العنوان الصــــــوم وصناعة الأمم
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الأحد 08-مارس-1992
مشاهدات 57
نشر في العدد 992
نشر في الصفحة 32
الأحد 08-مارس-1992
●
في شهر رمضان: من تقرب بخصلة من خير كان كمن أدى فريضة فيما سواه
نحن إزاء دورة جديدة من دورات الفلك إذ جعل الله تعالى فرض الصيام على
الأهلة ليبادر الإنسان به في كل وقت من أوقات السنة كما يدور الشهر فيها من الصيف
والشتاء والربيعين ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ
اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا
تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (التوبة:36) لتتجدد معالم الإيمان في
النفوس فإن الإيمان يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب «فجددوا إيمانكم» كما قال
صلى الله عليه وسلم وليكونَ محطة لتعبئة القوى النفسية والروحية والخلقية،
ولتعميق معاني العبودية في أيامه ولياليه كعبودية القول: من الدعاء والذكر والدعوة
إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرشاد الضال وتعليم الجاهل وعبودية
الفعل: كالصلاة والزكاة والصدقة والعمرة والسعي على اليتيم والأرملة وتحسس حاجات
المحتاجين ومواساة المنكوبين وقضاء الدين عن المدينين. وعبودية الكف والامتناع عن قول الزور والعمل به، وعن السب واللغو
والغيبة والنميمة والاستطالة في أعراض المسلمين وحرماتهم، والصوم جنة للمرء ما لم يخرقه
بكذب أو غيبة دفعًا لكيد الشيطان والعدوان وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم
من العروق فيضيق عليه الصوم فتضعف دواعي الشهوة والعنوان بقمع النفس وقهرها
والتسامي بها بالصبر والزهد عن هذه الشهوات التي تذل كبرياء الإنسان وتحني رقبته. والنفوس متى قويت بشهواتها طغت (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ *
إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ) (العلق:6-8)
ومتى
عرف الإنسان ضعفه وحاجته إلى خالقه زالت عنه هذه الكبرياء الكاذبة، فشربة ماء
ومذقة لبن ولقمة من طعام إذا أخرت عنه سويعات خارت قواه وتهاوت عظمته وحتى يتشبه
الإنسان المؤمن في هذا الشهر الكريم بملائكة الله المقربين الذين لا يفترون عن
الذكر والتسبيح وقراءة القرآن والصوم يتميز من بين سائر الأعمال بخاصية النسبة إلى
الله تعالى «فكل عمل ابن آدم له إلا الصوم» فقد قال الله تعالى عنه في الحديث
القدسي «فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي». وفي هذا الشهر
تشتد مراقبتك لله تعالى والحياء منه فإنك كلما اشتهيت شيئًا وأنت صائم تركته لله
ومن ترك شيئًا لله عوضه خيرًا منه. فالإسلام لا يريد أن يكون المرء عبدًا لشهواته
يعيش ليأكل ويسرف في وسائل الطهي وضروب التلذذ فأكثر الناس شبعًا أطولهم جوعًا يوم
القيامة وما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه. والتوسع في المأكل والمشارب مباح بلا إسراف ولا مخيلة والأخذ
من الطيبات مباح والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فقد كان صلى الله
عليه وسلم لا يرد موجودًا ولا يتكلف مفقودًا. ويأكل اللحم والعسل والحلوى أحيانًا
وأحيانًا أخرى لا يوقد في بيته نار ولا يجد من الدقل «التمر الرديء» ما يملأ بطنه. قال جابر «اشتهى أهلي لحمًا فاشتريته لهم فمررت
بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا يا جابر؟ فأخبرته فقال: أو كلما
اشتهى أحدكم شيئًا جعله في بطنه أما يخشى أحدكم أن يكون من أهل هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا
وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ (الأحقاف:20). فالناس ورمضان لهم مذاهب شتى: فمنهم من لا يرى
فيه أكثر من حرمان لا فائدة فيه وتقليد ديني بحت ومنهم من لا يرى فيه إلا موسمًا
للموائد الزاخرة بألوان الطعام وفرصًا للسمر واللهو إلى الفجر والنوم
العميق في النهار حتى الغروب فتجده متبرمًا بعمله وتسوء معاملته للآخرين. ومنهم من لا يرى فيه إلا جوعًا وعطشًا لا
تتحمله أعصابه ومعدته. الأقلون منهم الذين يرون رمضان شهرًا غير هذا كله. يرون فيه
دورة تدريبية لتجديد معانٍ في نفوس الناس من الخلق النبيل والإيثار الجميل
والصبر الكريم والتهذيب الإلهي العظيم. والأمم تحتاج
في حياتها الطويلة إلى فترات من الراحة والتأمل الروحي تصلح به ما فسد من أوضاعها
وتجد الأمة فيه فرصة لإصلاح تاريخها فالبغي والعداوة التي تقتل روح الأمة لا تجد
لها مجالًا عند الصائم الحق. ألم تر كيف
أنشأ الصيام منهم أمة خلصها هذا الشهر من أوزارها وارتفع بها عن جواذب الشهوة
وجعلها تعيش حياة ملؤها الفضيلة والخلق الكريم. لقد صام أولئك عن عشق الحياة فلا يرون ألذ من الموت طعمًا ولا أحلى من
الشهادة موردًا.. وللأمم في تاريخها أحداث خالدات تحمل لها ذكريات عطرة تبهج
القلوب وتُنزل بردًا وسلامًا عليها... قد تكون انتصارًا في معركة أو خروجًا
من محنة أو ذكرى حاكم عادل أو قائد ملهم فتحتفل بأعيادها لتتذكر العبر منها. وأما أمة الإسلام فقد كان نزول القرآن أعظم وأضخم
حدث في حياتها فهو موردها الهادي وسبيلها إلى العزة والكرامة ﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ
نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ
سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة:15-16)
لذلك
كان الشهر الذي نزل فيه القرآن خير الشهور ﴿شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة:185) والليلة التي نزل فيها القرآن أعظم
ليلة ﴿إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (الدخان:3) ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ
مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ
(4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾
(سورة القدر) فالأمة
الوسط لا ترفع أعلامًا وأقواسًا وإنما تتسابق إلى الفضائل والمكارم ولا ترقص على
وقع الأنغام ولكن تقيم الصلاة وتقرأ القرآن وتتدارسه آناء الليل وأطراف النهار
يرجع في هذا الشهر الضال ويتوب الفاسق ويؤوب المذنب ولله فيه عتقاء في كل ليلة ومن
حرم خير ليلة القدر فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم ويهاجر فيها
التائب هجرة نفسية إلى ربه ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
(الذريات:50) ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت:26) يترك وراءه كل شيء من ماضي حياته تاركه وراءه.
ويستجيب إلى نداء الخير ويحرص عليه ويسارع إليه. عن سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم في آخر يوم من شعبان قال: «يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك.. شهر فيه
ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيامه تطوعًا من تقرب فيه بخصلة من
الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة
فيما سواه، شهر يزاد في رزق المؤمن فيه من فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه
وعتقًا لرقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء.. قالوا يا
رسول الله: ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي
الله هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو على شربة ماء أو مذقة لبن، وهو
شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار من خفف فيه عن مملوكه غفر الله له
وأعتقه من النار فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا
غناء بكم عنهما. فأما الخصلتان
اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه وأما الخصلتان
اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار.. ومن سقى
صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة» «رواه البيهقي وابن خزيمة
وصححه». وقال صلى الله
عليه وسلم: في الجنة باب يدعى الريان يدعى له الصائمون فمن كان من الصائمين دخله
ومن دخله لا يظمأ أبدًا. متفق عليه. وعنه صلى الله
عليه وسلم: من صام إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه البخاري. وعنه صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من
رمضان غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب
وينادي منادٍ يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر ولله فيه عتقاء من
النار وذلك كل ليلة حتى ينقضي رمضان» رواه الترمذي. وسئل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصدقة قال في رمضان، وإن الصائم إذا
أكلت عنده الصائمون صلت عليه الملائكة. وكان صلى الله عليه وسلم يأمر بالسحور ويقول إنه بركة ولا يزال الناس
بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور. وإن الصائم لا ترد دعوته. فنسأله تعالى أن يجعل هذا الشهر بركة للمسلمين ونصرًا مؤزرًا لهم
وجمعًا لكلمتهم وإقالة لهم من عثرتهم ونهضة لهم إلى عزتهم.