة هذا العمل، كسبًا كان أم خسارة على أساس من النصيب النسبي للمساهمة في أموال هذه الشركات. كما يقوم على الصيغة الأساسية القائمة على عقد المضاربة أو القراض، وهي أساسًا تقوم على جمع المال، ممن لديه مال ولا يستطيع استثماره «رب المال» والعمل أو الخبرة ممن لديه معرفة محددة في نشاط اقتصادي معين، أو عدد من الأنشطة ولكن ليس لديه مال «المضارب أو العامل في المال». على أساس أن يتفق الطرفان مسبقًا على توزيع نسبي فيما يتصل بالعائد أو الربح، إذا أفاض الله عليهما بربح «مثلاً 50% لرب المال و50% للمضارب، أو 40% أو العكس» تبعًا لاتفاقهما، وتبعًا لطبيعة عملية توظيف هذه الأموال. وإذا وقعت خسارة، يتحملها بالكامل رب المال، وهذا هو شق المخاطرة بالنسبة للمال ويكفي المضارب أنه يكون قد خسر ما كان سيحصل عليه من أجر، لو اشتغل بأجر، وهو شق المخاطرة بالنسبة للمضارب.

وعقد المضاربة قد يكون غير مقيد، من حيث مجال توظيف الأموال، أو من حيث المناطق التي توظف فيها الأموال، وهنا يقول رب المال للمضارب «اعمل برأيك». وقد يكون محددًا في مجال معين أو في مناطق محددة، وفي هذه الحالة نكون أمام مضاربة مقيدة يتعين على المضارب الالتزام بشروطها.

 

الاستثمار الإسلامي هو المخرج

وعلى هذا الأساس يكون الاستثمار الإسلامي بدوافعه وضوابطه وصيغه، فعلًا المخرج المؤثر لمعالجة مشكلة تمويل وإحداث عملية تنمية مستمرة. وشركات توظيف الأموال الإسلامية في مجملها تعمل وفقًا لهذا النهج المحدد والواضح، ومن ثم يتعين تشجيعها وتشجيع قيام شركات مماثلة جديدة، فهي تعد الصيغة المؤسسية المثلى لتشجيع القطاع الخاص للقيام بدوره المتنامي في الاستثمارات المتوقعة خلال الخطة الحالية، والتنمية المخططة المستمرة في التجربة المصرية، حيث تقوم بجمع الأموال من المدخرين، خاصة صغارهم مع رفع حرج الوقوع في الربا المحرم بنص الكتاب والسنة، ثم تقوم بتوظيف هذه الأموال في أنشطة يحتاج إليها اقتصادنا سواء في توسيع القاعدة السلعية للنشاط الاقتصادي باستثمارات في القطاع الصناعي والزراعي أو بالمساهمة الجادة في مشكلة الإسكان بالقيام باستثمارات في الإسكان المتوسط والشعبي، أو بالمساهمة في معالجة الجمود في الأنشطة الخدمية، وعلى رأسها النشاط السياحي. ولدينا في الواقع أمثلة إيجابية مشجعة في هذه الاتجاهات المختلفة سواء بالنسبة لصناعات مهمة مغذية لصناعات أخرى كالبلاستيك والكيماويات أو بالنسبة لمشروعات الأمن الغذائي والإسكاني والكسائي... إلخ.

 

أمثلة مشجعة وأخرى مرفوضة

ولا أعتقد أن هناك رجل اقتصاد يحترم مهنته يستطيع أن يشكك في جدوى مثل هذه المشروعات كمساهمة جادة في عملية التنمية الاقتصادية في مصر، ولكن نحن مع بقية الاقتصاديين، نرفض أي دعوة – مهما كانت المبررات – أن تجمع أموال المسلمين، ثم توظف توظيفات ثانوية، لا تخدم قضية تنمية الاقتصاد المصري، سواء باستخدامها في الداخل أو في الخارج، كالمضاربة في العملات الأجنبية أو المعادن النفيسة، أو حتى في الأوراق المالية في السوق الدولي. وقد تساق مبررات لذلك منها أن بعض الشركات قد التزمت للمودعين لديها بتوزيع عائد ربع سنوي مما يضطرها إلى توظيف الأموال في مشروعات ذات عائدات سريعة، أو أن هناك قيودًا متزايدة «وقد تكون هذه حقيقة» أمام استخدام أموال هذه الشركات في الداخل إلى آخر هذه المبررات. ومهما تعددت هذه المبررات فإنها لا تمثل حجة لما يُشاع من أن أحدًا أو بعض هذه الشركات يستخدم أموال المودعين في مثل هذه الأنشطة التي لا تعد استثمارًا بالمعنى الحقيقي، وبالقطع ليست استثمارًا إسلاميًا.

وإذا ما سلمنا ببعض هذه المبررات، فيتعين ألا تؤخذ كحجة لبعض هذه الشركات في أن تتجه هذا الاتجاه الخاطئ، إذا كان قد حدث فعلًا، وإنما يتعين على المسؤولين عنها أن يتصدوا لهذه المعوقات بالمعالجة الجادة، حتى يتسنى لهم أن يقوموا بالوظيفة الحيوية لهذه الشركات في تنمية الاقتصاد القومي، من خلال استثمار حقيقي يحتاج إليه مجتمعنا، أي إقامة مشروعات لتلبية الطلب النهائي، إنتاجية كانت أم استهلاكية. إذا كان هناك قيد التوزيع كل ثلاثة شهور للعائد، فيتعين على هذه الشركات أن تتخلص منه عن طريق ودائع استثمارية سنوية أو أكثر من سنة.

 

علامة بارزة ويجب تشجيعها

ومع ذلك تظل صيغة شركات توظيف الأموال الإسلامية علامة بارزة ومميزة في مجال تطوير العمل المصرفي والاستثماري، وفقًا للدوافع والاحتياجات الإنمائية للاقتصاد المصري، وكلمة أخيرة... يتعين على هذه الشركات أن تعيد ترتيب بيتها من الداخل، وأن تندرج تحت صيغة قانونية مناسبة، وفقًا للقوانين المنظمة لهذا النشاط، حتى تتوافر صيغة إشرافية من قبل السلطات النقدية، ويتواجد شكل من أشكال الطمأنينة لأصحاب الأموال، خاصة صغارهم على أموالهم لدى هذه الشركات. وعليه نخلص إلى القول بأن شركات توظيف الأموال ليست كلها شرًا يجب محاربته، كما أنها ليست كلها خيرًا يجب تشجيعه وإنما تحتاج إلى وقفة من قبل المسؤولين عنها، لتقويم التجربة ومعالجة أوجه القصور فيها، سواء كان ذلك بالنسبة للشكل القانوني، أو بالنسبة لأوجه أنشطتها. لأنه – بكل تأكيد – هناك ضرورة غائية لوجود مثل هذا النوع من الشركات، شريطة توافر الضوابط القانونية والشرعية والتوظيفية المناسبة للمشاركة الجادة والفاعلة في عجلة تنمية الاقتصاد المصري.

الرابط المختصر :