; هل الأمن القومي العربي إلى رحمة الله ؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل الأمن القومي العربي إلى رحمة الله ؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1285

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 20-يناير-1998

معالم على الطريق

هل الأمن القومي العربي إلى رحمة الله؟

بقلم: د. توفيق الواعي

لا أظن أن أحدًا اليوم يجهل - مهما كان فاقدًا للفهم أو مصابًا بعمى البصيرة - أن أمتنا مستهدفة من قبل أعدائها، وأنها ما زالت تركة الرجل المريض بل الميت، تنتهب وتقسم وتغتصب ولا عزاء للأيتام والمساكين والصغار، ومع عدم الجهل والمعرفة، وظهور تلك الكارثة، تجد الكثير منا يعمل على تكريسها وتعميقها ببلاغة منقطعة النظير، وعبثية تدعو إلى الرثاء، وكنت أظن أن ذلك قد يكون محصورًا في عوام الناس وجهلتهم، فإذا بي أجد أن هذا أشد منه في القادة، وأعمق منه في الريادات السياسية والقومية.وقراءة سريعة لتوجهاتنا الاجتماعية والسياسية وأفعالنا الحاضرة والآنية تظهر ذلك بوضوح وجلاء فمثلًا قد نشر زمنا في قضية مصيرية هي من أهم قضايانا في العصر الحديث وهي قضية الأمن القومي العربي، وتطوير نظام الدفاع العربي الداخلي والخارجي للتصدي للتهديدات التي تتعرض لها الأمة خاصة في مواجهة الأطماع الصهيونية ونظرية الأمن القومي الإسرائيلي التي تبنَى على التوسع والعدوانية والاحتلال الاستيطاني للأراضي العربية، ورفضها لمفهوم الأمن الصحيح الذي يبنى على إعادة الأرض المغتصبة وتحديد حدود دولية لها وفقًا القرارات الأمم المتحدة، وإقامة وطن قومي للشعب الفلسطيني، وفقًا لما يقول به حتى عرفات و مشايعوه تساندها على هذا قوى عالمية كأمريكا ومن لف لفها.وفي محاولة لتحديد الأمن القومي العربي وبيان مقدار ما يتعرض له من ضربات معينة نتعرض لإلقاء الضوء أولًا على هوية هذا الأمن وما يجب أن يتضمنه، فنقول في تعريفه هو قدرة الأمة العربية شعوبًا وحكومات على حماية وتنمية القدرات والإمكانات العربية على كافة المستويات من أجل تطويق نواحي الضعف في الجسد العربي سياسيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا، ودفاعيًّا. وتطوير نواحي القوة بعقيدة روحية ومعنوية قومية شاملة، تأخذ في اعتبارها المتغيرات الداخلية في الدول العربية والإقليمية والدولية المحيطة.

 وفي هذا الإطار يمكن تحديد الأهداف والمصالح القومية اللازمة للأمن العربي فيما يلي:

أ-التنسيق الإستراتيجي بين الدول العربية في إطار الأهداف والمصالح المشتركة.

ب-التوصل إلى حل النزاعات الداخلية بين الدول العربية.

 ج -الاتفاق على خطة موحدة تجاه

النزاع في المنطقة ومنها:

1 -النزاع في منطقة الخليج.

٢-النزاع في القرن الإفريقي.

٣-مشكلة الصحراء المغربية.

٤ -تدعيم التعاون بين الدول العربية في كافة المجالات لصالح التنمية وبناء القوة الذاتية العربية ...

5-تطوير النظام الدفاعي الإقليمي العربي للتصدي للتهديدات الموجهة للأمن القومي العربي وتنمية القدرات القتالية للجيوش، وقدرة الأمة على السيطرة عليها، وعدم انشغالها في غير ما خصصت له وكفاءة الأسلحة والمعدات العسكرية في القدرات القتالية، ومدى قدرة الدولة على توفير الإنتاج الحربي اللازم لذلك.

٦ -قدرة الترابط الاجتماعي الداخلي في الأمة على مستوى الأفراد والجماعات على التحمل والصبر في البأساء والضراء حتى تبلغ الأمة غايتها وتصل إلى ما تريد، بروح معنوية عالية ومتماسكة.

٧ -استطاعة القيادة السياسية في السلم والحرب والشدة والرخاء اتخاذ القرارات الصائبة الجماعية من مؤسسات شرعية لصنع القرار، مع قدرة الجهاز السياسي على التنسيق بين عناصر الدولة المختلفة لتفعيل ذلك والحماس له. 

٨-قدرة الدولة على التوازن الداخلي والخارجي، على شرح أهدافها للمجتمع الدولي، واستطاعة أجهزتها السياسية التأثير جماهيريًّا وشعبيًّا، وتفعيل دور وسائل الإعلام الحشد التأثير اللازم خلف قرارات الدولة المنطقية.

٩-إيجاد قاعدة صناعية، وزراعية وتجارية واقتصادية قادرة على سد احتياجات الأمة وتفعيل سياساتها. ولكننا وللأسف قد نجد أن ذلك كله قد مات وذهب إلى رحمة الله، مستبدلًا إياه بأضداد مخيفة وقاتلة للأمن القومي وموصدة له التراب من ذلك التشرذم العربي الفاضح داخليًّا وخارجيًّا، فلا الأفراد تشعر بالولاء والانتماء السياسي للدولة، ولا الدول متحدة ومترابطة تشعر بالخطر وتحس بالفجيعة، بل على العكس من ذلك متنافرة سياسيًّا وأيديولوجيًّا، يخاف بعضها بعضًا أكثر مما يخاف الأعداء، ويتهم بعضها البعض، بل ويحارب بعضها بعضًا إن تيسر ذلك على مستوى الدول.وأما على مستوى الأفراد في المجتمع الواحد والدولة الواحدة، فإننا نجد حربًا خفية ونارًا ملتهبة في الأحشاء إذا ظهرت في مكان قضت على الأخضر واليابس وإذا لم تظهر تفاعلت في أحشاء الأمة حتى عمت الكراهية والخوف، وتأكل الجسد داخليًّا وذهبت قواه، وعادت الشعوب والحكام وانشغل الجميع بنفسه عن عدوه.وأما على صعيد القوى العسكرية، فقد اشتغلت تلك المؤسسات بالسياسة والتطلعات إلى الحكم الذي لا تعرفه وليست مؤهلة له، واشتغلت في أكثر الأحيان بقمع الجماهير ومساندة الدكتاتوريات في أكثر الدول إلا من رحم ربك، ومعها كل أجهزة الأمن الأخرى وأصبحت نظرية الأمن هي: الأمن من المواطن لا أمن المواطن وردع الشعوب «لا ردع الأعداء». وأما على صعيد القانون فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات، فكما قال البعض، أنا الشعب أنا القانون، و﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، فأهدرت هيبة القضاء، وأصبح الكل موظفًا عند الدولة، ولا بارك الله في الأحكام العرفية والأهواء الشخصية والمحاكم العسكرية والقرارات الفوقية، وجماعات النفوذ والمصالح وترزية القوانين.وأما على المستوى الاقتصادي، فإننا لا نعرف منه إلا التخلف والتبعية وضعف الإنتاج والفقر والاستدانة والبطالة، وتدمير الطاقات بشتَّى الوسائل، وتدمير البنية الأساسية كلما أمكن ذلك الحسابات كثيرة فهل يا ترى تستطيع هذه الأمة في مثل هذه الأجواء، وفي ظل مناخ عالمي، علمي وتكنولوجي واقتصادي مبدع، يسير بسرعة الصاروخ، وفي ظل محاربة الأعداء الحقيقيين للأمة والتربص بها بناء أمن قومي حقيقي وفاعل؟ أم أن ذلك قد ذهب إلى رحمة الله إلى أن يشاء الله؟

الرابط المختصر :