العنوان مسلمو البوسنة آلام وآمال
الكاتب محمد هيثم عياش أبو حسني
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
مشاهدات 162
نشر في العدد 694
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
قد يظن البعض أن السفر إلى يوغسلافيا سهل ومريح ولا يوجد هناك صعوبات أو مضايقة، هكذا وقعت ضحية هذا الاعتقاد الخاطئ، فقد قمت بزيارة إلى يوغوسلافيا للاطلاع على إقليم البوسنة ذي الأغلبية الإسلامية، الذي يحكي قصة صعود الإسلام ومعركته مع الشيوعية والنصرانية التي حاولت ولا تزال أن تقضي على الإسلام، وتمحو آثاره التي تثير مخاوفهم بين الحين والآخر.
وصلت إلى الحدود اليوغوسلافية النمساوية فأعادني بوليس الحدود مرة أخرى إلى النمسا لإحضار تقرير بأني لن أتدخل في سياسة أو رياسة، وكان ما كان من تعب، ومشقة، وأسئلة، وأجوبة.
وصلت إلى مدينة سنتزاه ذات المقابر الإسلامية والمؤذن ينادي للصلاة والفلاح، ويؤكد بأن الصلاة خير من النوم؛ فاستبشرت بهذا النداء خيرًا، ويممت وجهي شطر المسجد لتأدية الصلاة المكتوبة، وفوجئت بالمسجد خاليًا من المصلين فعجبت من هذا الذي نادى إلى الصلاة أين هو؟ وراعني بأن هناك آلة تسجيل هي التي تنادي للأذان.
البوسنة: المساحة والحدود:
تبلغ مساحة إقليم البوسنة حوالي (15000) كلم مربع؛ أي أكبر من مساحة لبنان بخمس مرات، يحده من الشرق جمهورية الماتسيا، ومن الغرب إقليم الصرب، ومن الشمال هرفاتسكا، ومن الجنوب سرناكورا، وإقليم البوسنة ذو طبيعة جبلية وعرة شاهقة، ويعيش فيها بعض الحيوانات الكاسرة، مثل: الدببة، والنمور.
وصول الإسلام إلى البوسنة:
هناك روايتان لوصول الإسلام إلى البوسنة، فإحداهما عن طريق التجار المسلمين الذين دخلوا إلى البوسنة ونشروا الإسلام فيه قبل مجيء العثمانيين إليه، وتقول إحدى الروايات التاريخية بأن مسلمة بن عبد الملك -رحمه الله- بنى في إحدى مدن البوسنة مسجدًا لا يزال قائمًا في مدينة (فيسيكو) التي تبعد عن سراييفو حوالي (60) كلم، وذلك عندما عجز عن فتح القسطنطينية عام ٩٧هـ، وكان ذلك في ولاية سليمان بن عبد الملك.
ثم دخل الإسلام البوسنة وحكمها منذ عام ١٤٤٣م في عهد السلطان بايزيد والد السلطان محمد الفاتح -رحمهما الله تعالى-، وكان الذي افتتحه الصدر الأعظم في عهده محمد إسحاقلوفيتش الذي أنشا مدينة سراييفو (وهو مؤسسها الأول قبل غازي خسرو بك) وقد توفي هذا الوزير في مدينة (تراونيك) التي كانت تعد أقوى مدينة تجابه الإمبراطورية النمساوية الهنغارية.
ومدينة تراونيك مدينة صغيرة، يوجد فيها سبعة عشر مسجدًا كلها مغلقة حتى إشعار آخر، وبعضها حول إلى مخازن ومحلات تجارية كبيرة، غير مسجدين لا يزالان يستقبلان من يريد أن يصلي، وعلى رغم صغرها فإنها محاصرة بأعداد كبيرة من البوليس، ويوجد فيها قلعة إسلامية أنشأها محمد باشا إسكولوفيتش الذي خلف والد الصدر الأعظم محمد إسحاقلوفيتش.
كانت مدينة تراونيك عاصمة لإقليم البوسنة، وكان إنشاؤها قبل مدينة سراييفو، وهي من ثلاث مدن إسلامية في البوسنة التي تولت حمل الدعوة الإسلامية إلى أوروبا من بعد سراييفو وآقحصار (واسمها حاليًا بروساج)، وهي الآن قرية صغيرة كانت تضاهي مدينة بلغراد، ومساجد مدينة تراونيك مغلقة حتى إشعار آخر (أرجو فهم قولي)، ويوجد في مسجدها المفتوح (واسمه مسجد يني) مكتبة يوجد فيها كنز من المخطوطات النفيسة من التفسير والفقه والتاريخ.
سراييفو في التاريخ الإسلامي:
موقعها: تقع سراييفو وهي عاصمة إقليم البوسنة على نهر يقطعها من الشرق إلى الغرب، وكان الذي أسسها غازي خصروبك رحمه الله، وتاريخ هذه المدينة لايزال غامضًا، وهي مدينة ذات مآذن؛ إذا بلغ عدد مساجدها في القرن السابع عشر أكثر من مائة مسجد قد تهدم أكثرها عندما اجتاح النمساويون إقليم البوسنة واحتلوه في عام ۱۸۷۸م، عندما عهد مؤتمر برلين لهم بحكم البوسنة، وقد جرت حروب ضد المستعمرين لإخراجهم من البوسنة.
وغازي خصرو بك هذا هو الذي أنشأ سراييفو، وازدهرت في عهده عام ٩٤٤هـ، 1537م، وهو بوسنوي الأصل، ولد عام١٤٨٠م في مدينة سيروز في اليونان؛ إذ كان والده (فرهاد بك) أحد رجال الدولة العثمانية واليًا عليها، وهو أخ «راديووي أمير تربيينه»، أما أمه فهي سلجوقة بنت السلطان بايزيد الثاني، وقد أسندت إلى غازي خصروبك ولاية إقليم البوسنة سنة ١٥٢١، واستمرت ولايته عليه حتى وفاته ١٥٤١، (مع انفصال قصير مرتين في تلك المدة). ولم يشتهر غازي خصروبك بوصفه الرجل السياسي الكبير فحسب، بل بوصفه رجل الثقافة والسعي في ميدان الخيرات العامة كذلك، فقد شيد في سراييفو عدة مؤسسات علمية وثقافية وخيرية، وآثاره التي خلفها لا يزال البعض منها موجودًا، منها: جامعه المشهور باسمه، والمدرسة التي أسسها ولا تزال تخرج طلبة العلوم الإسلامية والخانقاه، وقد أسست هي والمدرسة بجوار الجامع، وقبره وقبر وزيره في ناحية من نواحي صحن المسجد، ويوجد فيها أيضًا مكتبة للمخطوطات تحمل اسم مؤسس هذه المدينة؛ لأنه هو الذي قام بتأسيسها، وتضم خمس عشرة ألف مخطوطة في اللغة العربية، والتركية، والفارسية، وهي مكتبة تشبه عمارتها حد كبير مكتبة الظاهر بيبرس -رحمه الله- في دمشق؛ إذ إنها مبنية على طرازها، ويوجد في ساحة المكتبة مقبرة لعلماء مسلمين اشتهروا بالحفظ، والفقه، والجهاد. كان إقليم البوسنة إقليما غنيًا، اشتهر بالثقافة والعلوم التي أضاءت أوروبا بالمعرفة.
البوسنة في التاريخ المعاصر:
حكم المسلمون العثمانيون إقليم البوسنة أكثر من أربعمائة عام منذ عام ١٤٣٠م، حتى عام ۱۸۷۸م، وذلك عندما ضعفت الدولة العثمانية، واستولت الإمبراطورية الهنغارية النمساوية على إقليم البوسنة، وقد عانى المسلمون من حكم النمساويين الأمرين؛ إذ حاول النمساويون تنصير المسلمين بكل ما أوتوا من حيل الحرب وخدعها، وكان ذلك لما كانت دولة الخلافة في طريقها إلى الانحلال.
والإمبراطورية النمساوية الهنغارية في طريقها إلى التلاشي، ولكن جيوش هذه الإمبراطورية لم ينعموا يومًا من الأيام براحة أو هدوء بال، ولم يمر عليهم يوم لم يعيشوا فيه إلا بالرعب والخوف من المسلمين الذين قاوموهم حتى أن مسجد علي باشا الذي بني عام ١٥٦١م قد دخل تاريخ تلك الفترة الحالكة من أيام البوسنة وخاصة عاصمته سراييفو، وكان المقاومون يطلقون النار على المهاجمين من فوق مئذنة المسجد، وجدير بالذكر أن النساء اشتركن في المقاومة، وقد قاوم الرجال والنساء حتى آخر قطرة من دمائهم من أجل مسلمي البوسنة، والجدير بالذكر أيضًا أن الحرب العالمية الأولى قد اشتعلت من مدينة سراييفو؛ إذ قام أحد عناصر حركة المقاومة المسلمين في البوسنة والهرسك وهو الشاب جافرفو برينتسب تشابر ينوفيتش باغتيال الأرشيدوق فرانو فريدنان الحاكم العسكري لإقليم البوسنة.
هذا ما فعلته قوات الإمبراطورية النمساوية الهنغارية في البوسنة، ولكن ما فعله الشيوعيون كان أشد وحشية وقذارة: آباد تیتو بعد الحرب العالمية الثانية (٢٥) ألفًا من المسلمين، هكذا حدثني الشيخ منير أفندي، وقال: إن تيتو هو تلميذ موسى بيجادا اليهودي المعروف، وقال لي الشيخ منير أفندي إن أباه الشيخ عادل أفندي سجنه تيتو بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر مدة ثمانية عشر عامًا، وقال: مات والدي في السجن، أضاف محدثي قائلًا: لقد التقت علينا -نحن مسلمي البوسنة- قوى الشر من الصليبية الحاقدة واليهودية الماكرة اللئيمة المتوحشة، ممثلة بالأدوار الإرهابية الشيوعية الماكرة، فقد حاول النمساويون كثلكة المسلمين؛ فقامت ثورة امتدت عشر سنوات من عام ١٨٩٩، حتى عام ١٩٠٩، مطالبة بالاستقلال الذاتي للمسلمين، انخدعنا في سنة ١٩١٨بالاتحاد في دولة واحدة فنهبت أراضينا، وأعطوها للنصارى.
اتفق الصرب وكرواتسيا على تقسيم بلادنا، وتم التوقيع على هذه الاتفاقية في أغسطس ۱۹٣٩، بعد موت زعيم المسلمين وقت ذاك الدكتور محمد سياهو، حينما نشبت الحرب العالمية الثانية قاد المقاومة ضد الألمان الجنرال المجرم ميخائيلوفيتش (يوجد في سراييفو شارع يحمل اسم هذا المجرم الذي فعل بالمسلمين الأفاعيل)، فغدر بنا، ونظم عمليات غدر وقمع وإبادة رسمية بأمر رسمي منه رقم (٣٧٠) تاريخ 20/12/1941، يأمر فيه عصاباته بقتلنا عن بكرة أبينا، وخلال بضعة أيام ذبح من رجالنا ونسائنا وأطفالنا أكثر من (١٥٠) ألفًا، ومن لم يمت ذبحًا مات حرقًا، أو غرقًا، أو تحت الأنقاض.
أضاف محدثي قائلًا: قتل الشيوعيون شيخ علماء البوسنة والهرسك فضيلة الشيخ قاسم دوراجا، وفضيلة الشيخ دروبسيوفتش، وكلاهما من علماء الأزهر، وحكمت محكمة سرايفو على (13) زعيمًا من جمعية الشبان المسلمين بالإعدام، وقد ألغى الشيوعيون في جميع أنحاء يوغوسلافيا، وكان ذلك معنى خروج الأسرة إلى دائرة القوانين الشيوعية التي تنادي بالانحلال والإباحية التامة، وبانحلال الروابط الطبيعية بين أعضاء الأسرة الواحدة.
حالة مسلمي البوسة الاجتماعية:
عمل الشيوعيون على تفكيك الأسرة المسلمة اجتماعيًا بواسطة الإباحة الجنسية، وتشجيع الشباب من الجنسين على ممارسة الجنس قبل الزواج على غرار المجتمعات الأوروبية الغربية، وعملوا على غرس الأفكار الشيوعية في عقولهم، فقد قابلت الكثير من الشباب الذين يحملون أسماء إسلامية، ولكنهم لا يعرفون شيئًا عن دينهم، لم تخلو صورة تيتو في بيت من البيوت التي زرتها، وإذا ما أعطيتهم قطعة من آية من القرآن أو قصاصة ورق مكتوب عليها اسم الجلالة أو اسم النبي تباركوا بها، ولقد حاولت كثيرًا إصلاح بعض الشباب ولكن كانت جهودي تذهب أدراج الرياح مثل قول الشاعر:
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه *** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
لقد أفسد الشيوعيون البنية الاجتماعية إفسادًا يفوق فساد أوروبا الرأسمالية المحتضرة، ومما لاحظته أنا شخصيًا وفوق أنني لا أتكلم اللغة اليوغسلافية بأن القرآن الكريم قد ترجم ترجمة غير دقيقة، فقد حذفت منه آيات الأحكام، وترجمت غير ما وردت في القرآن، فمثلًا من سورة المائدة الآيات التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى- عن التوراة وأمره لليهود بالحكم بما أمر الله -تعالى-، وأيضًا الإنجيل والقرآن والأمر بالحكم بما أنزل الله تجد هذه الآيات مترجمة على عكس ذلك تمامًا، لقد لعب الشيوعيون أيضًا بكتاب الله العزيز الجبار؛ وذلك لخوفهم من المسلمين الذين لا يزالون يشعرون بعاطفة جارفة تجاه دينهم.
إن العائلة في يوغسلافيا لا تأمن على نفسها من أبنائها، صحيح أن الصلاة والصيام والحج مسموح بهم، لكن على شرط عدم التدخل في السياسة ذلك القانون الذي أصدره تيتو عام 1969، بالسماح للمسلمين بممارسة شعائر دينهم، ولكن بعد أن نسي معظم المسلمين أوامر دينهم ونواهيه لا يوجد في مساجد يوغوسلافيا مصاحف أو كتب الفقه.
إن المسلمين في يوغوسلافيا يعيشون في عزلة تامة عن دينهم، وهذا ما لمسته رغم أن المساجد لا تخلو من المسنين ونادرًا ما تجد شابًا يرتاد المسجد، ولا يظن أحد أنى أكتب عن يوغوسلافيا وعن الإسلام فيها من قبل التجاوزات أو التخيلات، ولكنها حقيقة رأيتها وعشتها، ومما يؤلمني أنه عندما يقوم أحد المسؤولين في الدول العربية بزيارة إلى يوغوسلافيا يعود إلى بلاده ويقول إن حالة المسلمين في يوغوسلافيا مرضية، والعكس هو الصحيح تمامًا، إن حالة المسلمين في يوغسلافيا غير مرضية، ويلزم المسلمون في يوغسلافيا دعمًا معنويًا قبل الدعم المادي، وهذه أمانة في عنق كل مسلم غيور.
إن الذين اعتقلتهم حكومة يوغسلافيا من المسلمين منذ أشهر كانوا يحاولون تغيير الوضع السائد في إقليم البوسنة، وقد قال لي أحدهم: صحيح أني لم أعتقل؛ وذلك لأني هارب في الجبال، ولكني لن أتوقف عن الجهاد في سبيل الله لإرجاع الوعي الإسلامي للمسلمين في البوسنة، خاصة ويوغوسلافيا عامة، والله من وراء القصد.