; عمليات حماس في خضم التساؤلات | مجلة المجتمع

العنوان عمليات حماس في خضم التساؤلات

الكاتب إبراهيم الكندري

تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2001

مشاهدات 54

نشر في العدد 1482

نشر في الصفحة 26

السبت 29-ديسمبر-2001

 لماذا تتسرع السلطة في الاستجابة للمطالب الصهيونية؟ وما الضمان؟ وماذا بعد؟

 كاتب فلسطيني -جنين -فلسطين المحتلة

Ibraheem@hotmail.com

صحيح أن حماس تردد دائماً أن توقيتات عملها العسكري لا تخضع للقرار السياسي بقدر ما تخضع للأداء الميداني والتقدير الفني، وصحيح أن استراتيجية حماس ثابتة وتقوم على فلسفة استمرار المقاومة ما دام الاحتلال موجوداً، لكن المتعمق لأداء حماس العسكري يدرك بعد رصد طويل أن ذلك الأداء يتناغم بقوة مع قراءة سياسية سليمة للزمن والظروف الإقليمية المعقدة، بل يمكن الحديث عن موازنات دقيقة بين ظرفية في أداء العسكري وعدم التورط في صدام داخلي، كل ذلك يمكن رصده في محطات كثيرة يغيب فيها أداء حماس النوعي دون أن يكون ذلك نابعاً من ضعف أو قلة حيلة، مما يدل على أن الموازنات واختيار الظروف حاضرة في الأداء العسكري، وهو يعني أن بندقية حماس عالية التسييس تسير برؤية وهدى، وليس كما يروج البعض بأنها «عمياء» تقودها مجموعات همها الفعل العسكري المقاوم بغض النظر عن كل المعطيات الفرق بين أداء حماس وغيرها أن الحركة تسير على منهجية ثابتة لا تحيد عنها تتمثل في زوال الاحتلال حتى آخر شبر محتل، وعندما يجري الامتناع في زمن أو اختيار زمن يتناسب مع المعطيات في ظل امتلاك القدرة والقوة، فهذا يعني أن الأداء العسكري يتناغم فعلاً مع التقييم السياسي دون انحراف عن الثوابت أو الرؤية، ما ذهبنا إليه مهم في إزالة اللبس القائم بين النهج والأداء في فعل حماس العسكري وخطابها السياسي ومناسبته مهمة كونه يطرح ما بعد العمليات النوعية التي هزت القدس وحيفا وثارت على خلفيتها التساؤلات الكثيرة من النخب الرسمية التي رأت فيها إحراجاً لها مع الجهود الأمريكية بل وتهديداً لسلطتها، وانتهاكاً لقراراتها، ومحاولة من حماس لفرض أجندتها الخاصة على الشعب الفلسطيني.

 جملة هذه الاتهامات تحتاج إلى ردود متأنية، وقبلها قراءة عقلانية لموقف حماس قبل الخوض فيها في وسائل الإعلام أو اتخاذ قرارات لاعتقال أصحابها أو إخراجهم عن القانون أو إعلان حالة الطوارئ عليهم وكأنهم أعداء الشعب، طبعاً قد نفهم ونحلل أن جملة هذه القرارات والاتهامات تروج للتجاوب مع الضغوط الأمريكية أو الأوروبية، ولكن من الخطورة حقاً أن يكون ذلك منهجاً وقناعة لدى المستوى الرسمي لعدة أسباب مهمة.

أولها: أن العودة لمربع التسوية وشرورها هو تضحية مباشرة بالانتفاضة وما أنتجته من مفاهيم ومفاعيل جديدة من استنزاف للعدو، وتوحيد للشعب على برنامج موحد، والأهم أنها أنجزت معادلة المقاومة في ضمير الشعب وقوضت علاقة المحتل مع بعض الدول العربية وكشفت زيفه وفضحت نواياه.

ثانيها: أن الطرف الرسمي إذا ما أقدم على التضحية بورقة المقاومة، فإنه بذلك يضع مراهناته عند شارون واليمين الصهيوني، وحتى لو نجحت سياسة السلطة في تفكيك تحالف شارون فما المأمول من اليسار الصهيوني؟

إذن قبل المخاطرة وحرق كل الأوراق على الطرف الرسمي أن يجيب عن تساؤلات كثيرة أهمها: علام المراهنة؟ ولماذا؟ وماذا بعد؟!

ثالثها: أن الكلام المعسول المسموع من باول وبوش وبلير حول الدولة الفلسطينية، يعرف المستوى الرسمي أنه لا ضمانات عليه، وحتى إن كان ثمة ثقة به كإطار عام فليس هناك تفصيل له يبين حدوده وشكله أو جدوله، أي أن الموقف الأمريكي يدور في عموميات ستبقى تدور في استراتيجية الهيمنة فيها للأمن الصهيوني.

رابعها: أن المقابل الوحيد المضمون للطرف الرسمي بعد كل ما فعله هو مفاوضات عبثية، وجدل عقيم بين برنامج شارون ومحاولات للتعديل عليه.

حتى لو تجاوزنا كل هذه الأسباب الوجيهة والمنطقية لكي تتريث السلطة بقراراتها أو ممارساتها، إلا أننا سنخوض أيضاً في الاستفهامات المطروحة حول العمليات النوعية.

أولاً: إحراج السلطة

والسؤال المرتبط بذلك: هل حقاً قصدت حماس إحراج السلطة مع الإدارة الأمريكية أثناء زيارة المبعوث زيني؟! التساؤل المقابل: وهل «زيني» جاء إلى المنطقة لتقديم حل سياسي أم لفرض حل أمني دون ارتباط بذلك السياسي؟ والسؤال الآخر: هل وجود ضابط مثل «زيني» مكلف من وزارة الخارجية يليق بمستوى الأحداث أو يبشر بجدية الحل الأمريكي أم العكس؟ وهل يمكننا الاقتناع أن بوش الذي رفض التحديق في عيون عرفات سيبعث برجل مثل «زيني» لمزيد من الاحترام وتقديم الاعتذار؟ هذه جملة تساؤلات تساعد في فهم الظرف السياسي الذي يزعم أن حماس اختارته لإحراج السلطة.

ثانياً: الالتزام بالقرار

حتى لو تجاوزنا المعطيات السياسية الواردة آنفاً. فلماذا لا نتحدث ونرى المشهد من زاوية مختلفة ونرى كيف أن حماس ضبطت نفسها وتركت لفلسفة وقرارات وقف إطلاق النار الرسمية أن تأخذ حظها من الاختبار ولمدة ثلاثة أشهر متواصلة، فما الذي حدث في تلك الفترة؟ لقد سجلت خلال تلك الفترة أعلى حالات الاعتداء والقتل والحصار والعدوان الصهيوني، وحتى تلك الأفعال - على فداحة الثمن المدفوع فلسطينياً فيها - لم تجلب للمستوى الرسمي أي عطف دولي مأمول وبقيت المواقف الأوروبية نظرية، والإدارة الأمريكية - على الرغم من وقاحة شارون ضد الرئيس بوش واستمرار عدوانه على الأرض - ظلت تبرر أفعال شارون وتدافع عنها، حتى الأمل الفلسطيني الرسمي الذي ظن أن قرارات وقف إطلاق النار قادرة على تفكيك تحالفات شارون الداخلية قد تبدد... وبذلك أخفقت قرارات وقف إطلاق النار بكل أهدافها ولم تتبدل المعادلة الداخلية وبقيت الاتهامات متركزة وضاغطة فقط على السلطة ورموزها... إذن من حق الشعب الفلسطيني أن يعيد النظر تماماً بفلسفة وقف إطلاق النار بعد أن سقطت مبرراته السياسية أو التكتيكية التي ساقتها السلطة.

ثالثاً: اختيار التوقيت

في ظل مهمة زيني وقرارات وقف إطلاق النار، كان واضحاً الانضباط التام في الأداء العسكري وأخذت مهمة زيني وقرارات وقف إطلاق النار حظها من الاختبار، لكن عندما اتضح مال وطبيعة مهمة زيني ومصير اختبارات وقف إطلاق النار وما أنتجته من ازدياد لشهية شارون في العدوان، جاءت عمليات العمق النوعية لتفرض منطقها بإعادة النظر وإنتاج ردع مقابل لشارون، وبدل أن تُستغل المفاعيل النضالية لدعم حركة التفاوض سياسياً، وُجهت الضغوط رسمياً لكبح جماحها واعتقال رجالها، ثم تكال الاتهامات وينظر لعمليات حماس مجردة من ظروفها وإرهاصاتها.

للتدليل أكثر على ما نذهب إليه، من الجيد التذكير بأن حماس - وتمريراً لعدم الإحراج - فقدت أكثر من عشرة من كوادرها ورموزها ولم ترد، على الرغم من فداحة الثمن والاستفزاز. وعندما جرى اغتيال (أبو هنود) وتحصّل اختبار طبيعة مهمة زيني وأخفقت سياسة وقف إطلاق النار بمبرراتها، جاءت عمليات حماس في توقيت بالغ الدلالة لتحدث نقلة نوعية من وضعية دفع الثمن إلى مرحلة إجبار العدو على دفع الثمن، وفوق ذلك كان ملاحظاً أنه كلما دفع المحتل أثماناً داخلية وفي العمق تعالت الأصوات المضادة لشارون وأثيرت الاستفهامات حول جدوى سياسته الأمنية.

أخيراً، من لا يريد أن يصدق ما نذهب إليه، فليقرأ اقتباسات وردت للمحلل الصهيوني المشهور «أليكس فيشمان»، الذي قال بعد عملية اغتيال أبو هنود ما نصه التالي: "إن الذي أصدر الضوء الأخضر لعملية التصفية يعرف جيداً أنه ينسف مرة واحدة الاتفاق «الجنتلماني» بين حماس والسلطة، الاتفاق ببساطة تحطم والذي قرر عرف ماذا سيكون الثمن؟ وللعلم الموضوع بُحث على المستويين السياسي والعسكري وليس قراراً عفوياً."

وللعلم ما قاله أليكس قاله غيره في أسطر مقالاتهم، إذن لماذا يجري لوم حماس وتحميلها كل الآثام وكأنها ارتكبت جرماً رغم أن مفاعيل عمليات حماس تأتي متماشية مع الوضع الداخلي الذي أحدثته وعلّمت فيه المحتل درساً قاسياً؟ بل إننا نؤمن أن مثل هذه العمليات سيجبر الرأي العام الصهيوني المستنزف على طلب النجدة والانسحاب، وحتى التحرك الدولي الضاغط الآن على السلطة سيعجل في طرح مبادراته قبل أن يرضى الصهاينة بالحلول المتسرعة التي تضر الاستراتيجيات الأمريكية تحديداً... لكن ذلك يتطلب وقتاً لأن معركتنا مع المحتل تُحسم بالتراكم والاستمرار بالاستنزاف وليس العكس، فلماذا يتعجل البعض الاستثمار، ويلوم الضحية على تمكنها من الدفاع عن نفسها، رغم أن الاحتلال ووجوده هما المبرر الأقوى لشرعية المقاومة؟ والأهم أن ما جرى من عدوان شرس على السلطة ورموزها يدلل على أن العدوان والاحتلال لا يحتاجان لأعذار لكي يستمرا حتى لو اعتُقل كل أهل المقاومة وكلما تراجعنا خطوة طلبوا المزيد ولن يرضوا، فلماذا التسرع وعلى ماذا المراهنة؟ وما الضمان؟

الرابط المختصر :