العنوان في ظل الثورات العربية الراهنة العلاقة بين دين الدولة و«الديمقراطية»
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011
مشاهدات 50
نشر في العدد 1943
نشر في الصفحة 46
السبت 12-مارس-2011
- ليس هناك تعارض بين الديمقراطية والشريعة الإسلامية، والدولة «المدنية» لا تعني إقصاء الدين عن الحياة السياسية.
- ضعف الأمة وبعدها عن الإسلام سببه نجاح أعدائها داخليًا وخارجيًا في الباس ما يقارب نصف شعوبها لباس «اللادينية»!
- بعد سقوط الخلافة تحولت تركيا وألبانيا ولبنان من الإسلام إلى العلمانية، وتخلت سورية عن الإسلام كدين للدولة.
- هناك ٣٩ دولة مسيحية رسميا على مستوى العالم في مقابل ٣٠ دولة إسلامية، ومازالت «البوذية» و«الهندوسية» أديانًا لعدد من دول آسيا.
- د. يوسف القرضاوي: الأغلبية المسلمة فرض عليها ربها أن تحكم شريعتها، فكيف تمنع الأقلية غير المسلمة الأكثرية من ذلك؟
- د. عصام البشير: ما أفضت إليه الديمقراطية من سيادة الأمة وحقوق المواطنة وكفالة الحريات وغيرها، كلها من صميم الإسلام.
بعد سقوط نظام «حسني مبارك» في مصر، ارتفعت الأصوات منادية بدولة «مدنية» تنتعش فيها زهور الديمقراطية والحرية والعدالة، وظن بعضهم أن هذا يعني أنه لا مجال للدين هنا، وكادوا يطالبون بإلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن «الإسلام دين الدولة، وشريعته هي المصدر الرئيس للتشريع»، وهم بذلك يمنعون أصل ماء الحياة التي تمد تلك الزهور بالروح والريحان، وصدق الأستاذ «محمود عباس العقاد» حين أكد أن فكرة الديمقراطية أنشأها الإسلام لأول مرة في تاريخ العالم.
هل هناك تعارض بين الدولة المدنية والإسلام؟ وهل ثمة انفصام بين الديمقراطية والشريعة؟ وهل تعني الدولة المدنية إقصاء الدين عن الحياة السياسية؟ وألا توجد دول حديثة لها دين رسمي ويُشترط لرئيسها أن يكون من أتباع هذا الدين؟!
ويدمي القلب ابتداءً معرفة أن أكبر دولة إسلامية في العالم وآسيا وهي إندونيسيا، وأكبر دولة أفريقية وهي نيجيريا، وأكبر دولة إسلامية في أوروبا وهي تركيا، كلها دول دساتيرها «علمانية»، ولكن يأتي بريق الأمل من أخبار تطبيق الشريعة في إقليم «آتشيه» بإندونيسيا، وشمال نيجيريا، والنجاح الباهر لحزب «العدالة والتنمية» «ذي التوجه الإسلامي» في تركيا.
أي الدول لديها دين رسمي؟
اعتمادًا على الدراسة العالمية المستفيضة (۱) عن «أي الدول لديها دين رسمي؟»، تم تجميع الدين والدولة في قاعدة بيانات تصنف العلاقة بين الدين والدولة إلى أربع مجموعات رئيسة، هي: الفصل بين الدين والدولة، والتمييز ضد الأقليات الدينية والقيود المفروضة على الأديان الغالبة، ثم التشريعات الدينية.
قمت بدراسة أحوال البلاد المنتمية إلى منظمة «المؤتمر الإسلامي»، والتي دائمًا تذكر -صوابًا أو خطأ- أنها دول إسلامية، ثم أضفت لها الدول التي ليست في المؤتمر؛ ليكتمل العدد ٥٣ دولة، وجدت أن ٣٠ دولة فقط دينها الرسمي الإسلام (٥٧٪)، والباقية -٢٣ دولة- سكانها مسلمون أو نسبة كبيرة منهم مسلمون لكنها دول علمانية (٤٣٪).
هل في دساتير تلك الدول ما يدفع أبناءها للمطالبة بتطبيق الدستور ومن ثم تطبيق الشريعة، أم أن الدساتير صنعت وحيكت ألفاظها بطريقة تتحمل كل ألوان الطيف؟ وهل يحتاج الأمر إلى دعوة وتربية وتعليم وتنوير قبل أن تبدأ «انتفاضة» الشريعة؟
كان ذلك مفجعًا لي ولعله أجاب ضمنًا عن تساؤلي حول ضعف الأمة وبعدها عن الإسلام، إذ نجح أعداؤها في الداخل والخارج في أن يلبسوا ما يقارب نصف الأمة لباس «اللادينية»!
تغيرات حديثة
ويلاحظ من الدراسة أن هناك ثلاث دول تحولت من الإسلام إلى «العلمانية» بعد سقوط الخلافة هي تركيا وألبانيا ولبنان، وتخلت سورية عن الاسلام كدين الدولة، وعلى الجانب الآخر، هناك أربع دول تحولت من الأرثوذكسية ثم العلمانية إلى الإسلام، وهي: أوزبكستان وطاجكستان وتركمانستان، وقرغيزستان، بعد تفكك «الاتحاد السوفييتي».
وهناك ست دول تحولت من دين آخر إلى «العلمانية» بعد انتهاء الاحتلال الأوروبي: إندونيسيا من البروتستانتية «دين الهولنديين المستعمرين» وغينيا بيساو من الكاثوليكية دين البرتغاليين المستعمرين) وكازاخستان من الأرثوذكسية «دين الروس المستعمرين»، وكل من بنين وبوركينا فاسو وتشاد من الأديان العرقية والقبلية.
وتحولت بلغاريا ومقدونيا ومولدافيا وأوكرانيا وأرمينيا وبيلاروسيا وجورجيا إلى الأرثوذكسية، وكرواتيا إلى الكاثوليكية، وكدين للدولة تركت كل من الصين والكوريتان وتايوان «الكونفوشيوسية»، كما تركت كل من اليابان ومنغوليا «البوذية».
العلاقة بين الدين والدولة
هناك من يدعي أن العلاقة بين الدين والدولة، كما ينص عليها في الدستور، قد حسم في الديمقراطيات الغربية، أو التي تتبع هذا النموذج مثل الهند واليابان، ونرد عليه بالجدول المرفق من المرجع (۱).
صحيح أن الدول العلمانية زادت، ولكن مازالت هناك دول «ديمقراطية»، وهي في الاتحاد الأوروبي تحمل دينًا رسميًا للدولة «وليس للشعوب»، وتدخل ضمن نطاق النوع الرابع الذي تحمي فيه الدولة التشريعات الدينية للكنيسة التابعة لها، مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا والدنمارك واليونان وفنلندا ولكسمبورج وبلغاريا.
وفي بريطانيا، فإن الملكة هي الرئيس الأعلى للكنيسة الأنجليكانية، وقد بقي رئيس الوزراء الأسبق «توني بلير» على هذه الملة طيلة فترة عمله، وعندما ترك منصبه السياسي أعلن عن تحوله إلى الكاثوليكية، أما رئيس الوزراء عام ١٨٦٨ «من أصل يهودي» «بنجامين إزائيلي»، فقد عمده أبوه للمسيحية في سن الثانية عشرة، وإلا ما دخل البرلمان أصلًا، ومازال نصف شريحة من الشعب البريطاني لا يقبلون أن يكون يهوديًا رئيسًا للوزراء (٢).
بل إن هناك ٣٩ دولة مسيحية رسميًا على مستوى العالم «بالمذاهب الثلاثة»، في مقابل ۳۰ دولة إسلامية، ومازالت «البوذية» في تايلاند وسريلانكا وكمبوديا وبوتان، و«الهندوسية» في نيبال، أديانا للدولة.
فليس بدعا في عالم الديمقراطيات أن يبقى الدين حاكمًا، مع الفارق الشاسع بين الشرائع الحالية «المحرفة» المحدودة والشكلية، وشريعة الإسلام المحفوظة الشاملة لكل مناحي الحياة.
إن جوهر الديمقراطية يعني حرية اختيار الناس لمن يحكمهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه أو نظام لا يرغبونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ وعزله إذا انحرف، وألا يُساق الناس رغم أنوفهم إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو سياسية لا يرضون عنها.
وإن الناظر إلى ما أفضت إليه الديمقراطية من مبدأ سيادة الأمة ورعاية كرامة الإنسان وحقوق المواطنة وكفالة الحريات، وما ارتكزت عليه من إجراءات -مثل الاستفتاء والانتخابات والمجالس النيابية واستقلال القضاء والتداول السلمي للسلطة- يجدها كلها من صميم الإسلام.
وليس من مسلم عاقل واحد يريد أن يأخذ الديمقراطية بحذافيرها بقضها وقضيضها، بشرها وخيرها، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد قضى في بعض الأمور وحسمها حسمًا لا يستطيع الناس -كثروا أو قلوا- أن يغيروا فيها شيئًا، فالمسائل التي ورد فيها نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت من كتاب وسنة خارجة عن دائرة الشورى ابتداء، لا يستطيع بشر كائن من كان أن يُحل حرامًا أو يحرم حلًا(۳).
شبهات مردودة
يقول بعضهم: إن النص على أن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع» يتعارض مع مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين، ويرد العلامة «د. يوسف القرضاوي بقوله: «إنه إذا وجد في بلد أغلبية مسلمة؛ وأقلية غير مسلمة فالأغلبية المسلمة فرض عليها من ربها ومن دينها أن تحكم شريعتها، فهل مطلوب من الأقلية غير المسلمة أن تمنع الأكثرية من أن تحتكم إلى الشريعة؟ فإن حدث ذلك فهذا معناه أن الأقلية تفرض دكتاتورية على الأكثرية، وإذا أردنا أن نحكم منطق الديمقراطية فالأغلبية هي التي تحكم ولكن على ألا يجوروا على حق الأقلية، فلا بد من أن تراعي حقوقها، وهذا ما يراعيه الإسلام تمامًا، فإذا كان هناك أقلية غير مسلمة فلا يمكن أن يُجار عليها في حقوقها الشخصية أو الدينية أو المدنية».
ويصور المعترضون أن الشريعة تعني تطبيق الحدود والعقوبات فقط، ويرد الشيخ «القرضاوي» فيقول: «هذا في الحقيقة اختصار مخل، فكيف تختصر الشريعة العظيمة -التي جاءت لإصلاح الفرد ولإسعاد الأسرة ولتنظيم المجتمع ولهداية الدولة، ولإقامة علاقات إنسانية عامة- في العقوبات؟! فالعقوبات هي للناس الشاذين عن القاعدة فقط، وحينما نبحث عن الأحكام التي جاءت بها الآيات القرآنية فيما يخص الحدود والعقوبات نجدها حوالي عشر آيات، في حين أن آيات الأحكام أقل شيء قبل فيها: إنها خمسمائة آية، فالشريعة جاءت بالعدالة الاجتماعية وبحقوق الإنسان، وبإقرار الشورى، وبإقامة الأسرة الصالحة والحياة الزوجية السعيدة، وبإعطاء الأفراد وذوي القربى حقوقهم» (٤).
التربية
يجب تضافر الجهود لتتغير الدول؛ سواء الإسلامية شكلًا أو اسمًا أو مضمونًا أو الدول ذات الأغلبية المسلمة سكانًا ولكنها علمانية منهجًا، هذا التغيير الذي يؤدي إلى تطبيق الشريعة بمفهومها الواسع، ثم تعد الأرضية الصالحة لتطبيق الحدود إذا وجدت الضرورة لها، فكما لا تقطع يد سرقت في مجاعة، لا تطير رأس مرتد في مجتمع يموج بالشكوك والشبهات، ولا يجلد ظهر شاب في بيئة تعج بالفتن والشهوات.
لا بد من تربية الأجيال تربية إسلامية، ولا بد من تنشيط الدعوة إلى التمسك بالإسلام، وتعاون الصحافة ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية المتخصصة كالجامعات، فتحرير التعليم في كل مراحله من آثار التبعية الفكرية أمر مهم، مثل إعادة صياغة المناهج وتطويرها بما يخدم تطبيق الشريعة الإسلامية ويكفل لها البعد عن العلمانية والإلحاد.
وهذا يحتاج إلى توفير العدد الكافي من الدعاة الفاهمين والمدرسين المدربين، ليظهروا خصائص الشريعة العظيمة من كونها ربانية حفظت من التحريف، وكونها تتميز بالشمول في الزمان والخطاب والموضوع والوسطية والواقعية، ومنها التدرج في تشريع الأحكام، وكذا الوضوح والعقلانية، وجمع الشريعة بين الثبات والتطور.
يقول الشيخ «راشد الغنوشي»: «لا يحتاج الإسلاميون إلى القيام بانقلابات على الدول القائمة لتحويلها دولا إسلامية، فهي دول إسلامية سواء أكان من جهة أن أغلبية سكانها مسلمون، أم من جهة دساتيرها التي تشرح موقفها من الشريعة، وهو شرح مترتب على أصل الاعتراف بأن للدولة دينا هو الإسلام، وبناء على ذلك، فما يحتاج الإسلاميون إلا تفعيل هذه الحقيقة، حتى تمتد آثار هذا الجذع في كل فروع هذه الدولة، ولا تظل مجرد شعار خاو وضربًا من النفاق (٥).
ولا يزال في الأمة من يسعى إلى تطبيق شرع الله ليضمن سعادة البشرية، ولكنه لن يترك في حاله، بل سيتهم ويُبتلى ويؤذى، والأمل أن تتغير الحال في عصر الثورات الشعبية، مع التحلي بالصبر والنفس الطويل.
---------------------------------------
المراجع
(1) Which countries have state religionss؟
Barro and McCleary. Harvard University 2005.
Quarterly Journal of Economics 120 (4): 13311370-
(2) Half of voters unwilling to accept a Jewish PM
The Guardian. 23.1.2004
(۳) د. عصام البشير الشورى في سياق التأصيل والمعاصرة المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الأول، يونيو ۲۰۰۲
(٤) د. يوسف القرضاوي حوار عن الدستور ومرجعية الشريعة.
(٥) راشد الغنوشي، أسلمة الدول بتفعيل الدساتير لا بالانقلابات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل