العنوان المعتقلون الفلسطينيون في سجون الاحتلال: جوع .. مرض .. موت
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
مشاهدات 64
نشر في العدد 781
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
- شبكة المعتقلات والسجون في الكيان الصهيوني تعتبر
جزءًا من استراتيجية القمع الإسرائيلي.
المعتقلات في الكيان الصهيوني جزء أساسي من الاستراتيجية
الصهيونية الرامية إلى تصفية الفلسطينيين من خارطة الواقع، فالسياسة الصهيونية
الاستيطانية الاستعمارية هي عبارة عن قمع يمارس بشكل واضح وملموس ضد الشعب العربي
الفلسطيني أينما كان تواجده.. فلم تترك سلطات الاحتلال الصهيوني أسلوبًا قمعيًّا
إلا واتبعته ضد المواطنين الفلسطينيين لمواجهة مقاومتهم للاحتلال، كسياسة سلب
الأراضي ومصادرتها لإقامة المستوطنات ونسف البيوت وفرض الضرائب والغرامات
والعقوبات الجماعية، ومنع التجول وإغلاق المحلات التجارية والبيوت، وتطويق الطرقات
والشوارع بإقامة الحواجز القمعية الاستفزازية والاعتقالات العشوائية التي لا تفرق
بين كبير وصغير، امرأة أو رجلًا، وفرض الإقامات الجبرية والاعتقالات الإدارية،
والطرد إلى خارج الوطن ومنع الاجتماعات والتعبير عن الرأي، وملاحقة المطبوعات والمنشورات
ومصادرة الكتب والبحوث ومنع الصحف والمجلات، وإطلاق الرصاص من بنادق الجنود على
المتظاهرين من الطلاب، وباختصار يصل المنهج الصهيوني القمعي إلى درجة من الوحشية
«القتل مع سبق الإصرار» باسم القانون والأمن والنظام، ويضم اليوم الكيان الصهيوني
شبكة واسعة من المعتقلات والسجون، يزيد عددها عن اثنين وعشرين معتقلًا أهمها «شطة-
الجلمة – الدامون – بيت ليد – الرملة – بئر السبع - عسقلان – نفحا - معسياهو – بيت
معتسار – نيفي تيرزا – أبو كبير – المسكوبية – عتليت – صرفند – الخليل - نابلس
المركزي – الجنيد – جنين- رام الله –طولكرم – غزة – معسكر الفارعة» ويضاف إليها معسكر الأنصار في جنوب
لبنان الذي أغلقته قوات الاحتلال بسبب انسحابها من المنطقة بعد أن وصل عدد
المعتقلين فيه إلي ألفي أسير فلسطيني ولبناني.
وطبقًا للسياسة الصهيونية العامة بالتعامل مع المواطنين
الفلسطينيين في فلسطين المحتلة فليس مهمًّا كيف يعتقل الإنسان؟ وفي أية ظروف يقع
ويوضع وكيف يتم التحقيق معه؟ بمعنى أن سلطات الاحتلال وأجهزتها القمعية تعتبر
الغاية تبرر الوسيلة والمطلوب دومًا الوصول إلى نتيجة بكل الطرق والأساليب مهما
كانت وبلغت وحشيتها وبشاعتها.
إن شبكة المعتقلات والسجون في الكيان الصهيوني تعتبر جزءًا من
استراتيجية القمع الإسرائيلي؛ لمواجهة واحتواء الحركة الوطنية الفلسطينية وتطورها،
والقضاء على عناصرها معنويًّا ووطنيًّا وبأساليب كثيرة مدعاة بأسماء مختلفة، وهذه
المعتقلات والسجون تخضع لمركب ذي شكل محدد ولإدارة عمل ذات سياسة مرسومة وواضحة
بأبعادها، حيث هناك الشروط السكنية والاجتماعية والصحية والطبية والثقافية
والغذائية والحياتية.
هذه هي أساسيات الحياة بشكل عام لكل إنسان أينما كان، وبالتالي
فإن المعتقلات من المفترض أن تشتمل على شكل معين ومحدد لهذه الشروط كأساس طبيعي
لحياة البشر وطبقًا للحد الأدنى، إلا أن الحقيقة هنا تختلف تمامًا مع ما يجري داخل
المعتقلات والسجون الصهيونية، وتختلف وحقيقة ما يتوافر من شروط حياة داخلها.
فإدارة السجون العامة وعلى مدار مراحل عملها للسنوات الطويلة الماضية تتخذ من شروط
ووسائل الحياة الأساسية للبشر سلاحًا وسياسة عامة في توجيه إدارة عملية التعذيب
والمعاناة لآلاف المجاهدين المعتقلين. وهذا إيضاح مختصر لصورة الحياة المفروضة عن
سبق إصرار وتخطيط من أعلى المستويات الحاكمة في الكيان الصهيوني.
الشروط السكنية:
إن معظم أبنية السجون والمعتقلات في الكيان الصهيوني تعود إلى
عهد الانتداب البريطاني في فلسطين، والحديث منها شيدتها السلطات الصهيونية بشكل
هندسي وطبيعة معينة، بحيث إنها تعاني من أزمة الازدحام السكاني الشديد، وذلك ما
تعترف به وتقره سلطات السجون، بحيث لا يحصل المعتقل الأسير الفلسطيني على أكثر من
متر مربع واحد داخل الغرف والزنازين، وفي كل الحالات فإن الرطوبة الباردة شتاء
والخانقة صيفًا، والإنارة الضعيفة والتهوية السيئة نتيجة النوافذ الصغيرة المغطاة
من الخارج بألواح الإسبست (كما هو معمول في سجن جنيد)، والأبواب المغطاة بألواح
الصاج، لتأتي هذه الأوصاف شاهدًا ملموسًا لشروط السكن داخل هذه المعتقلات والسجون
المكتظة بأبناء البشر، علمًا بأن المعتقل الأسير لا يخرج من غرفته سوى ساعتين تسمى
بالفورة (النزهة)، إلى ساحات صغيرة مغطاة بالأسلاك الشائكة ضمن مجموعة من ١٣٠
إلى١٥٠ مجاهدًا، لرؤية الشمس تحت تأثير إزعاج مكبرات الصوت التي وضعت خصيصًا
لذلك (وهو أسلوب استعمل في معتقلات النازية). تنص المادة ٢٦ من اتفاقية جنيف
الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب المؤرخة في ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٩:
«تكون وجبات الغذاء الأساسية
اليومية كافية في كميتها وقيمتها الغذائية وتنوعها، بحيث تكفل سلامة الحالة الصحية
للأسرى ولا تعرضهم لنقص في الوزن أو تفشي الأضرار الناشئة عن سوء التغذية مع
مراعاة أنواع الأغذية التي من عادة الأسرى تناولها».
جمعت رابطة الدفاع عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون
الاحتلال الصهيوني- من خلال شهادات الأسرى والمعتقلين الخارجين والمبعدين
والمحررين من السجون الصهيونية- قائمة مفصلة للوجبات الغذائية اليومية، التي
تقدمها إدارة السجون للأسرى والمعتقلين، خلال المدة الممتدة من عام ٨٢ حتى نهاية
عام ١٩٨٤، وحيث كان بعض الإخوة الأسرى يعملون في إعداد هذه الوجبات الغذائية.
وعرضت هذه القائمة على مجموعة من الأطباء المختصين من أجل
دراستها علميًّا، والنظر فيما إذا كانت هذه الوجبات تكفي حاجة الإنسان أم لا،
وفيما يلي ملاحظات اللجنة الطبية على قوائم هذه الوجبات:
1- عدم حصول الأسرى والمعتقلين على احتياجات أجسامهم الغذائية من
السعرات أو الفيتامينات الكافية للحفاظ على صحتهم، وينتج عن ذلك النقص إصابتهم
بأمراض سوء التغذية.
2- فقدان التنويع في الوجبات الغذائية أيضًا يضر بصحتهم.
3- ضرورة تعرضهم لأشعة الشمس لمدة أطول تمكنهم من الحصول على
فيتامين «د» المهم للجسم.
4- الوجبات الغذائية المقدمة لا تحتوي على الخضار والفاكهة الطازجة
الضرورية لإمداد الجسم بالفيتامينات والأملاح، التي تساعد الجسم على التخلص من
الإمساك المنتشر بين الأسرى والمعتقلين في كافة السجون.
5- معظم الوجبات الغذائية التي يتناولها الأسير يوميًّا من
الكربوهيدرات وهي ناقصة من المواد الدهنية.
إن الشروط الأساسية للحياة عندما تستخدم وسيلة وكسياسة لقمع
الإنسان فإن هذا من أكثر أشكال التعسف والقمع فاشية وإجرامًا، ومن أكثر أشكال
وسائل الصراع عنفًا وألمًا وصخبًا، فالمعتقلون الذين دخلوا السجون في الكيان
الصهيوني تعرّفوا بأنفسهم على مدى ما ترمي إليه السياسة الصهيونية من وجودها ضد
الإنسان بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص.
ونتيجة لهذا الوضع المأساوي قام الأسرى والمعتقلون بعدة إضرابات
عن الطعام، كان آخرها إضراب سجن الجنيد المركزي في أيلول عام ١٩٨٤، وإضراب معتقل
عسقلان عن الطعام الذي استمر لخمسة أسابيع متواصلة آذار ١٩٨٥؛ من أجل تحسين
أحوالهم المعيشية وأوضاعهم الصحية وحل مشكلة الازدحام، ولقد سقط خلال هذه
الإضرابات العديد من الشهداء أثناء الإضراب عن الطعام ومنهم:
أحمد مسلم عميرة، وعبدالقادر أبو الفحم أثناء إضراب سجن عسقلان
سنة ١٩٧٠، ثم راسم محمد محمد حلاوة وعلى شحادة الجفري وإسحق موسى محمود مراغي على
إثر إضراب سجن نفحة سنة ١٩٨٠.
وفي جميع الإضرابات كانت تقدم الوعود بتلبية طلبات الأسرى
والمعتقلين خلال مدة قصيرة، إلا أن هذه الوعود كانت دائمًا كاذبة، الغرض منها
إنهاء الإضراب بسرعة وإفشال محاولات الأسرى والمعتقلين الضغط على إدارة السجون
الصهيونية من أجل تحسين شروط الحياة الاعتقالية، والنتيجة الحتمية لسياسة سوء
التغذية المتبعة ضد الأسرى والمعتقلين انتشرت فيما بينهم الأمراض التالية:
القرحة المعدية- فقر وضعف الدم- أمراض القلب- الروماتيزم- سقوط
الأسنان- أمراض العيون- البواسير- الأمراض الجلدية- الأمراض النفسية- الأورام
السرطانية- مرض الديسك.
الجهاز الطبي في خدمة
السجان
من الناحية الشكلية والروتينية هناك عيادة داخل كل معتقل وسجن،
وهي عبارة عن غرفة أو جناح ذي عدد من الغرف مزودة ببعض الأدوية والوسائل العادية
والأولية من الأمور الطبية، ويداوم ممرض أو ممرضان يقومان بتقديم ما يسمى بالخدمة
الطبية للمرضى المعتقلين، ويخصص يوم واحد في الأسبوع لدوام الطبيب العام وطبيب
الأسنان، وفي معتقل الرملة يوجد المركز الطبي الخاص بإدارة السجون وهناك مستشفى
مصغر للمرضى، وهكذا يقال عن وجود جهاز طبي هو في الواقع مسألة شكلية تخفي من
ورائها حجم الجريمة التي تمارسها مديرية السجون فالأمراض المنتشرة والمذكورة آنفًا
تقسم إلى ثلاثة أقسام:
1.
أمراض مزمنة.
2.
وأمراض العاهات البدنية (إصابات مباشرة
مثل العمى وبتر الأطراف والإصابات).
3.
الأمراض النفسية والعصبية، وهذه
الأمراض أصبحت ملموسة لوجود عدد لا بأس به قد أصبح انهياره النفسي والعصبي واضحًا
ومیؤوسًا منه، وهؤلاء يعيشون داخل الغرف والأقسام رغم مناداة الأسرى بضرورة إيجاد
حل لتقديم العلاج المناسب لهم، ووجود عدد من المسنين الذين يعانون من الأمراض،
وتعود ظاهرة الأمراض المزمنة لدى المعتقلين إلى الأسباب التالية:
1- ظروف وشروط الحياة الصعبة والقاسية من كافة نواحيها داخل
المعتقلات والسجون.
2- المعاملة اللاإنسانية واللاأخلاقية والتعذيب الذي لاقاه
المعتقلون أثناء التحقيق وبدايات الاعتقال.
3- تجاهل إدارة السجون وطاقمها الطبي في بداية ظهور المرض عند
المعتقل، وعدم إجراء الفحوصات الطبية الملائمة وإعطاء العلاجات المناسبة وإجراء
العمليات الجراحية للأمراض التي تحتاج لذلك.
4- عدم وجود أطباء مختصين وممرضين ذوي حد أدنى من الخبرة
الطبية، ووضع الحل المناسب لكل مرض حسب نوعه وأبعاده منذ بدايته.
5- السنوات الطويلة التي أمضاها المعتقلون داخل الأسوار
منذ عام ١٩٦٧ ولغاية الآن.
6- الإهمال الطبي سلاح تستخدمه إدارة السجون ضد الأسرى
المعتقلين؛ للقضاء عليهم جسديًّا تمهيدًا لقتلهم معنويًّا ووطنيًّا وجعلهم عاهات
في المجتمع.
وكانت آخر إحصائية قدمت من معتقلي سجن الجنيد فقط تتضمن أكثر من (١٦٠) حالة
مرضية.
إن حبوب التسكين هي العلاج الأساسي لكل أنواع المرض داخل
المعتقلات، ولذلك فإن قصص شهداء المرض والإهمال الصحي كثيرة وكان آخرها عام ١٩٨٥
استشهاد المناضل محمود عربي فريتخ، الذي ترك وأهمل لينتشر في جسده مرض السرطان،
وعندما أصبحت حالته ميؤوسًا منها أطلق سراحه ليموت خارج المعتقلات دون ضجة، وكذلك
الشهيد المناضل حمزة عثمان أبو شعيب الذي أطلق سراحه ليموت بعد أيام قليلة خارج
المعتقل ٢/٢٦/۱۹۸۳.
إن ما عاناه الشهيدان من عذابات المرض وعلى مرأى من الأطباء في
السجون الصهيونية كان الدليل العملي لهذه السياسة الطبية المنهجية، فالوضع اللاطبي
واللاصحي داخل أسوار المعتقلات أضحى من الأولويات الملحة، رغم تدخل الصليب الأحمر
الدولي لتقديم المسموح به لتخفيف ما أمكن تخفيفه لحالة الضغط المتزايدة من هذا
التراكم الناجم عن حالة الإهمال المقصودة من قبل القائمين على الجهاز الطبي.
فالشواهد كثيرة وعديدة وأسباب الاستشهاد والموت كلها تصب في نفس المجرى، الذي يشكو
من استمراره المعتقلون ألا وهو الإهمال المتعمد.
وإذا ما استعرضنا حالات العشرات من الأسرى والمعتقلين فإننا نلاحظ أوضاعهم
الصحية واضحة المعالم على مظهرهم الخارجي، من تدهور وذبول في أجسادهم حتى أصبح عدد
الشهداء الذين سقطوا داخل السجون تسعين شهيدًا.
وأما أهم المطالب التي أعلن عنها الأسرى والمعتقلون في إضراباتهم الأخيرة
والتي تماطل إدارة السجون في تحقيقها رغم وعودها المتعددة فهي:
1.
تحسين أوضاعهم الصحية البائسة.
2.
إيقاف عمليات الضرب والقمع والإرهاب
والرش بالغاز والعقاب الجماعي.
3.
رفع مستوى الوجبات الغذائية كمًّا
ونوعًا وعدم تأخيرها والسماح لهم بالمشاركة في إعدادها.
4.
تحسين ظروف الفسحة اليومية للتعرض
للشمس واستنشاق الهواء النقي وتمديدها إلى أكثر من ساعتين.
5.
وضع حد لمشكلة الازدحام المزمنة داخل
الغرف.
6.
عدم مصادرة كراساتهم ومذكراتهم وصور
ذويهم ورسائلهم بين الفينة والأخرى.
7.
توفير الملابس الإضافية والسماح لهم
بالأدوات الرياضية والكتب الثقافية.
8.
احترام ذويهم أثناء الزيارة وعدم
التعرض لهم بالممارسات الاستفزازية العنصرية.
لقد أقرت اتفاقيات جنيف هذه المطالب الإنسانية العادلة، وطالبت
جميع الدول الأطراف باحترام تطبيقها والسهر على تنفيذها، وحمّلت المسؤولية للطرف
الذي يخل بذلك.
وبعد، هل يستيقظ ضمير الإنسانية على عظم الكارثة التي يعاني منها شعب فلسطين داخل سجون الاحتلال اليهودي؟ بل هل تصحو أمة المسلمين على هذا الواقع فتحزم أمرها وتعود إلى ربها وتلم شملها وتعلن الجهاد لإنقاذ الأهل والمقدسات في فلسطين قبل أن يأتي الأخطبوط الصهيوني على ما تبقى من ديار المسلمين وكرامتهم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل