; التهديد الصهيوني والقوة العربية في الميزان | مجلة المجتمع

العنوان التهديد الصهيوني والقوة العربية في الميزان

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001

مشاهدات 63

نشر في العدد 1437

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 06-فبراير-2001

مضى زمان كانت العنترية العربية فيه تملأ الدنيا صياحًا وتهديدًا بأنها سترمي الكيان الصهيوني في البحر، ولا ندري للآن ما الذي منعها من ذلك، اللهم إلا إذا كانت الشفقة والرحمة بعباد الله الصهاينة الذين قتلوا العباد، وخربوا البلاد، والآن نرى القزمية العربية تملأ الدنيا صياحًا مستجيرة من الكيان الصهيوني ومن تهديده وصولته لعل أحدًا في العالم يسمع الصياح، ويجير العرب الملاح.

وأستطيع أن أقول اليوم بغير تحرج إن الشعوب العربية أصبحت تدرك تمامًا الحقيقة والواقع، تدرك العجز العربي وأسبابه، وتدرك الصلف الصهيوني وبواعثه، وتدرك تمامًا المخاوف التي زرعت في مخيلة القيادات العربية، وهي حقيقية مادام العجز العربي مستمرًا، ومادام التيه النفسي متمكنًا من النفوس، ولكي نكون واقعيين فإننا نذكر المخاوف العربية، ثم نتبعها بما يدفعها من أقوال الصهاينة أنفسهم عن القوة العربية والإسلامية، فإما عن مخاوف الأمة العربية فتتمثل في:

 1 - إن الكيان الصهيوني مجتمع عسكري يرصد جزءًا مهمًا من موارده لصالح أمنه القومي، كما أنه بطبيعته يدعو إلى التوسع على حساب العرب، وأنه يؤمن بأن كل الأراضي من النيل إلى الفرات هي أرض الميعاد وملك لليهود، وأنه يدعو إلى حدود آمنة ليستعد بالسلاح دون أن يهدده أحد، وبتهجير المزيد وبناء المستعمرات لينقض على العرب من جديد.

٢ - الكيان الصهيوني يناضل أشد النضال من أجل تفوقه العسكري على العرب عن طريق حيازته لسلاح نوعي وكمي، وهذا التفوق ضرورة لتحقيق إستراتيجيته التوسعية، وكذلك لتوهين العرب، وبث الرعب في صدورهم.

٣- نظرة العرب للكيان الصهيوني على أنه يسعى للحفاظ على طابعه اليهودي، ويلوح بالتهديد من أجل تهجير الفلسطينيين من الأراضي المحتلة إلى الأراضي العربية في الأردن لبنان العراق...إلخ.

4- النظرية الصهيونية في الحرب تبنى على مبادئ الهجوم والردع، وهذا يعني الضرب بقسوة، وشن الهجمات الوقائية وإدارة المعركة خارج الحدود الصهيونية.

5- اعتماد الكيان الصهيوني على أمريكا والغرب حيث يتمتع بالدعم الإستراتيجي من الولايات المتحدة عسكريًا، واقتصاديًا، وسياسيًا.

 ٦ - الكيان الصهيوني مدعوم من يهود العالم والصهيونية العالمية ماليًا، وسياسيًا، وإعلاميًا.

 7- اعتقاد العرب أن القوة النووية للكيان الصهيوني قوة مخيفة ومعدة خصيصًا للدول العربية، وهذا يقلب التوازن العسكري في المنطقة رأسًا على عقب، خاصة أن الكيان الصهيوني يراقب العرب، ولا يسمح بامتلاك العرب للقوة النووية، وضرب المفاعل العراقي وتدميره مازال ماثلًا في الأذهان.

 وبعد هذا لا ندري ما الذي يمنع العرب من الاستعداد وعندهم الرجال والمال والعقول التي تستطيع أن تفكر في إستراتيجية للردع تفوق الكيان الصهيوني واستعداداته عشرات المرات، وخصوصًا أن الرصد الفعلي للقوى الصهيونية والقوى العربية الآن يميل إلى صالح العرب، أما عن رصد القوى الصهيونية من وجهة النظر الإستراتيجية البحتة فإنه يمكن مواجهتها بما يلي:

1 - يُنظر إلى الكيان الصهيوني على أنه يعمل في ظل ظروف صعبة، أرض قليلة تفتقر إلى العمق الإستراتيجي الكافي قوات بشرية محدودة تؤذيها الخسائر البشرية كثيرًا، اقتصاد هش، ويتركز معظم السكان في المناطق الساحلية، وهذا يخلق فراغًا سكانيًا ممكن استغلاله حيث لا يصمد في الحرب.

٢ - اعتماد الجيش الصهيوني على الجيش الاحتياطي يعرضه لصعاب جمة، وممكن أن يؤخذ الجيش الحقيقي على غرة وإحراز مفاجآت إستراتيجية، إضافة إلى أن الاحتياط المجند يصيب الاقتصاد بنكبات كبيرة لا يستطيع الكيان الصهيوني تحملها في حرب طويلة.

3- الجندي الصهيوني الذي بنى هذا الكيان وحقق الانتصارات وتربى في الحروب والعصابات وتعود على الرجولة، وحب التوراة وأرض الميعاد- قد رحل، وحل محله شباب صغير مرفه ومنعم، مهاجر من أمريكا والبلاد الأوروبية، فهو شبيه بتلك الجيوش الأوروبية، ولهذا هزم في حرب لبنان، وهزم من المقاومة اللبنانية، ولم يستطع الصمود في حرب حقيقية، وقلت قدرته على شن حرب خاطفة. 

4- كراهية الشعب الفلسطيني للاحتلال، وقيامه بالانتفاضة تلو الأخرى، مما أقلق العدو وأرهقه. 

ولهذا يقول رابين: يجب ألا ننسى أن الإرهاب -كان ولايزال وسيبقى- سلاح الضعفاء، ومن هنا وبالإشارة إلى الانتفاضة، ومع كل الأهداف العملية أنا لا اعتقد أننا لا نستطيع أن نبني درعًا دفاعيًا ضد الانتفاضة أو الإرهاب سواء أجاء من الخارج أم من الداخل، قد يمكن أن تكون الإجراءات فعالة بعض الوقت ولفترة محدودة فقط، ولهذا يجب أن نمنع عن إسرائيل تهديدًا حقيقيًا باللجوء إلى السلام، وأنه ليس بمقدورنا أن نظل محتفظين بأمن «إسرائيل» في ظل تلك التهديدات.

5- قيام الجماعات الإسلامية بالجهاد ضد اليهود، ولهذا تحدث رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق إسحاق رابين في كلمة ألقاها أمام خريجي دورة للأركان في الجيش الصهيوني عما أسماه بموجة الإسلام المتطرف فقال: لم يكن ثمة مثيل لها منذ فترة طويلة على المستويين العربي والإسلامي، وأوضح أن هذه الموجة هي التي تشكل خطرًا داهمًا على مسيرة السلام، وتعبر دائمًا عن نفسها بالانتفاضات والأعمال الفدائية من داخل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة الذي هو بالأساس موئل للإسلام المتطرف، الممثل في حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إضافة إلى حزب الله في لبنان، وأشار رابين في كلمته إلى أن السلام هو الخيار الوحيد للحفاظ على الكيان الصهيوني ومكتسباته.

وبعد، فهل يعي العرب هذا؟ وهل سيظل هذا العجز والخوف من الهر الصهيوني؟ وهل سنظل لا نستغل قوتنا الإسلامية وشبابنا الإسلامي في تلك المعركة، وهم ذخر الأمة ورصيدها العظيم الذي ينبغي الحفاظ عليه واستثماره في معركة النصر والبناء، أم نظل العقول الخاوية، والنفوس الأمارة بالسوء تقود المسيرة، وتحدو الدرب، وتهلك الأخضر واليابس؟

إن الأمة اليوم قد أيقظتها الحوادث الجسام، وحركتها الكوارث العظام، وهي تتلفت اليوم إلى بنيها الشباب الناهض، وتتنادى الحين على جيلها الصاعد، ولا بد من تلبية النداء ورفع اللواء حتى يفرح المؤمنون بنصر الله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (سورة يوسف: 21).

الرابط المختصر :