العنوان قراءة في مسيرة المليون أسود في واشنطن
الكاتب صالح محمد نصيرات
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
مشاهدات 77
نشر في العدد 1173
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
كانت العاصمة الأمريكية واشنطن يوم الإثنين السادس عشر من أكتوبر الحالي على موعد مع المسيرة التي دعا إليها الزعيم الإفريقي - الأمريكي لويس فرخان، وقد سبقت المسيرة حملة إعلامية ضخمة قادها المحافظون البيض والذين رأوا فيها نوعًا من العنصرية ودعوة لتمزيق المجتمع الأمريكي، حيث نشط معلقون من أمثال رش ليمبو، وأوليفر نورث، وغيرهم للتنديد بهذه المسيرة، على خلفية أن لويس فرخان عنصري بكره البيض والكاثوليك، واليهود، وكانت التجمعات اليهودية قد دعت لمنع المسيرة لما قد تؤديه - بزعمهم - من خلخلة المجتمع الأمريكي، في حين كانت المحطات التليفزيونية والتي يدعمها الأمريكان السود تنشط بالمقابل في الدعوة إليها.
وركز المعلقون البيض على لويس فرخان باعتباره عنصريا، أما «شيفز» الرجل الذي اعتبره البعض الرجل الثاني في المسيرة، وقد سبق أن اتهم هذا القس بسرقة أموال والتحرش الجنسي بموظفات المنظمة التي كان يرأسها، أما الأمريكان السود المناوئون الفرخان فلم يرفضوا المسيرة، ولكنهم رفضوا قيادة فرخان لها، حيث ركزوا على ما أسموه بالتفريق بين الرسالة والرسول.
ومنذ صبيحة ذلك اليوم تدفق مئات الآلاف من السود على العاصمة الأمريكية، حيث امتلأ المكان المخصص للمسيرة، وهو ما يسمى به «المول» وهو عبارة عن ساحة كبيرة أمام مبنى الكونجرس الأمريكي، وقد بدأت المسيرة بالصلاة، حيث دعي لصلاة الفجر وصلى المسلمون هناك، كما صلى النصارى بطريقتهم الخاصة أيضا، ثم توالى المتحدثون على المنبر المعد لذلك.
وتكلم القس جاكسون وشدد على الأحوال المزرية التي يعيشها السود، حيث تنتشر الجرائم المختلفة كالمخدرات والقتل والحمل غير الشرعي، والرعاية الصحية، والاجتماعية السيئة، وقد كان هدف المسيرة الدعوة لتحمل الرجال السود لمسؤولياتهم كآباء ومواطنين يخدمون مجتمعاتهم لتنظيفها من أسباب الجريمة.
وفي الوقت المخصص لكلمة فرخان كان الآلاف يهتفون له، ثم تحدث طويلًا - مدة ساعتين وثماني عشر دقيقة - عن الخلفيات التاريخية التي أدت إلى الأوضاع المزرية التي يعيشها السود في أمريكا، كما ندد بالآباء الأوائل الذين كانوا وراء استعباد السود، ثم تحدث عن التكبر والعجرفة التي تبديها أمريكا إزاء نصائحه، حيث مثل نفسه بالطبيب الذي يقدم الدواء المجتمع مريض، ولكن لأن هذا الطبيب أسود فإن الكبر الأبيض - كما أسماه - لا يقبل مثل هذا الدواء، كما تحدث عن أن هذه المسيرة قد ألهمها من الله على حد زعمه، وقد استشهد ببعض الآيات القرآنية، وبعض المقولات من التوراة والإنجيل، وقد بدا واضحًا اختلاط المفاهيم الإسلامية، والنصرانية، واليهودية في ذهنه، كما أشاد باليجا محمد الذي أنشأ حركة المسلمين السود.
لقد أظهرت المسيرة عدة أمور منها:
1- أن لويس فرخان يتمتع بشعبية كبيرة بين السود على الرغم من محاولات الإعلام الأمريكي إنكار ذلك، حيث إن احتشاد ما يقارب من مليون وبدعوة من فرخان دليل واضح على شعبيته.
2- مدى الهوة بين المجتمع الأبيض، والمجتمع الأسود في أمريكا، حيث بدا واضحًا أن أمريكا منقسمة على ذاتها، فالبيض يتمتعون بالثروة والقوة والمكانة، في حين يعيش السود أحوالًا مزرية على جميع الأصعدة.
3- على الرغم من دعاوى المساواة بين الناس في المجتمع الأمريكي، فما زال الوضع بعيدًا عن الوصول إلى مستوى من العدالة يكفل الحرية للجميع، فالسود يتعرضون لأحكام قاسية جدا عند الحكم عليهم، حيث أشار بعض الباحثين إلى أن المجرم الأسود يتلقى أربعة أضعاف الحكم الذي يتلقاه الأبيض لو ارتكب نفس الجرم.
4 - أظهرت المسيرة قوة كبيرة للسود، والتي يمكن استغلالها في الانتخابات القادمة لصالحهم، أما المسلمون من جماعة وارث الدين محمد وغيره من الجماعات الأخرى، فلم تشارك في المسيرة ليس احتجاجًا عليها، ولكن لأن المسيرة في نظرهم كانت تتطلب اتفاقًا مسبقا على النقاط التي سيتم تناولها المتحدثون، ضمانًا لضبط مضامين الخطاب مع الأهداف الكلية للمسيرة وعدم تجييرها لحساب جهة بعينها..