; صفحات مملوءة بالقدوات | مجلة المجتمع

العنوان صفحات مملوءة بالقدوات

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1981

مشاهدات 70

نشر في العدد 518

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 03-مارس-1981

صفحات مليئة بالقدوات..

لا يظن ظان أننا نتكلم عن مثاليات لا يمكن تحققها في واقع الناس، فإن تاريخنا مليء بنماذج من القدوات عقمت الأمم أن تأتي بمثلهم، ولولاهم لما استحق تاريخنا أن يسمى بتاريخ، ونتصفح صفحات التاريخ لنقف عند بعض الصفحات التي اختبأت بين آلاف الصفحات، لتكون جوابًا لذلك الظن...

• لا يخاف إلا الله..

قال ابن المبارك: لقد كنا يومًا في المسجد الجامع فوقعت حية فسقطت في حجر أبي حنيفة، فهرب الناس غيره، ما رأيته زاد على أن نفض الحية وجلس.

ولنا أن نتصور لو أن أبا حنيفة هرب من الحية كما هرب الآخرون، هل كانوا سيصغون له عندما يعظهم ويربيهم؟ وهل سيتجرأ أن يربيهم على معاني الشجاعة والجهاد؟!

• قدوات يموتون في حديدهم..

يوسف بن يحيى البويطي، خليفة الإمام الشافعي، «وكانت الفتاوي ترد على البويطي من السلطات فمن دونه، وهو متبوع في صنائع المعروف كثير التلاوة، لا يمر يوم ولا ليلة غالبًا حتى يختم، فسعى به من يحسده وكتب فيه إلى ابن أبي دؤاد بالعراق، فكتب إلى والي مصر أن يمتحنه -أي يسأله: هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ وهي بدعة المعتزلة، وكان على رأسهم ابن أبي دؤاد، فامتحنه فلم يجب -أي بخلق القرآن- فقال له: قل فيما بيني وبينك، قال: «إنه يقتدي بي مائة ألف ولا يدرون المعنى»، وكان أمر أن يحمل إلى بغداد في أربعين رطل حديد، يقول الربيع -صاحب الشافعي-: ولقد رأيته على بغل وفي عنقه غل وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت مخلوقة فكان مخلوقًا خلق بمخلوق، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه -يعني الواثق- ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم.

• عز الخطيب وذل العلوي..

والتجرد من عبودية العبيد وعبودية المال وإخلاصها لله صفة لازمة للداعية المربي، ومن دونها يصبح من المتعذر عليه أن ينشر دعوته؛ إذ إن الناس جبلوا على اتباع المتجرد الذي لا ينوي بعمله إلا وجه الله.

فقد جاء في ترجمة الخطيب البغدادي أنه دخل عليه بعض العلوية وفي كمه دنانير، فقال للخطيب: فلان يسلم عليك ويقول لك: اصرف هذا في بعض مهماتك، فقال الخطيب: لا حاجة لي فيه، وقطب وجهه، فقال العلوي: كأنك تستقله ونفض كمه على سجادة الخطيب وطرح الدنانير عليها، فقال: هذه ثلاثمائة دينار، فقام الخطيب محمرًّا وجهه وأخذ السجادة وصب الدنانير على الأرض وخرج من المسجد.

وحركة «نفض السجادة» التي لم تستغرق دقيقة واحدة من الخطيب، ربت أتباعه الذين كانوا في المسجد على معاني العزة وحقارة العبودية لغير الله، ظهرت في قول أحدهم: «ما أنسى عز خروج الخطيب وذل ذلك العلوي، وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شقوق الحصير ويجمعها».

• درس في الورع

هذا هو الحافظ عبد العظيم المنذري صاحب «مختصر صحیح مسلم» يعطي درسًا عمليًّا في الورع لصاحبه الحافظ الدمياطي، «فقد خرج من الحمام وقد أخذ منه حرها، فما أمكنه المشي فاستلقى على الطريق إلى جانب حانوت، فقال له الدمياطي: يا سيدي، أنا أقعدك على مسطبة الحانوت -وكان الحانوت مغلقًا- فقال وهو في تلك الشدة: بغير إذن صاحبه؟! كيف يكون وما رضي؟!».

• الشافعي الصغير...

جاء في ترجمة أبي العباس البغدادي والمسمى بالشافعي الصغير أنه «ما زالت عناية الوزير به حتى رشحه للقضاء، فامتنع أشد الامتناع، فقال: إن امتثلت ما مثلته لك وإلا أجبرتك عليه، قال: افعل ما بدا لك، فأمر الوزير حتى سمر عليه بابه، وعاتبه الناس على ذلك، فقال: أردت أن يتسامع الناس أن رجلًا من أصحاب الشافعي عومل على تقليد القضاء بهذه المعاملة وهو مصر على إبائه زهدًا في الدنيا» وكأن واقع الحال يعظ الناس الذين عاصروا هذه الحادثة بالزهد في الدنيا.

وبعد.. فمعاذ الله أن نستخلص من هذه الدراسة إهمال دور الكلمة في العملية التربوية، إنما أردنا إخراج بعض المعاني التي غارت في الأرض، ليتذكر فيها من نسي، ويعلم فيها من جهل أهمية القدوة في العملية التربوية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1033

60

الثلاثاء 12-يناير-1993

أقوال تربوية: