العنوان تأخير النصر
الكاتب الأستاذ سيد قطب
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981
مشاهدات 68
نشر في العدد 540
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 25-أغسطس-1981
إن الله سبحانه لم يرد أن يكون
حملة دعوته وحماتها من «التنابلة» الكسالى، الذين يجلسون في استرخاء. ثم
يتنزل عليهم نصره سهلًا هينًا بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن،
ويتوجهون إلى الله بالدعاء كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء.
نعم إنه يحب أن يقيموا الصلاة وأن
يرتلوا القرآن، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء، ولكن هذه العبادة
وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها، إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة،
والذخيرة التي يدخرونها للموقعة، والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل
بمثل سلاحه، ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله، ولقد شاء الله
تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا عن طريقهم هم أنفسهم، كي يتم نضجهم هم في
أثناء المعركة، فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ
وهي تواجه الخطر، وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة..
عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها، ولتتساند مع
الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة، ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي
عليه، وتصل إلى ما هو مقدور لها، وما هي مهيأة له من الكمال.
والأمة التي تقوم على دعوة الله
في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفر كل استعدادها، وتجمع كل
طاقاتها كي يتم نموها ويكمل نضجها وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها.
والنصر السريع الذي لا يكلف عناء،
والذي يتنزل هينًا لينًا على القاعدين المستريحين يعطل تلك الطاقات عن
الظهور؛ لأنه لا يحفزها ولا يدعوها.. وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل
فقدانه وضياعه أولًا: لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة. وثانيًا: لأن
الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه فهي لا
تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه، وهنالك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي
تنشأ من النصر والهزيمة، والكر والفر والقوة والضعف، والتقدم والتقهقر، ومن
المشاعر المصاحبة لها. من الأمل والألم، ومن الفرح والغم، ومن الاطمئنان والقلق،
ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة.. ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة
والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها، وكشف نقط الضعف ونقط
القوة.. وتدبير الأمور في جميع الحالات وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم
عليها وعلى الناس، من أجل هذا كله، ومن أجل غيره ما يعلمه الله.. جعل الله دفاعه
عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم، ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا
عناء.
والنصر قد يبطئ لأن بنية الأمة
المؤمنة لم تنضج بعد نضجها. ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها. ولم تتحفز
كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات، فلو نالت النصر حينئذ
لفقدته وشيكًا لعدم قدرتها على حمايته طويلا.
وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة
المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد فلا تستبقي عزيزًا ولا
غاليًا، ولا تبذله هينًا رخيصًا في سبيل الله.
وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة
المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل
النصر.. إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل
الأمر بعدها إلى الله.
وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة
المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سندًا إلا الله ولا
متوجهًا إلا إليه وحده في الضراء.. وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على
النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله.. فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير
الذي نصرها الله به.
وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة
لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو
تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها.. والله يريد أن يكون الجهاد له
وحده وفي سبيله، بريئًا من المشاعر الأخرى التي تلابسه وقد سئل رسول الله- صلى
الله عليه وسلم- الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى. فأيها في
سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل
الله» (رواه الشيخان).
كما قد يبطئ النصر لأن في الشر
الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمخض
خالصًا، ويذهب وحده هالكًا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار.. وقد يبطئ
النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تمامًا.. فلو
غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصار من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده
وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة.. فيشاء
الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريًا للناس ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية.
وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا
تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة، فلو انتصرت حينئذ
للقيت معارضة من البيئة لا يستقر معها قرار.. فيظل الصراع قائمًا حتى تتهيأ النفوس
من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه..
من أجل هذا كله، ومن أجل غيرة مما
يعلمه الله، قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله
عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية.
وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن
الله به بعد استيفائه أسبابه، وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه ﴿وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن
مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ
الْأُمُورِ﴾ (الحج: 40-41).
إنه النصر القائم على أسبابه
ومقتضياته، المشروط بتكاليفه وأعبائه، والأمر بعد ذلك لله، يصرفه كيف يشاء فيبدل
الهزيمة نصرًا، والنصر هزيمة عندما تختل القوائم، أو تهمل التكاليف: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ
الْأُمُورِ﴾.
إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق
المنهج الإلهي في الحياة، من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير
والصلاح المنظور فيه إلى هذه الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات..
والمطامع.. والشهوات.. وهو نصر له سببه.. وله ثمنه.. وله تكاليفه، وله شروطه، فلا
يعطى لأحد جزافًا أو محاباة، ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه..
ولقد كان القرآن ينشئ قلوبًا
يعدها لحمل الأمانة. وهذه القلوب كان يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث
لا تتطلع- وهي تبذل كل شيء وتحتمل كل شيء- إلى شيء في هذه الأرض. ولا تنتظر إلا
الآخرة، ولا ترجو إلا رضوان الله، قلوبًا مستعدة لقطع رحلة الأرض كلها في نصب
وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية واحتمال، بلا جزاء في هذه الأرض قريب، ولو كان هذا
الجزاء هو انتصار للدعوة وغلبة الإسلام وظهور المسلمين.. حتى إذا وجدت هذه القلوب
التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض شيء إلا أن تعطي بلا مقابل، وأن تنتظر
الآخرة وحدها موعدًا للجزاء.. وموعدًا كذلك للفصل بين الحق والباطل.. وعلم
الله منها صدق نيتها على ما بايعت وعاهدت، أتاها النصر في الأرض ائتمنها عليه، ولا
لنفسها، ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي أهل لأداء الأمانة، منذ كانت لم توعد
بشيء من المغنم في الدنيا تتقاضاه، ولم تتطلع إلى شيء من المغنم في الأرض تعطاه،
وقد تجردت الله حقًا يوم كانت لا تعلم لها جزاءً إلا رضاه. فالنصر ليس بالعدد وليس
بالعدة، وليس بالمال والزاد، إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف
لها قوة العباد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل