; قادة السلطة بعد عرفات.. الملف الكامل | مجلة المجتمع

العنوان قادة السلطة بعد عرفات.. الملف الكامل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 11-ديسمبر-2004

مشاهدات 244

نشر في العدد 1630

نشر في الصفحة 17

السبت 11-ديسمبر-2004

  • أزمة في حركة فتح: انشقاقات داخلها وسط تساؤلات البقاء من عدمه

  • محمود عباس: قادم من دهاليز الاتصالات السرية مع إسرائيل

  • أحمد قريع: شريك الصهاينة في الأنشطة الاقتصادية المشبوهة؟

  • مروان البرغوثي: محاولة يائسة من خلف القضبان؟

  • فرقة الموت.. مقصلة (دحلان) للشعب الفلسطيني 

ملامح القيادة الرسمية الفلسطينية بعد عرفات

حشد من «قيادات ربطات العنق» من فريق أوسلو وقادة الأجهزة الأمنية

 عوامل عدة تتداخل لتجعل توريث القيادة الرسمية الفلسطينية مع رحيل عرفات عملية شديدة التعقيد، ومحفوفة بالمجازفات الكبيرة والمنعطفات الحادة.

 فقد كان عرفات رئيسًا للسلطة الفلسطينية منذ تأسيسها، ولمنظمة التحرير منذ تحولها إلى إطار للفصائل الفلسطينية قبل خمس وثلاثين سنة، ولحركة فتح منذ انطلاقتها قبل أربعين سنة، بل قبل الانطلاقة بسنين عدة.

 لذا فإن أحد الأبعاد الشائكة لملف خلافة عرفات هو ذلك التداخل القائم بين كل من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة فتح. ومن هنا فإن معضلة غياب القيادة التاريخية الرسمية التي أمسكت بكل الخيوط حملت معها ثلاث معضلات مباشرة تتعلق بمن سيشغل المواقع الثلاثة الأساسية.

 أسماء كثيرة.. بلا رصيد 

وتتردد أسماء عدة في الساحة الفلسطينية عن المرشحين لشغل مواقع القيادة الرسمية في مرحلة ما بعد عرفات، وهي المرحلة التي بدأت بالفعل، في الوقت الذي أقلعت فيه طائرته إلى باريس، في رحلته الأخيرة، بينما تبلغ حاليًا ذروتها.

 وقد كان غياب عرفات الساحة كشفًا للغطاء عن حالة رسمية فلسطينية باتت تنازعها أجنحة ومحاور ومراكز قوى، تتوزع مواقفها وخياراتها على كل ما يمكن توقعه وما لا يمكن. 

وإذا كان ينبغي البحث عن ورثة عرفات السياسيين في القيادة الرسمية في أوساط حركة فتح أساسًا، بحكم كونها «الحزب الحاكم»؛ فإن الأطراف التي تتنازع ملف الوراثة اليوم تقف على خمسة مربعات أساسية، تمثل إجمالًا مراكز القوى داخل معادلة السلطة والمنظمة في المرحلة الحالية. وتتقاطع هذه المربعات لتنشأ بينها المحاور المتشابكة والكثير من الجيوب والتحالفات أو المواجهات. وهذه المربعات هي: طبقة السياسيين والمفاوضين: ارتبطت هذه الطبقة بصناعة اتفاقية أوسلو والترويج لها، ولذا فإن رموزها باتوا علمًا على حقبة أوسلو الكريهة في عيون الشعب الفلسطيني. 

وتضم هذه الفئة مجموعة من الوجوه التي ارتبطت فرصتها السياسية وحظوظها بالظهور ضمن جولات المفاوضات ومساعي الاتصالات مع الكيان الصهيوني، وهو ما يجعلها تبدي تمسكًا تلقائيًا بالمفاوضات لذاتها، بغض النظر عما يمكن يتمخض عنها من نتائج، وأبرز وجوه هذه المجموعة: محمود عباس، وأحمد قريع، ومن وجوهها ذات النفوذ المحدود نبيل شعث، وصائب عريقات، علاوة على عدد آخر ممن هم أقل شهرة. 

القادة المتنفذون للأجهزة الأمنية: 

تمثل الأجهزة الأمنية التركة الثقيلة لمرحلة التسوية السياسية، وهي أحد أكبر الأعباء على الحالة الفلسطينية، خاصة بالنظر إلى النفوذ الذي راكمه قادتها الحاليون والسابقون، وأبرزهم محمد دحلان وجبريل الرجوب، وبدرجة أقل موسى عرفات الذي بات وضعه حرجًا بعد رحيل خاله ياسر الذي كان الداعم الأساسي له في وجه مناوئيه الكثر.

 القيادة الحركية الكلاسيكية لفتح: لم يعد لحركة فتح منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي كيان حركي فعال بمعنى الكلمة، ولذا فقد بقيت أمورها الداخلية متروكة للاستقطابات الداخلية الكثيرة، التي كان عرفات وحده القادر على ضبطها ولجمها.

 ولذا؛ فإن القيادات الحركية لفتح لا تقوم اليوم سوى بأدوار ثانوية ضمن محاور السلطة والمنظمة والحركة ذاتها، ومن وجوه القيادة الكلاسيكية أحمد حلس، وسمير المشهراوي وصخر حبش وهشام عبد الرازق، ويكتسب هؤلاء نفوذهم أساسًا من خلال تعاملهم مع ملفات بعينها، كملف الاتصال مع الفصائل كما في حالة المشهراوي، وملف الأسرى كما في حالة عبد الرازق مثلًا. وقد حرصت هذه القيادات على عدم التصادم مع خط المقاومة منذ تفجر انتفاضة الأقصى في نهاية أيلول (سبتمبر) ۲۰۰۰ لكن اعتراضاتها على نهج السلطة الفلسطينية بقيت بمثابة انتقادات لفظية في الغالب، رأها بعضهم «فقاعات عابرة» طالما أنها لم تحرك ساكنًا ولم تسكن متحركًا. 

قادة المنظمة في الخارج: لم تعد لمنظمة التحرير وجوه بارزة خارج الأراضي الفلسطينية؛ إذ إن قياداتها التاريخية واجهت واحدًا من ثلاثة مصائر: إما الاغتيال، أو الالتحاق بمجموعة أوسلو والدخول إلى الضفة الغربية وقطاع غزة عبر البوابة الصهيونية، أو الخروج من المسرح بوفاة لا مناص منها؛ ولذا فلا يبرز اليوم عمليًا من القيادات التقليدية للمنظمة وفتح في الخارج سوى فاروق قدومي، مسؤول العلاقات الخارجية بمنظمة التحرير، والذي أبدى تحفظاته على «أوسلو» ورفض الانضمام إلى فريقها، وبقي ممسكًا بدور نازعه إياه مسؤولو السلطة، خاصة نبيل شعث الذي يمثل وزير خارجيتها. 

الوجوه الشابة في سجون الاحتلال: يبدو من المؤكد أن قواعد حركة فتح لا تميل إلى أي مجموعة بقدر ميلها إلى القيادات التي أفرزتها مرحلة المواجهة مع الاحتلال، عبر انتفاضة الأقصى والمقاومة. وخلافًا لباقي القيادات التي تتحرك عمومًا بدون عراقيل تذكر فقد أودع الاحتلال هؤلاء في السجون أو جرى استهدافهم ببعض الاغتيالات. وأبرز وجوه هذه المجموعة، التي تتمتع بفرص وافرة لأداء دور جوهري مستقبلًا: الأسيران مروان البرغوثي وبدرجة أقل نسبيًا حسام خضر. 

مجموعة أوسلو تتغلب في الموازين الداخلية 

ومن الواضح، طبقًا للمؤشرات الأولية أن مجموعة أوسلو والمتحالفة مع مراكز القوى الأمنية للسلطة، قد تمكنت في الجولة الأولى بعد غياب عرفات، من تهميش الوجوه الشابة لفتح والقابعة في سجون الاحتلال، خاصة عبر استبعادها من سباق التنافس على رئاسة السلطة الذي اختارت له فتح محمود عباس خلافًا لتوجهات قواعد الحركة التي كانت تفضل مروان البرغوثي، لكن مفاجأة ترشح البرغوثي في اللحظة الأخيرة أربكت موقف دعاة «الإجماع الحركي» على ترشيح عباس وحده باسم فتح. وهكذا لم يركن البرغوثي إلى خيار التسليم بقرار ترشيح فتح لعباس لانتخابات رئاسة السلطة، ومن الواضح أنه يسعى عبرها لأن يستثمر «الشرعية النضالية» التي نالها باستهداف الاحتلال له ومع حرصه على الظهور بصورة الخليفة الأجدر العرفات. 

ومهما يكن من أمر فإنه يبدو جليًا أن مجموعة أوسلو ماضية في استنفاد فرصتها في شغل الفراغ الكبير الذي خلفه رحيل عرفات، مستفيدة في ذلك من وضع الاحتلال يده على القيادات التي تناغمت مع الانتفاضة والمقاومة، والتي تقبع في الأسر، وإطلاق يد القيادات المرغوبة إسرائيليًا وأمريكيًا.

 وسيكون الاستحقاق الانتخابي بكل ما يشوبه، فرصة محتملة لإرباكات عدة على السطح وتحته.

أزمة داخلية في حركة فتح 

انشقاقات داخل الخيمة الكبيرة وسط تساؤلات البقاء من عدمه

تفتقر فتح إلى الشخصية التي بوسعها جمع التجاذبات المختلفة

مع نهاية حقبة ياسر عرفات؛ تكون حركة فتح قد دخلت عهدًا جديدًا تمامًا لا سابق عهد لها به. فقد ارتبطت هذه الحركة الفلسطينية بعرفات منذ نشأتها قبل أربعين عامًا. 

ولكن فتح في سنواتها الأولى ليست تمامًا هي فتح في السبعينيات، أو تلك التي أعادت إنتاج نفسها في حقبة التسوية السياسية، وحتمًا ليست هي فتح المنخرطة في اتفاقات أوسلو وتجربة «الحزب الحاكم» في السلطة الفلسطينية. 

لهذه الحركة عدة أوجه وأكثر من صورة. ففتح اليوم، وحتى قبل رحيل عرفات يصعب التعرف عليها من خلال قيادة واحدة أو بيان واحد. فهناك عدد كبير من الأجنحة والأقطاب تتحرك تحت لافتة فتح، كما أن الخطاب السياسي لهذه الحركة لا يبدو موحدًا، طالما أنه يتوزع على مربعات عدة في خانات التسوية والمقاومة وما بينهما من تناقضات وتجاذبات، والكثير من الأجهزة السياسية والأمنية. 

وإذا كانت الساحة الفلسطينية قد تعايشت مع هذا الواقع الحافل بالمفارقات؛ فإن المتغير الجديد يتمثل فيما تعيشه حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» التي تعد العمود الفقري للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، منذ وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. 

ولم تصمد طويلًا محاولات قادة الحركة بث مشاعر التهدئة والطمأنة، فبعد أيام من إطلاق التصريحات التي تتحدث عن وجود أطر مؤسسية فعالة، بوسعها أن تضمن إعادة تبلور قيادة الحركة بصورة سلسة وبلا إرباكات جاء اختبار انتخابات رئاسة السلطة ليعطي صورة واقعية مختلفة تمامًا. 

ولم يحمل ذلك أي مفاجآت للمراقبين، داخل الحركة وخارجها، فجميعهم يدركون جدية المنعطف الحاد الذي ينبغي على الحركة اجتيازه بسرعة غير معهودة ودون الانزلاق في الوادي السحيق الذي يتهددها في هذه المرحلة بالذات. 

وفي محاولة لتطويق الموقف الحرج؛ تحدثت قيادة فتح عن ترتيبات لعقد مؤتمر الحركة العام السادس في الصيف المقبل، دون أن تقدم تفصيلات جدية عن التحضيرات التي يفترض أن تسبقه، وهو ما يبعث على الاعتقاد بأن ذلك لا يعدو أن يكون محاولة لتهدئة الخواطر ريثما يتم اجتياز المنعطف الحاد الراهن. 

وكان المؤتمر العام الخامس لفتح، الذي أعيد إلى الأذهان كثيرًا في الآونة الأخيرة قد انعقد في أجواء داخلية وخارجية مستقرة إلى حد كبير. والأهم، أن التئامه تم قبل خمس عشرة سنة، وفي تونس، أي قبل مرحلة المفاوضات مع العدو الصهيوني برمتها، وفي ظل الانتفاضة الشعبية السابقة. أما اليوم فإن الواقع الراهن لحركة فتح الحافل بالتشعبات والانقسامات والتعقيدات التي تبدو خارج نطاق السيطرة الحركية ذاتها تضع تساؤلًا جديًا بشأن إمكانية نجاح مساع حركية في إعادة ترتيب الأوراق المبعثرة في كل اتجاه. فضلًا عن إمكانية عقد اجتماعات سليمة مؤسسيًا في ظروف استثنائية للغاية على الصعيدين الفتحاوي الخاص والفلسطيني العام.

 وتفتقر فتح اليوم إلى الشخصية التي بوسعها جمع أقطاب التجاذبات الراهنة والمقبلة داخلها. ويتعلق الأمر بأطراف عدة. من بينها اللاعب الخارج عن حدود التوقعات كالعادة، وهي الأجهزة الأمنية ذات الولاءات الخاصة، والتي تمتلك الأذرع الضاربة للسلطة وسلاحها، وتدير شبكة من المليشيات التي لم تتردد في خوض اشتباكات دامية فيما بينها حتى في الأشهر والأسابيع الأخيرة من عهد عرفات، وتحرص الأجهزة الأمنية، وأبرز المتنفذين فيها على الإلقاء بثقلها في مرحلة إعادة التشكل التي تجتازها فتح والسلطة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخهما.

 وإلى جانب هؤلاء، وعلى مقربة منهم تبدو الطبقة السياسية الفلسطينية التي تمثل الحرس القديم المراهن أبديًا على خيار التفاوض مع الكيان الصهيوني. 

وفي ظلال الحالة الأمنية من جانب والسياسية من جانب آخر تبدو جماعات المصالح التي تبلورت حول قيادات فتح والسلطة المتنفذة، والتي تستفيد أساسًا من تسهیلات اقتصادية خاصة وبعض الاحتكارات المتاحة، في مراكمة النفوذ واستجماع خيوط التأثير.

 أما القيادات الحركية الكلاسيكية لحركة فتح، فتقف في أتون ذلك الاستقطاب باحثة عن دور خاص بها، وبعضها مستغرق في نسج التحالفات مع ذلك الجهاز الأمني أو تلك المجموعة المسلحة، أو عبر الدفع بهذا الخيار أو ذاك في انتخابات الحركة والسلطة. 

 وفي مقابل الأطراف المتنفذة داخل فتح هناك أرقام صعبة يصعب على الحركة تجاوزها، خاصة كتائب شهداء الأقصى وأسراها في سجون الاحتلال. 

وتبدو كتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة «فتح» محورًا للتجاذبات المحتملة. فانخراط الكتائب في خط المقاومة من جانب، واعتياد الشارع الفلسطيني على صدور بيانات متضاربة منسوبة للكتائب في هذه المنطقة أو تلك من الضفة والقطاع؛ يجعل منها لاعبًا أساسيًا لا يمكن تجاهله في هذه المرحلة. لكن طبيعة تشكيل كتائب شهداء الأقصى وتوزعاتها المناطقية في الضفة والقطاع وافتقارها إلى القيادة المركزية؛ جعلتها على ما يبدو قابلة للاستقطاب بين اللاعبين الآخرين الكبار في الساحة، خاصة لدى بعض متنفذي الأجهزة الأمنية ممن لم يترددوا في السابق في تنسيق تحركات خاصة بهم تحت لافتة كتائب شهداء الأقصى أو غيرها، في سياق تفاعلات الشد والجذب. 

وما يرجح فرضية انخراط كتائب الأقصى في حالة صراع داخلية مفترضة؛ أنها بالذات مطروحة على جدول أعمال المرحلة المقبلة بأن تكون أو لا تكون. 

فمن المعروف أن القيادات المحسوبة على «مشروع أوسلو»، مناهضة تقليديًا لاستمرار الكتائب، وهي تطالب علنًا بتفكيكها و«إعادة تأهيلها»، في سياق أجهزة السلطة لتكف عن مقاومة الاحتلال، بينما يرى فريق آخر داخل فتح أن الكتائب تمثل مكسبًا لا غنى عنه للحركة، ليس لمجرد حاجتها لذراع ضاغط على الاحتلال وحسب ولكن أيضًا لدواعي الاحتفاظ برصيد من الشعبية في الشارع الفلسطيني لا يتحقق إلا عبر بوابة المقاومة. 

ومع اقتراب الحسم المفترض داخل فتح والسلطة خلال الأسابيع المقبلة لشكل القيادة الجديدة تكون الحركة على موعد مع اختبار التماسك. بينما سيكون خيار اللاحسم بمثابة فتح للباب على مصراعيه أمام خيار فتح للبقاء حركة واحدة، ولو من الناحية الشكلية، أو عددًا من الحركات التي يحمل كل منها اسم فتح. 

محمود عباس

قادم من دهاليز الاتصالات السرية مع «إسرائيل»

إذا كان محمود عباس، الملقب بأبي مازن، شخصية مثيرة للجدل على نحو كبير عبر السنوات الثلاثين الماضية، فإنه منذ أن أصبح الرجل الأول في القيادة الرسمية الفلسطينية يكون قد افتتح فصلًا جديدًا يضعه أمام اختبارات عسيرة في كل اتجاه. فعندما انتخبت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، في اجتماع موسع عقد ظهر الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) ۲٠٠٤ محمود عباس، ليكون خلفًا لياسر عرفات في رئاسة اللجنة، أمسك «أبو مازن» بزمام القيادة التي بقي مترقبًا لها طوال السنين الماضية.

هكذا ببساطة عاد عباس إلى البروز، معيدًا إلى الأذهان تجربته المتعثرة في السلطة الفلسطينية، وخاصة خلال السنة المنصرمة، التي شكل فيها حکومته، كما يستذكر الجميع التجربة الخاصة لأبي مازن في الحالة السياسية الفلسطينية. 

فعندما اختير أول رئيس وزراء للسلطة الفلسطينية في (أبريل) ٢٠٠٣ م في ملابسات مثيرة للجدل، ووسط ضغوط أمريكية وصهيونية مشددة على السلطة للإقدام على هذه الخطوة؛ كان اسم محمود عباس «أبو مازن» يعود إلى الواجهة مجددًا. 

فأبو مازن، الذي بـقى حاضرًا في أروقة السلطة كانت قد انصرفت عنه الأضواء التي أحاطت به يوم اكتشفه الرأي العام العالمي، والفلسطيني أيضًا.

 في الثالث عشر من (سبتمبر) ۱۹۹۳ م فقد بدا أبو مازن آنذاك رجلًا مختلفًا عن الصورة التقليدية للقيادات الفلسطينية، التي ارتبطت بالبندقية أساسًا في الوعي الجمعي. فالأمر يتعلق هنا برجل أنيق الهندام ونظارة عصرية وقلم فاخر يجيد  التوقيع على «إعلان المبادئ» الاتفاقات أوسلو. 

في ذلك اليوم الذي رافقته أجواء احتفالية غامرة في حديقة الزهور في البيت الأبيض، كان أبو مازن يسطر إمضاءه الشخصي على شهادة ميلاد السلطة الفلسطينية، ولكنه الإمضاء الذي يعني شهادة ميلاد سياسية جديدة لشخصية فلسطينية اعتادت خرق «المحظورة» تلو الآخر في إطار منظمة التحرير منذ السبعينيات. 

فإذا كان أبو مازن قد اشتهر بدءًا من سنة ١٩٩٣ بوصفه «مهندس اتفاق أوسلو» بالشراكة في اللقب ذاته مع شمعون بيريز من الجانب الصهيوني، فإن عودة إلى الوراء، وتحديدًا في أواسط السبعينيات ستحيلنا إلى أبي مازن، المنظر للمذهب الجديد في الثورة الفلسطينية آنذالك: «استغلال تناقضات العدو الداخلية». 

رؤية مبكرة للتسوية

 فقد بلور محمود عباس آراءه التي قوبلت بانزعاج كبير في كثير من أوساط المنظمة، رغم أنها تحولت بسرعة إلى وصفة معتمدة من قبل صانعي القرار فيها. فتحت العنوان المثير «الصهيونية.. بداية ونهاية» صدر لأبي مازن كتاب موسع في سنة ١٩٧٧ م، ضمنه تأسيسًا لهذه الفلسفة، التي ستمسك فيما بعد بخطام منظمة التحرير باتجاه «اختراق» المجتمع الصهيوني. 

وفي كتابه الذي صدره آنذاك رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عرفات، بمقدمة تبجيلية لمن سيصبح خليفته في هذا المنصب بعد ربع قرن من ذلك التاريخ، تطرق أبو مازن إلى معالم رؤيته المثيرة للجدل، فالصهيونية قائمة على العنصرية، وهي تحمل بذور إخفاقها في ذاتها، أما الأهم فهو أن المجتمع الصهيوني في فلسطين المحتلة قائم على تهميش اليهود الشرقيين «السفارديم» لحساب النخبة الغربية «الأشكناز».

 كان عرض «الصهيونية بداية ونهاية» من محمود عباس آنذاك، وقبل أفول الثورة الفلسطينية بشكلها الكلاسيكي؛ لازمًا لطرح التي اخترقت حاجزًا منيعًا في أدبيات منظمة التحرير. فقد تبنى أبو مازن في الكتاب ذاته، وفي الكثير من المنتديات تبعًا لذلك؛ فكرة مد الجسور مع القوى الرافضة والمهمشة في المجتمع الإسرائيلي، لتعزيز مواقفها، وتوسيع الهوة الداخلية في الدولة العبرية. 

اقتحام المحظورات وتحطيم الثوابت 

عبر عقد من الزمن تقريبًا أخذ خط أبي مازن في منظمة التحرير يتعزّز في تجاوز ما كان يعد من محظورات الأمس، وباتت الملتقيات حدثًا اعتياديًا و «نصرًا للدبلوماسية الفلسطينية» التي «نجحت في تشجيع شخصيات إسرائيلية» على الضرب بالقانون «الإسرائيلي» الذي يقضي بمنع الاتصال بمنظمة التحرير الفلسطينية عرض الحائط. 

وعمليًا: كانت هذه المباحثات بمثابة قنطرة لها ما بعدها. فقد تبين لاحقًا أن سياسة «اختراق» المجتمع الصهيوني لم تؤد في واقع الأمر إلى ثورة جدية على الصهيونية أو إلى زعزعة لأسس الدولة؛ وإنما إلى خوض أشواط أخرى مع صانعي القرار الصهيوني أنفسهم، من فريق إسحق رابين، وعلى رأسهم شمعون بيريز. 

كان ذلك يحدث بعد أكثر من خمس سنوات من الانتفاضة الشعبية في دار فاخرة في النرويج في سنة ۱۹۹۳ م، قبل أن يباح السر الذي أحيط بتكتم شديد عن المفاوضات التي لم يكن سوى عدد محدود، يقل عن أصابع اليد الواحدة من قيادة منظمة التحرير على دراية بوقوعها. 

إنها جولات أوسلو السرية التي ستفضي لاحقًا لأن تصبح عملية تسوية سياسية ولدت بنضارة في وسائل الإعلام وحدها، بينما كانت شاحبة الوجه في واقع الأمر، ونجحت في الصمود سبع سنوات بسبب سياسة الإنعاش المستمر التي اتبعتها معها إدارة بل كلينتون حتى الرمق الأخير من عهده، قبل الانفجار المدوي المتمثل في انتفاضة الأقصى مع أقول أول صائفة في القرن الجديد، كان أبو مازن يشاهد وقائع الحدث غير الممتع بالنسبة إليه. ف «مسيرة السلام» التي دفعها جاهدًا عبر السنين كانت آنذاك ترتطم بفظاعة بالصخور، لتحين ساعة الحقيقة بالنسبة للمشروع الذي كان هو شخصيًا الشريك الفلسطيني الأول في هندسته.

 عباس يقلص صلاحيات عرفات.. مباركة أمريكية 

عربة التسوية التي تدحرجت إلى الوادي السحيق لم تكن كافية للتنازل عن الفلسفة التي طبعت مسيرة محمود عباس في الحقبة التفاوضية الممتدة منذ سنة ۱۹۹۳، إذ استمر عباس في تقدم المحتجين بالقول: ما كان في الإمكان أبدع مما كان، وبالنسبة لأبي مازن فإن العبرة كانت واضحة منذ البدء قبول المعروض «إسرائيليًا» دون الحاجة لأشواط ممتدة من مباحثات التيه الكبير في صحراء التفاوض «الإسرائيلية». 

ولكن مسيرة أبي مازن التي بدأت أساسًا مع أقصى اليسار الصهيوني وأقطابه من أوري افنيري إلى شارلي بيطون، لم تنته عند هذا الحد.

 إذ كان عليه أن يجتاز مربع حزب العمل الذي أنجز معه اتفاقيات أوسلو، إلى أقصى اليمين المتطرف بزعامة «البلدوزر» شارون، وذلك في دولة تتوزع قواها الفاعلة عمليًا على أطياف اليمين وحده وحسب.

حدث هذا بمجرد أن أصر الرئيس الأمريكي، جورج بوش في سنة ۲۰۰۲ م، على «تغيير قواعد اللعبة» في السلطة الفلسطينية، أراد بوش بما يشبه تعبيرات عباس إبان السبعينيات «اختراق» الساحة الفلسطينية، و«توسيع الهوة الداخلية» داخل السلطة لصالح «رئيس وزراء معتدل»، بدلًا من الرئيس عرفات الذي تحول بين عشية وضحاها في نظر الإدارة في واشنطن العاصمة إلى زعيم «مثير للمتاعب»، و«غير جدير بالثقة» الأمريكية الغالية.

 من هنا، تقلد محمود عباس منصب أول رئيس وزراء في السلطة الفلسطينية، وسرعان ما بدأ تحركاته آنذاك، ففي قمتي شرم الشيخ والعقبة المتعاقبتين في سنة 2002 م ظهر محمود عباس على المنصة بدلًا من عرفات، الذي اعتاد اعتلاءها. كان المشهد غير المألوف فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا حتى ذلك الحين يحمل في طياته الكثير من التداعيات، طالما أن رئيس السلطة ذاته كان محاصرًا في مقره المتداعي في رام الله المحتلة. 

حساسية العلاقة المتأخرة مع عرفات عندما تولى محمود عباس «أبو مازن» منصب رئاسة الوزراء في السلطة الفلسطينية في (أبريل) (۲۰۰۳) فقد كان يدشن عهد حكومة مأزومة منذ أيامها الأولى، نجحت بصعوبة في إكمال مائة يوم قبل أن يستقبل. فالرجل الثاني في حركة «فتح» ومهندس اتفاقات أوسلو من الجانب الفلسطيني؛ تولى منصب أول رئيس وزراء في السلطة، بعد إلحاح أمريكي باستحداث هذا المنصب، وفي ظل انزعاج واضح من ياسر عرفات. 

وفي باكورة الاتصالات الأولى من نوعها آنذاك. عقد آرئيل شارون ونظيره من جانب السلطة الفلسطينية محمود عباس قمة لبحث «خريطة الطريق»في السابع عشر من (مايو) ۲۰۰۳ م. وتجدد اللقاء بينهما في مكتب شارون في التاسع والعشرين من ذلك الشهر. 

وأظهرت الإدارة الأمريكية ترحيبها المبالغ فيه بعباس، الذي جاء إلى المنصب بضغوط أمريكية على السلطة. وقد تحدث جورج بوش إليه لأول مرة في العشرين من (مايو) ۲۰۰۳ م، بينما رفض بوش لقاء عرفات ولو مرة واحدة. 

وسرعان ما أخذ محمود عباس آنذاك بالبروز دوليًا وعربيًا على حساب الوجه التاريخي ياسر عرفات. فبينما «أبو عمار» الراحل محاصرًا في مقر المقاطعة المحطم في رام الله، كان يجري استقبال عباس بحفاوة بالغة من جانب الأمريكيين والإسرائيليين في شرم الشيخ والعقبة.

بينما يعرب رئيس وزرائه بثقة بالغة عن عزمه على مكافحة «الإرهاب» في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية.

 وبينما تحدث بوش عن دولة يهودية فقد هاجم عباس ما يسميه «الإرهاب» و «عسكرة الانتفاضة» ليثير حفيظة الفلسطينيين، خاصة أنه تحدث عن «مظالم اليهود عبر التاريخ» دون أن يشير إلى معاناة شعبه الرازح تحت الاحتلال. 

عباس: المقاومة تساوي الإرهاب!

 كان أبو مازن في عهده الوزاري قد قام بإجراء اتصالات مع المقاومة الفلسطينية لحثها على وقف عملياتها، فاجتمع في ضوء ذلك في الثاني والعشرين من (مايو) ۲۰۰۳ مع قادة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» خصيصًا لهذا الغرض، وبعد أسبوعين من ذلك، قالت الحركة إنها قطعت المباحثات مع عباس على خلفية تهجمه على المقاومة الفلسطينية والالتزامات التي أبداها في قمة العقبة.

 وقد ردت كتائب عز الدين القسام «حماس» وسرايا القدس «الجهاد الإسلامي» وكتائب شهداء الأقصى «فتح» في هجوم مشترك في الثامن من (يونيو) ۲۰۰۳ قرب حاجز إيريز شمال قطاع غزة.. على تعهدات عباس للأمريكيين والإسرائيليين بوقف المقاومة. 

وإثر تصعيد ميداني المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، أعلنت حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في التاسع والعشرين من (يونيو) ۲۰۰۳ عن هدنة مشروطة لمدة ثلاثة أشهر، انضم إليها عدد من قوى المقاومة الفلسطينية الأخرى. وقد بدت الهدنة فرصة لحكومة عباس للتحرك، لكن الأمريكيين والصهاينة كانوا يلحون عليه للقيام بشن حرب استئصالية على المقاومة، مقابل دعم مادي وتدريبي لقوات أمن السلطة، مما كان ينذر آنذاك باندلاع حرب أهلية فلسطينية في أية لحظة.

 وبعد أن كانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت في الثاني من (يوليو) ۲۰۰۳ عن تقديم مساعدات للضفة الغربية وقطاع غزة تبلغ ثلاثين مليون دولار وافقت وزارة الخارجية الأمريكية بعد أسبوع من ذلك على تقديم عشرين مليون دولار كمساعدات مباشرة للسلطة الفلسطينية للمرة الأولى، دعمًا منها لوضع حكومة عباس الداخلي، فيما حاز الجانب الأمني الموجه ضد المقاومة على نصيب وافر من هذه «المساعدات».

 وقد اجتمع عباس مع الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة «حماس»، والذي استشهد بعملية اغتيال نفذتها قوات الاحتلال ضده لاحقًا، لأول مرة في الخامس من (يوليو) ۲۰۰۳ في إطار مساعي عباس لتعزيز «التهدئة». ولكن الانفراج الجزئي الذي طرأ على وقع محاولات التهدئة تلك لم يسلم من انتهاكات الاحتلال المتصاعدة، فرغم قيام عباس وشارون في مطلع (يوليو) ۲۰۰۳ بتوجيه كلمتين معًا لأول مرة معلنين التزامهما بتحقيق السلام كان الأخير يتلكأ في تنفيذ استحقاقات التهدئة، وخاصة مسائل إعادة الانتشار والمعتقلين وتفكيك البؤر الاستيطانية. ثم أخذت اعتداءات الاحتلال وتيرة متصاعدة تسببت في سقوط هدنة المقاومة الفلسطينية، مما قاد إلى تفجير الموقف ثانية. 

وبينما انفجر الوضع الميداني، أظهرت حكومة عباس عجزًا كبيرًا في احتواء الموقف، وسط تصاعد اعتداءات الاحتلال في الوقت الذي طفا فيه على السطح النزاع بشأن الصلاحيات بين عباس والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والذي رأى فيه الفلسطينيون أزمة داخلية مدفوعة بتحريض أمريكي إسرائيلي، بينما أجمعت القوى الفلسطينية على أنها مشكلة خطيرة في التوقيت الخاطئ.

 وفي الثالث من (سبتمبر) ۲۰۰۳ عمد أبو مازن إلى التلويح بورقة الاستقالة في وجه خلافه مع عرفات ما لم يحصل على المزيد من الصلاحيات. وبعد أن تلا البيان الخاص بـ«إنجازات» حكومته خلال الأيام المائة الأولى من تشكيلها على مسامع أعضاء المجلس التشريعي؛ بدا عباس في مواجهة تحرك داخل المجلس لحجب الثقة عنه.

 وبخطوة مفاجئة؛ تقدم عباس باستقالته في السادس أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٣، ليقبلها عرفات دونما تردد. 

لكن ذلك ليس نهاية المطاف، فمحمود عباس سيعود في موقع عرفات ذاته بعد أربعة عشر شهرًا فقط من ذلك، ليتساءل الجميع عن ملامح العهد الجديد، وأي محظورات قد بقيت لم يتم تجاوزها بعد؟!

أحمد قريع

شريك الصهاينة في الأنشطة الاقتصادية المشبوهة

أحمد قريع رجل ذو خلفية اقتصادية أكثر منها سياسية. فقد انتقل قريع المكني بـ«أبي علاء» من إدارة الجهاز الاستثماري لمنظمة التحرير، المتمثل في «مؤسسة صامد» إلى قناة التفاوض السرية التي تم شقها مع مسؤولين صهاينة في العاصمة النرويجية في سنة ١٩٩٣، ليصبح الرجل أحد أبرز رموز اتفاق أوسلو.. 

وكان قريع قد قام بدور حثيث في مساعي المفاوضات السرية تلك، علاوة على جولات التفاوض العلنية في محطاتها المتعددة، وكان ترتيبه الثاني بعد محمود عباس في هذه التحركات.

وكان قريع قد ولد في بلدة أبو ديس، وهي ضواحي القدس عام ١٩٣٧، وعمل لمدة ١٤ عامًا في القطاع المصرفى حتى عام ١٩٦٨ قبل أن يتفرغ للعمل في حركة فتح التي شهد انطلاقتها، وشغل عضوًا في مجلسها الثوري حتى انتخابه عضوًا في لجنتها المركزية.

 وفي مرحلة أوسلو شغل قريع منصب المنسق العام للوفود الفلسطينية «لمفاوضات السلام» متعددة الأطراف، حتى سنة ١٩٩٥ وعلاوة على الدور الجوهري لأحمد قريع في مفاوضات أوسلو السرية؛ فقد تسببت سياسته التفاوضية في الخروج باتفاق باريس الذي اختص بشؤون الجانب الاقتصادي من عملية أوسلو. وواجه هذا الاتفاق انتقادات شديدة من الأطراف الفلسطينية والمختصين بسبب ما تضمنه من غبن كبير للجانب الفلسطيني، وتكريس الارتباط الفلسطيني باقتصاد الدولة العبرية. 

وكان قريع قد التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو في ماراثون تفاوضي قوامه ثلاث عشرة جلسة متتالية، مما أسفر عن مذكرة «واي ريفر» التي تم التوقيع عليها في تشرين الأول (أكتوبر) ۱۹۹۸.

وقد ارتبط اسم قريع بالكثير من المؤسسات الاقتصادية والاستثمارية العامة، التي لم تكن إجمالًا تخضع لرقابة تذكر، وبدأت مسيرته في هذا المجال عندما أسس عام ۱۹۷۰ «جمعية معامل أبناء شهداء فلسطين - صامد» كما كان له دور محوري في إنشاء العديد من المؤسسات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية كمجلس الإسكان الفلسطيني، ودائرة الإحصاء المركزية ومؤسسات الإقراض والطواقم الفنية.

 وشغل منصب المدير العام لدائرة الشؤون الاقتصادية والتخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية، وأيضًا «المستشار الاقتصادي للرئيس ياسر عرفات» والمدير العام المنتدب لمجلس المحافظين للمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار «بكدار» منذ إنشائه وحتى عام 1996.

عمل قريع في منصب وزير الاقتصاد والتجارة، ثم وزيرًا للصناعة في السلطة الفلسطينية، فضلًا عن عضو مجلس أمناء معهد السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس».

 كما عمل قريع على إعداد «برنامج الإنماء للاقتصاد الوطني الفلسطيني للسنوات 1994 - 2000» الذي أعدته دائرة الشؤون الاقتصادية والتخطيط لمنظمة التحرير الفلسطينية. 

وقد جعلته هذه الأدوار التي اتسمت بتركيز الكثير من الصلاحيات الاستثمارية بين يديه؛ وثيق الصلة بمعظم الفضائح المالية التي عصفت بالسلطة الفلسطينية، بينما تم طي صفحة هذه الفضائح التي مست كبار المسؤولين في السلطة ممن احتفظوا بسياسية «لا تعليق» ردًا عليها. 

ويتمتع قريع بعلاقات وثيقة للغاية مع «الجانب الإسرائيلي» تتعدى الهامش السياسي إلى الضلوع في نشاطات اقتصادية مشبوهة، أصبحت حديث الشارع الفلسطيني مع فضيحة مصنع للأسمنت على صلة به قيل إنه يقوم بتأمين طلبيات خاصة لمستعمرات الاحتلال وجداره الفاصل.

 وكانت صحيفة «يروشلايم» العبرية الأسبوعية قد فجرت في السابع من تموز (يوليو) ۲۰۰۰ قضية شراكة متكتم عليها لقريع في ملكية مصنع لإنتاج حديد التسليح ومواد البناء في أبو ديس ويزود المصنع مقاولي الاحتلال بمواد البناء لإقامة مستعمرة «هارحوما» التي كانت سلطات الاحتلال تقيمها على أراض للمواطنين الفلسطينيين صادرتها في جبل أبو غنيم، الواقع جنوبي القدس المحتلة. 

ولأحمد قريع الكثير من العلاقات والاتصالات المعلنة وغير المعلنة مع أطراف إسرائيلية، يبدو أقلها شأنًا عضويته بمجلس أمناء «مركز بيريز للسلام» الذي أسسه رئيس الوزراء الأسبق للدولة العبرية شمعون بيريز. 

وقد انتقل أبو علاء من رئاسة المجلس التشريعي «برلمان السلطة» إلى رئاسة وزراء السلطة خلفًا لمحمود عباس في سنة ٢٠٠٣ وما زال في منصبه هذا. وتتحدث أفضل التقديرات التي تفصح عنها استطلاعات الرأي أن شعبية أحمد قريع لا تكاد ترقى إلى 1 %. بينما تقول تقديرات أخرى إن الأمر لا يتجاوز كسورًا عشرية.

مروان البرغوثي: محاولة «يائسة» من خلف القضبان

لماذا تفضل معظم قواعد حركة فتح مروان البرغوثي على من سواه من الأسماء البارزة في الحركة؟ وكيف صعد هذا الاسم بسرعة خاطفة نسبيًا متجاوزًا أجيالًا قيادية وصفوفًا متلاحقة من المتنفذين في معادلة المنظومة الرسمية الفلسطينية؟ كثيرة هي الأسئلة المطروحة في هذا الاتجاه، والتي ستجد إجابة واضحة في التأمل في تجربة البرغوثي بالمقارنة مع قيادات فتح والسلطة ورموزها.

فقواعد فتح تأمل أن تستعيد المكانة الاعتبارية التي شغلها عرفات وتملأ الفراغ الكبير الذي خلفه وراءه، أو جزءًا منه على أقل تقدير، ولا يبدو أمامها سوى البرغوثي الأسير. 

إن هذا الرجل المصنف ضمن الجيل الشاب في الحركة، يبدو في عيون قواعد فتح الخيار المتبقي أساسًا مما يمكن التعويل عليه للمرحلة المقبلة. فقد احترقت أسماء قادة فتح في نار التسوية السياسية التي تجاوزت «الثوابت» الفلسطينية المتعارف عليها، وتورطت أسماء أخرى في الانخراط ضمن أجهزة الأمن سيئة السمعة، بينما غرق بعضها في مستنقع الفساد حتى أذنيه. 

من بين هذه الحالة؛ تطلعت أنظار قواعد فتح إلى أسماء تجدد شباب الحركة التي ترهلت وتكلست، فجاءت انتفاضة الأقصى بتحولاتها وأسمائها الجديدة، حاملة معها معطيات وخيارات لافتة لانتباه أبناء هذه الحركة. 

فقد لمع البرغوثي خلال انتفاضة الأقصى كمتحدث عنيد، فيما وجهت إليه سلطات الاحتلال تهم الوقوف خلف كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح، وإن كان آخرون يعتقدون أن للبرغوثي دورًا جزئيًا في ذلك، إلى جانب أسماء أخرى، وربما بمباركة ضمنية غير معلنة من عرفات شخصيًا. 

ولد البرغوثي في عام ١٩٥٨ م في إحدى قرى رام الله وسط الضفة الغربية، وبرز كأحد مؤسسي حركة الشبيبة الطلابية في الضفة الغربية، المنبثقة عن حركة فتح، وترأس حركتها في جامعة بيرزيت في بداية الثمانينيات، ثم ترأس مجلس طلبة الجامعة. 

حاصل على بكالوريوس في التاريخ والعلوم السياسية من الجامعة نفسها، ثم الماجستير في العلاقات الدولية. 

بدأ البرغوثي نشاطه في سن مبكرة، فمنذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره استدعي للتحقيق مرارًا من قبل مخابرات الاحتلال، وكان له دور في النشاط المدرسي لفتح. أما أول اعتقال رسمي لمروان البرغوثي فجاء بينما كان في الخامسة عشرة من عمره، عندما وجهت إليه تهمة صناعة المتفجرات وحكم عليه بالسجن أربع سنوات. وبعد خروجه من المعتقل والتحاقه بجامعة بيرزيت أصبح مسؤول حركة الشبيبة الطلابية «فتح» ، ومن ثم انتخب رئيسًا المجلس الطلبة في العامين ١٩٨٤و1985م. 

من النضال إلى أوسلو

 كانت النقلة البارزة في حياة البرغوثي بعد مؤتمر مدريد عام ۱۹۹۱، والتوقيع على اتفاقيات أوسلو عام 1993. 

فبعد عام من التوقيع على اتفاق أوسلو عاد البرغوثي إلى بلدته كوبر، وبدأ نشاطه السياسي حتى أصبح من أشد المروجين لأوسلو وفي مقدمة مطبعي اتفاقيات السلام، فبدأ بالتقرب من اليسار الصهيوني ومجموعات السلام المختلفة في الكيان الصهيوني. 

ويرى المقربون منه «أن إيمان البرغوثي بإمكانية أن يؤدي اتفاق أوسلو إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على أراضي ١٩٦٧م هو السبب الذي دفعه إلى الانتقال للنضال السياسي وتأييد السلام؛ حيث وجد فيها الفرصة لتحقيق الشعار الذي طرحته حركة فتح بالكفاح المسلح حتى إقامة دولة فلسطينية على أراضي ١٩٦٧م.

 وفي العام ١٩٩٦ خاض مروان البرغوثي انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ونتيجة لعدم اضطلاع بأي دور تنفيذي في وزارات أو مؤسسات السلطة، وجه البرغوثي اهتماماته لإعادة بناء حركة فتح وترميم هيكليتها، خاصة بعد الهزائم المتكررة التي منيت بها في الانتخابات القطاعية المختلفة على مستوى الجامعات والمعاهد والنقابات في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

وبدأ العمل على بناء ما يسمى «التنظيم» وفتح له مكاتب وأفرعًا عديدة. 

وفي العامين ۱۹۹۸ / ۱۹۹۹ م أثار البرغوثي ملفات الفساد والبيروقراطية في مؤسسات السلطة، ووجه انتقادات لاذعة إلى رموز بارزة في القيادة الفلسطينية أدت أحيانًا إلى وقوع صدامات ومواجهات مسلحة بين أعضاء التنظيم المدربين وأجهزة السلطة الأمنية. 

وفي ۱۹۸۷ مع اندلاع انتفاضة الحجارة؛ كان البرغوثي من قادة المظاهرات في جامعة بيرزيت، فاعتقل في العام ذاته. وأبعد إلى الأردن، ومن ثم إلى تونس. 

وبعد نجاحه في الاختفاء لمدة ثلاثة أسابيع؛ اعتقلته سلطات الاحتلال في ۱٥ نيسان (أبريل) ٢٠٠٢ م، وذلك عقب اجتياحها لرام الله والمناطق الواقعة ضمن نطاق السلطة الفلسطينية، وقد حُكم عليه بالسجن المؤبد على خلفية اتهامات له بالضلوع في مقاومة الاحتلال، وهو مودع في زنزانة عزل انفرادي. 

ومن الناحية النظرية: يمكن للبرغوثي أن يصعد بسهولة إلى أعلى المناصب في فتح والسلطة لعامل أساسي يتمثل في افتقار معظم القيادات الأخرى التي لم يمسها الاحتلال بسوء، إلى الدعم الشعبي أو المساهمة في مقاومة الاحتلال. 

أما من الناحية العملية: فإن حكم السجن بالمؤبد الذي يقضيه البرغوثي في زنزانة العزل يقف حائلًا جديًا دون بروز فرصته السياسية، أو دون التمكن من تفعيلها. ومن هنا: فإن الكيان الصهيوني يدرك جيدًا أنه يحتفظ بورقة ثمينة للغاية، ستكون لها أهميتها في مرحلة إعادة التشكيل الراهن لقيادة السلطة والمنظمة وفتح كما يمكن توظيفها لاحقًا حينما تستشعر أن الفرصة قد سنحت لعقد صفقة ما ضمن ملابسات ما في منعطف ما، اليوم أو غدًا. 

وقد أصبح البرغوثي ذاته يدرك أن عليه أن يفرض ذاته في الساحة السياسية الفلسطينية في الوقت الذي تحرص فيه القيادات البارزة في السلطة وحركة فتح على استبعاده من المعادلة لصالح فريق أوسلو مستفيدة من كونه قابعًا في أحد سجون الاحتلال.

فرقة الموت

مقصلة دحلان للشعب الفلسطيني

سجل حافل بالجرائم ضد الأبرياء.. تحت رعاية السلطة

لماذا لم يتم تقديم عناصرهاللمحاكمة لما اقترفت أيديهم؟

زرعت القتل والخوف في نفوس الفلسطينيين وأذكت نار الفتنة

لم يجد سكان قطاع غزة اسمًا أبلغ من «فرقة الموت» ليطلقوه على وحدة الحماية والأمن التابعة لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، والتي أعلن مديرها العميد رشيد أبو شباك يوم السبت (١١/٢٧ / ٢٠٠٤ م) حلها، بعد أن زرعت الموت والقتل في كل مكان دون رقيب أو حسيب، طوال أربع سنوات ضاق المواطنون الفلسطينيون خلالها بها ذرعًا.

وكان محمد دحلان وزير الأمن الداخلي السابق ومؤسس جهاز الأمن الوقائي الأسبق في قطاع غزة: قد شكل سنة ٢٠٠١ هذه الوحدة حينما كان قائدًا لهذا الجهاز الذي اختار عناصره من أبناء حركة «فتح» في داخل الأراضي الفلسطينية، وأشرف على تدريبها وتسليحها من خلال عناصر مختارة. وبرز منه قائد هذه الفرقة نبيل طموس، واثنان من مساعديه وهما صفوت رحمي وأيمن أبو الهطل. 

وحاول أبو شباك خلال إعلانه عن حل هذه الفرقة التقليل من خطورتها على المجتمع الفلسطيني جراء الجرائم التي ارتكبتها بحق المواطنين في قطاع غزة، بقوله إنها أصبحت في ذهن المواطن مسألة غير مرغوب بها، ومجالًا للتشكيك فيها والطعن في جهاز الأمن الوقائي، كاشفًا النقاب عن أنها تضم سبعين فردًا سيتم دمجهم في دوائر أخرى تابعة للأمن الوقائي كل حسب تخصصه.

 وكان المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قد ذكر في تقريره السنوي للعام ٢٠٠٣ حول الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون على أيدي أفراد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، أن «المجموعة التي تعرف باسم «فرقة الموت» تواصل جرائمها واعتداءاتها على المواطنين دون ملاحقة جادة من السلطة الفلسطينية».

 وأضاف المركز موضحًا: «تضم هذه المجموعة أشخاصًا معروفين بأنهم كانوا ومازالوا ينتمون لأحد الأجهزة الأمنية، وبعض عناصرها كانت قد صدرت بحقهم أحكام قضائية منها أحكام بالإعدام لم يتم تنفيذها وأحكام أخرى بالسجن، وذلك عقابًا على ما اقترفوه من جرائم. وما يدعو للتنديد أن هؤلاء الأشخاص موجودون خارج السجن وينفذون اعتداءاتهم دون ملاحقة، في تقويض غير مفهوم لسيادة القانون وتهديد دائم الأمن المواطنين الفلسطينيين وسلامتهم»، كما جاء في التقرير.

 منشأ تسمية فرقة الموت

 وفي الوقت الذي أشار فيه أبو شباك إلى أن البعض يحب أن يطلق على هذه الوحدة اسم «فرقة الموت»؛ كان المواطن الفلسطيني يسمع لأول مرة الاسم الحقيقي لهذه الفرقة «وحدة الحماية والأمن»، ولكن ما شاهده هذا المواطن من هذه الفرقة على مدار أربع سنوات مضت لم يكن له علاقة من قريب ولا من بعيد بالأمن ولا بالحماية؛ بل بالقتل وزرع بذور الفتنة، فقد اعتادت «فرقة الموت» ألا تغادر أي مكان تندلع فيه مشكلات أو أحداث ما إلا وقد خلفت وراءها قتلى وجرحى.

 كان دحلان قد اتهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي زعيم حركة المقاومة الإسلامية  «حماس» في غزة، الذي استشهد في عملية اغتيال نفذتها قوات الاحتلال في  17/4/2004، بأنه يقف وراء إطلاق اسم «فرقة الموت» على هذه الوحدة، وأنه أول من أطلق هذا الاسم عليها ومن ثم تداوله المواطنون. 

ولا يعلم أحد بالضبط عدد عناصر هذه الفرقة سيئة السمعة، وإن كان أبو شباك ذكر رقم سبعين فإنه المتوقع أن يكون هذا العدد أقل من الحقيقة، وربما تكون بداية تشكيلها قد تمت بهذا العدد من الأفراد لكنه ارتفع بشكل كبير وملحوظ لاحقًا، فقد تم تجنيد أعداد كبيرة من عناصر جهاز الأمن الوقائي، كما تم قبل حوالي سنتين تنظيم دورة لهم في مقر الأمن الوقائي بغزة ضمت ۷۳ عنصرًا بحضور دحلان وعدد من المسؤولين الفلسطينيين، وذلك ضمن فعالية مصورة بثتها الكثير من وسائل الإعلام.

 ويقدر المراقبون عدد عناصر هذه الفرقة اليوم بحوالي ثلاثمائة فرد، مسلحين بأحدث الأسلحة ويمتلكون أحدث السيارات التي كانوا يجوبون بها شوارع غزة إذ يستقلون هذه السيارات وهي من نوع «جي إم سي» التي تشبه السيارات التي يستقلها أفراد المخابرات الأمريكية «سي آي إيه». كما يستقلون أيضًا سيارات «ميكروباص» من نوع «فولكس فاجن» وعادة ما تكون أبوابها مفتوحة ويظهر منها مسلحون يلبسون البزات العسكرية سوداء اللون وهم يشرعون أسلحتهم.

 ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل إن أحد قادة «فرقة الموت» شكّل فرقة جديدة تحمل اسم «فرسان النصر» تتكون من مائة عنصر، نصفهم مفرغون على كادر البطالة في المؤسسات الرسمية، والتي تأتي أمولها للعاطلين عن العمل ويمارسون العربدة على المواطنين. 

مجزرة الجامعة الإسلامية

 كان أول ظهور علني لفرقة الموت في الثامن من تشرين أول (أكتوبر) ۲۰۰۱ عندما تظاهر الآلاف من طلبة الجامعات الفلسطينية للتنديد بالحرب على أفغانستان، إذ تم قمعهم من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالقرب من الجامعة الإسلامية بغزة، وقد تصدرت النشاط القمعي «فرقة الموت».

وظهر أفراد هذه الفرقة، التي يمتلئ سجلها بالجرائم. في تفريق هذه المظاهرات، إذ شوهدوا وهم مقنعون ويطلقون النار على المتظاهرين، وقد استشهد في تلك الأحداث ثلاثة مواطنين فلسطينيين، بينهم طفل لا يتجاوز العاشرة من عمره، وأصيب حوالي تسعين آخرين معظمهم من الطلاب، سقط معظمهم برصاص هذه الفرقة. 

وواصل أفراد هذه الفرقة أعمالهم وجرائمهم بحق أبناء الشعب الفلسطيني، من إطلاق نار وقتل وتهديد وأخذ إتاوات من المواطنين، ما لا يمكن عده ولا حصره.

 مجزرة جباليا 

ونظرًا لأن السلطة الفلسطينية قد فتحت تحقيقًا صوريًا في حادثة مقتل المواطنين الثلاثة في غزة ولم يعلن عن نتائجه حسب المؤسسات الحقوقية؛ فإن هذا الأمر شجع هذه المجموعة على مواصلة اعتداءاتها على المواطنين، إذ ارتكب أفرادها مجزرة مروعة بحق المواطنين في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين في السابع من كانون أول (ديسمبر) ۲۰۰۱، راح ضحيتها سبعة شهداء وعشرات الجرحى.

 مقتل البورنو وحجازي

 ويُنسب لهذه الفرقة أيضًا قتل اثنين من الفلسطينيين، وهما محمود محمد البورنو (۳۱ عامًا) ومحمد فخري حجازي (۳۲ عامًا) من حي الزيتون في مدينة غزة، وذلك في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) ۲۰۰۲ م، حينما أطلقوا عليهما النار بشكل مباشر في ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، إثر قيام شبان فلسطينيين برشق مجموعة من أفراد الأجهزة الأمنية بالحجارة لمحاولتهم اعتراض سبيل مجموعة من رجال المقاومة الفلسطينية، فقد انتشرت المظاهرات ضد رجال الأمن الفلسطيني في ذلك اليوم في كافة أرجاء القطاع، مما أدى إلى مقتل سبعة فلسطينيين وجرح العشرات. 

وحسب رواية أحد شهود العيان في حادث مقتل البورنو وحجازي، فإنه في ذلك اليوم أوقف رجال الشرطة الفلسطينية سيارة كانت تقل اثنين من كبار المطلوبين في كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة «حماس» في ميدان فلسطين، وقد أجبروهما تحت تهديد السلاح على النزول منها، فما كان من المواطنين الذين يعرفون قادة القسام إلا أن هاجموا رجال الشرطة بالحجارة، حيث تمكن قادة القسام من الإفلات.

 وأضاف المواطن أنه بعد ذلك سادت حالة من الفوضى، إذ واصل الشبان رشق رجال الشرطة بالحجارة فكانوا يردون بإطلاق النار في الهواء أو على الأقدام لتفريق المتظاهرين، وفي هذه الأثناء وصلت مجموعة من «فرقة الموت» عُرف منهم أيمن أبو الهطل وصفوت رحمي للمكان، وتمركزوا في ميدان فلسطين وفتحوا نيران أسلحتهم الرشاشة من نوع «هاغليل» الإسرائيلي الصنع، على المواطنين بشكل مباشر، فقتلوا على الفور حجازي والبورنو وجرحوا عددًا  كبيرًا من المواطنين. 

استهداف الرنتيسي وأبو شنب 

لم تتوقف جرائم هذه الفرقة عند هذا الحد؛ فقد كانت تساهم في تأجيج أي مشكلة تنشأ، خاصة التي تكون مع حركة «حماس». فمباشرة يتوجه أفراد هذه الفرقة إلى مكان المشكلة من أجل ممارسة هوايتهم في القتل، وهذا ما تكرر في حوادث عدة كثيرة ومتفرقة، نتجت عنها إصابات، ولم تصل إلى حد القتل.

 فقد سجل في العاشر من تموز (يوليو) ۲۰۰۳ أنهم أطلقوا النار على محمد السمري (٤٠ عامًا)، وهو أحد قادة كتائب القسام، وأصابوه بجراح واعتدوا عليه بالضرب، بادعاء أنه اعترض موكب دحلان، مع العلم بأن السمري مبتور أحد الذراعين جراء إعداده لعبوة ناسفة. وهو قائدة خلية الطيبة الفدائية. 

كما قام عناصر «فرقة الموت» في الرابع من كانون أول (ديسمبر) ۲۰۰۲ بإطلاق النار على منزل اثنين من قادة حركة حماس، وهما الدكتور الرنتيسي والمهندس إسماعيل أبو شنب، «والذي استشهد هو الآخر في عملية اغتيال نفذتها ضده قوات الاحتلال في ( ۲۱ / ۸ / ۲۰۰۳»، علاوة على إحراق مكتب الجيل للصحافة في نفس اليوم.

كما لوحظ في الآونة الأخيرة تمركز عناصر هذه الفرقة، خاصة رحمي وأبو الهطل، بالقرب من مناطق وقعت فيها عمليات اغتيال استهدفت قادة «حماس» فقد كانا موجودين بالقرب من سيارة الدكتور إبراهيم المقادمة عندما تم اغتياله بقصفها في السابع من آذار (مارس) ۲۰۰۳. وقاما بعد وقوع عملية الاغتيال بسرقة أسلحة مرافقي المقادمة، كما كانا بالقرب من المنطقة التي تعرض فيها أربعة من كتائب القسام للاغتيال في آب (أغسطس) ۲۰۰۳ وكذلك قاموا بسرقة أسلحتهم، بينما استرجعت حركة «حماس» الأسلحة المسروقة فيما بعد. 

كما لم يسلم الصحفيون الفلسطينيون من اعتداءات هذه الفرقة، فقد حاولت عناصر منها، على رأسهم صفوت رحمي في ۲۹ آذار (مارس) ۲۰۰۲ اختطاف المصور الصحفي عبد الرحمن الخطيب، الذي كان يعمل مصورًا لصحيفة «الأيام» الفلسطينية، وذلك أثناء تغطية اجتماعات المجلس التشريعي بغزة، من باحة المجلس. 

الاعتداء على الجبالي 

ولم تسلم السلطة الفلسطينية ومسؤولوها من اعتداءات فرقة الموت، فقد طال ذلك قائد الشرطة الفلسطينية السابق اللواء غازي الجبالي، عندما هاجمت هذه الفرقة مقره في الخامس من شباط (فبراير) 2004، وسيطرت على مقر قيادة الشرطة في غزة بعد أن أطلقت النار على حراسه، فقتلت أحدهم ويدعى خالد شحتو (۲۲ عامًا)، وأصابت ۱۳ آخرين، واعتدت على الجبالي بالضرب بعد السيطرة عليه. 

استهداف موسى عرفات وكوادر فتح 

كما يُنسب لهذه الفرقة إطلاق قذيفة من نوع «آر بي جي» تجاه مكتب اللواء موسى عرفات مدير الأمن العام في غزة قبل أكثر من سنة، ووضع سيارة مفخخة أثناء مرور موكبه قبل أكثر من شهرين دون أن يصاب عرفات بأذى في كلتا الحادثتين، وكذلك ينسب لهذه المجموعة اغتيال الصحفي خليل الزبن (٥٩ عامًا) في الثاني من آذار (مارس) الماضي، والذي كان مستشارًا للرئيس الراحل ياسر عرفات ومقربًا منه. 

كما لم تستثن هذه الفرقة عناصر وكوادر ومؤسسات حركة «فتح» التي كانت تُعرف بولائها للرئيس عرفات، فقد أطلقوا النار بكثافة في مهرجان الحركة المركزي الذي أقيم في المجلس التشريعي الفلسطيني بحضور كافة المسؤولين الفلسطينيين مطلع عام ٢٠٠٣، مما أدى إلى تخريب الحفل بالكامل.

وكان لفرقة الموت دور كبير في افتعال مشكلة خيمة عزاء الرئيس ياسر عرفات، التي وقعت في ١٤ تشرين ثاني (نوفمبر) الجاري، بعد أن احتكوا بمجموعات مسلحة أخرى تابعة لحركة «فتح» حيث وقع إطلاق نار كثيف في الخيمة وقتل اثنان من رجال الأمن الفلسطيني. 

سجل خالٍ من مقاومة الاحتلال 

لم يسجل في تاريخ هذه المجموعة التي اتُهم أفرادها بتعذيب عناصر «حماس» في سجون السلطة عام ۱۹۹٦ أنهم أطلقوا رصاصة واحدة على قوات الاحتلال، كما لم يشاركوا في عمليات التصدي لأي من اجتياحاتها، ولم توجه لأي منهم أي تهمة بتنفيذ عملية ضد قوات الاحتلال، كما أنهم لم يدافعوا عن مقر الأمن الوقائي الرئيس في حي تل الهوا جنوب مدينة غزة عندما اجتاحت قوات الاحتلال قبل سنتين الحي واقتحمت المقر ودمرته بعد أن عبثت في محتوياته، وأخذت كافة الأوراق التي أرادتها. وبالمقابل؛ فقد كان لكتائب القسام دور كبير في صد هذا الاجتياح، وقد أشاد في ذلك الوقت أبو شباك بدور رجال المقاومة في ذلك الأمر. وقد شهدت سنة ٢٠٠٤ نشاطًا كبيرًا لهذه المجموعة، بحيث أصبحت تعمل بشكل رسمي دون أن يحاسبها أحد، وأخذت تدعو لمسيرات تهدف لتصفية حسابات سياسية داخلية، وتنظم اعتداءات واضحة وعلنية، وهو ما قد يكون وراء إقدام جهاز الأمن الوقائي على الإعلان عن حلها.

حادث سوق فراس

 وجاءت هذه التطورات بعد أن شهد منتصف شهر تشرين أول (أكتوبر) الماضي معركة كبيرة بين أفراد هذه المجموعة وعناصر مسلحة من جهاز الاستخبارات العسكرية التي يترأسها اللواء موسى عرفات، فقد هاجم بعد الظهر رجال فرقة الموت بيتًا يعود لعائلة أبو جراد، يقع مقابل سوق فراس الشعبي المكتظ بالناس، وتبادلوا معهم إطلاق النار، حيث روعوا المواطنين الذين اضطروا إلى مغادرة السوق.

 وقد استمرت الاشتباكات بين الطرفين حتى منتصف الليل، وانتشرت في كافة أرجاء مدينة غزة، خاصة بعد إقدام فرقة الموت على خطف أربعة من رجال الاستخبارات. وقد أصيب جراء ذلك أحد عشر شخصًا من الطرفين أحدهم في حالة خطيرة. 

ولا تبدو سلسلة هذه الجرائم سوى غيض من فيض، مما أمكن حصره، والتي كانت ظاهرة للعيان وتداولت فيها وسائل الإعلام، ولكن المؤكد أن هناك جرائم كثيرة ترتكبها هذه الفرقة بحماية وغطاء من جهاز الأمن الوقائي والسلطة الفلسطينية دون حسيب أو رقيب. 

وبينما يقول المواطنون الفلسطينيون اليوم إن «ما أخفى أدهى وأعظم» فإنهم يتساءلون إن كان سيتم ملاحقتهم عما ارتكبوه من فظائع، وإن قد تم فعلًا حلّ هذه الفرقة سيئة السمعة، بينما يشاهدون عناصرها وهم لا يزالون يجوبون بسيارتهم شوارع غزة.

 حلها إجراء شكلي 

وقد اعتبرت حركة «حماس» إقدام السلطة الفلسطينية الإعلان عن فرقة الموت بأنه «إجراء شكلي وليس جديًا نحو الإصلاح». 

أحكام بالإعدام

 وقال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في بيان له إنه وثق عشرات الجرائم التي تُنسب إلى أشخاص محسوبين على أجهزة الأمن الفلسطينية، بمن فيهم أعضاء من الفرقة المسماة بـ «فرقة الموت».. ووفقًا لمعلومات المركز: «تضم هذه الفرقة بين أعضائها أشخاصًا كانت قد صدرت بحقهم أحكام غير منفذة بالإعدام أو بالسجن الفعلي، على جرائم اقترفوها قبل سنوات». 

وأضاف المركز الحقوقي أن «الإعلان عن حل فرقة الموت أمر إيجابي ولكنه غير كاف وينبغي على السلطة اتخاذ خطوات أخرى لضبط حالة الانفلات الأمني ووضع حد لفوضى السلاح ولكافة مظاهر العسكرة في الشارع الفلسطيني» على حد تعبيره. وقد رحبت الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين بقرار تفكيك «فرقة الموت» مؤكدتين أن هذا الإعلان غير كاف ولكنه خطوة صحيحة مطلوب استكمالها بوقف التعديات على المواطنين.

الرابط المختصر :