العنوان هل يطيح التحالف الروسي الأطلسي بأحلام الاستقلال في الشيشان؟
الكاتب قطب العربي
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1472
نشر في الصفحة 36
السبت 13-أكتوبر-2001
كانت أحداث نيويورك وواشنطن بمثابة طوق النجاة لموسكو في معركتها ضد المجاهدين الشيشان، ورغم أن روسيا تحاول أن تبني سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة ورغم أنها تدرك جيدًا أن وجود قوات أمريكية على حدودها في أفغانستان يمثل خطرًا على أمنها القومي وانتقاصًا من نفوذها التقليدي في جمهوريات آسيا الوسطى ومنافسة لها على النفوذ في المنطقة وعلى ثرواتها وبترولها، إلا أنها أعلنت تأييدها للتحالف الدولي لمواجهة الإرهاب الذي دعا إليه الرئيس بوش.
ومنذ البداية حددت موسكو مصلحتها في التحالف ورأت أنه سيقدم لها خدمات لم تكن تحلم بها في مواجهة المجاهدين الشيشانيين الذين استطاعوا أن يوقعوا بها خسائر جسيمة مؤخرًا، حتى إنها سعت إلى التفاوض معهم لم تضع موسكو وقتًا، بل تعددت الزيارات التي قام بها الرئيس بوتين ووزير دفاعه سيرجييف إلى العواصم الغربية لوضع المسألة الشيشانية في مكان بارز في أجندة التحالف الدولي الجديد باعتبار أن ما يحدث في الشيشان هو مواجهة مباشرة مع «الإرهاب الإسلامي الدولي» الذي تجمع على أرض الشيشان وفقًا للمنظور الروسي الذي يسعى الروس إلى نشره على أوسع نطاق، ووجد الطلب الروسي آذانًا صاغية في واشنطن والعواصم الأوروبية على خلاف المرات السابقة التي كانت تبدي فيها تلك العواصم تحفظًا - وإن على استحياء - على الحملة الروسية في الشيشان وما يستتبعها من انتهاكات لحقوق الانسان.
ورغم تحفظات موسكو على الوجود العسكري الأمريكي على حدودها إلا أنها ترى أن مكاسبها ستكون كبيرة من وقوف التحالف الجديد إلى جانبها في معركتها في الشيشان. فقد كانت روسيا بحاجة ماسة إلى الدعم السياسي والعسكري الغربي في هذه المواجهة التي لم تستطع أن تحسمها بمفردها. ولا تقتصر الفوائد الروسية من التحالف على الشيشان، بل تتعداها إلى قضايا أخرى، حيث توجد أماكن توتر أخرى داخل الاتحاد الروسي على شاكلة الشيشان مرشحة للانفجار مستقبلًا مثل داغستان وتتارستان ناهيك عن حرص موسكو على الحفاظ على الاستقرار في بقية جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية سواء التي ترتبط مع روسيا باتفاقية تعاون إقليمي فيما يسمى الكومونولث الروسي أو التي لا ترتبط بمثل هذه الاتفاقيات، حيث ترى السياسة الروسية أن أي توتر في هذه الجمهوريات يمثل خطرًا على الأمن القومي الروسي. وتخشى موسكو من انتشار المد الإسلامي في هذه الجمهوريات، مما قد يسفر في النهاية عن وصول بعض الإسلاميين إلى السلطة.
وقد حاولت روسيا من قبل كسب تعاطف حلف الأطلسي معها في معركتها في الشيشان، وحصلت على قدر من هذا التعاطف، لكنه لم يكن القدر المناسب، وحين طرحت القيادة الروسية خيار استخدام أسلحة الدمار الشامل بشكل مكثف في الشيشان على الأمين العام لحلف الأطلسي أثناء إحدى زياراته لموسكو العام الماضي أعطى لها الضوء الأخضر بقوله: «إن من حق روسيا حماية أمنها وحفظ أراضيها ومكافحة الإرهاب ولا أحد يستنكر على روسيا حربها للإرهاب، ونعترف بحقها بحماية وحدة أراضيها. ولكن ما ننتقده هو تعدي الآلة العسكرية على المدنيين، فاختلافنا ليس على المبدأ، إنما اختلافنا على الطريقة التي تنفذ بها الحملة التي أضرت بالمدنيين. وعندما تبين للحلف أن الهدف الذي سيصاب في حال استخدام أسلحة الدمار الشامل هم المجاهدون وافق دون شجب وقد قدم الحلف هذا التنازل بعدما قدم الروس تنازلات تتمثل في التجاوز عن حملة الحلف على يوغسلافيا، وتجديد الروس لتعهدهم بالحد من انتشار الصواريخ البالستية وكذلك الالتزام بمعاهدة «ستارت ۲» الخاصة بخفض أسلحة الدمار الشامل وقال أمين الحلف إن العلاقات مع روسيا تعتبر علاقات استراتيجية وبهذه الحالة لا يمكن للحلف أن يضحي بعلاقته الاستراتيجية ومصالحه الثابتة مع الروس من أجل الشعب الشيشاني.
وبالتأكيد فإن روسيا حصلت الآن على تفويض كامل باستخدام ما تشاء من أسلحة الدمار الشامل ضد الشيشان، بل ربما تحصل على بعض هذه الأسلحة من الغرب، كما أنها ضمنت عدم إثارة قضية انتهاك حقوق الإنسان في الشيشان، وبالتالي فإنها ستسعى إلى الاستفادة من هذا المناخ للإجهاز على المجاهدين الشيشان والقضاء على حلمهم في الاستقلال. وقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي إيفانوف أثناء لقائه مع نظرائه في الأطلسي أواخر سبتمبر الماضي عن قيام تعاون بين موسكو وواشنطن لمكافحة ما أسماه الإرهابيين الدوليين الموجودين في الشيشان.
وقال: إننا لو تمكنا من قطع الموارد عن الشيشان من أموال ورجال ومرتزقة قادمين من الخارج، فستنتهي عندها العملية «العسكرية» في غضون ١٥ إلى ٤٠ يومًا. وأشار إلى أن الجيش الروسي يعتزم تكثيف عملياته في الشيشان بهدف «سحق الحركة».
موقف المجاهدين الشيشان
يدرك المجاهدون الشيشانيون أن المناخ الدولي الآن لم يعد في مصلحتهم خاصة أن الدعاية الروسية ما انفكت تتهمهم بالإرهاب وتلقي الدعم من أسامة بن لادن، ولكنهم فيما يبدو انقسموا إلى فريقين في طريقة التعامل مع هذه الأوضاع الجديدة حيث سارع الفريق الذي يقوده الرئيس اصلان مسخادوف إلى قبول التفاوض مع الروس مجددًا. ورغم أن الحل السلمي هو المنهج المعتمد من قبل مسخادوف وحكومته، وأن قواته تقوم ببعض العمليات العسكرية بهدف تحريك المفاوضات السياسية أساسًا. وليس لإخراج الروس من الشيشان بالقوة إلا أن العرض الروسي الأخير ليس عرضًا لتسوية سلمية تقليدية، بل إنه عرض إذعان، إذ يطلب من المقاتلين الشيشان إلقاء أسلحتهم وتسليم أنفسهم طواعية للسلطات الروسية، وقد أناب الرئيس مسخادوف نائبه زكاييف للتفاوض مع الكرملين. إلا أن هناك جبهة أخرى قوية هي التي تقوم بغالبية العمليات العسكرية يقودها القائد الميداني شامل باسييف الذي يعتمد نهج المقاومة المسلحة لا المفاوضات، وتبدو تقديرات هذه الجبهة للوضع الراهن مختلفة، حيث تعتقد أن التحالف الأطلسي الغربي لن يضيف جديدًا لروسيا التي تحارب المجاهدين بدعم قديم من التحالف، كما أن روسيا استخدمت كل ما لديها من أسلحة وخطط عسكرية، ولم تفلح في هزيمة المجاهدين الذين كثفوا عملياتهم في الآونة الأخيرة، بل إن هذا الفريق يرى أن ما حدث مؤخرًا في الولايات المتحدة يعطيه قدرًا من التفاؤل في إمكانية التغلب على الآلة العسكرية الروسية. ويستبطن هذا الفريق تجربته السابقة ضد الروس حين تمكن عام ١٩٩٦م من دحرهم وتحرير الشيشان، وكذلك تجربة الأفغان ضد الروس التي انتهت بطردهم بعد عشر سنوات من الاحتلال. ويتصرف هذا الفريق وفق قناعات عقدية جهادية لا تغفل الحسابات المادية لقوة العدو ومن يناصره والأخذ بالأسباب لمواجهته، ولكنها في الوقت نفسه تستند إلى عنصر الايمان بالله والثقة بنصره وبقدرته على هزيمة العدو بأقل الأسباب ولا يخشى هذا الفريق الأسلحة الروسية والأطلسية بما فيها أسلحة الدمار الشامل لأن الحياة عنده تستوي مع الموت، بل إنه ينظر للموت في المعركة باعتباره الحياة الحقيقية. ولا تتوقف طموحات هذا الفريق عند حدود تحرير الشيشان، بل يعلن أنه سيلاحق الروس في عقر دارهم، وقد أكد ذلك باسييف في مقابلة صحفية له مع صوت القوقاز، حيث قال إذا خرج الروس من أرضنا فنحن لن نتركهم ولن نوقف الحرب معهم، بل تذهب خلفهم ونقتلهم حتى لا تكون عندهم رغبة في أن يدخلوا في أراضي المسلمين مرة أخرى.
روسيا هي الرابحة
فيما يستمر العد التنازلي للتدخل العسكري الذي خططت له الولايات المتحدة تجاه أفغانستان، بدأت بعض التغييرات في التوازنات السياسية في العالم، حيث تسعى كل دولة لتحديد استراتيجيتها حسب الوضع الجديد. ومما لا شك فيه أن المصالح «مثل تحقيق مزايا من الوضع الراهن» والمبادئ «مثل اتخاذ موقف ضد الإرهاب» تلعب دورًا في إجراء مثل هذا التقييم. ويبدو أن بعض الدول في طريقها لتحقيق الربح مما حدث وفي مقدمة هذه الدول روسيا.
الموقف الذي اتخذته روسيا عقب التفجيرات في الولايات المتحدة أدهش الجميع فموسكو لم تقف عند حد التنديد بل. قدمت دعمًا كاملًا لأمريكا واقترحت عليها التعاون معها في الصراع ضد طالبان، وفتحت لها مجالها الجوي، وشاركتها في مصادرها الاستخبارية.
بوتين على غرار لاعبي الشطرنج، اختار جيدًا أهدافه القريبة والبعيدة، وبدأ في مستهل اللعبة يجمع النقاط الأولية ويمكننا تلخيص ما تطمح إليه موسكو فيما يلي:
1- تسعى من خلال الموقف الذي اتخذته حيال الإرهاب إلى الحصول على تفهم ودعم غربيين لحربها ضد الشيشان ومن الصعوبة بمكان بعد الآن أن تقف الولايات المتحدة بوجه الروس في هذا الموضوع.
2- إنهاء طالبان، هو هدف روسي أيضًا. فالروس ستكون لهم مصلحة كبيرة في القضاء على طالبان التي تقدم دعمًا ولو معنويًا للشيشان وتمثل حالة قابلة للانتشار في آسيا الوسطى التي تعتبر من مناطق النفوذ الروسي.
3- بوتين منذ وقت طويل يسعى إلى إنشاء علاقات قوية مع الاتحاد الأوربي وحلف الأطلسي. وفي اتصالاته مع أوروبا اقترب من هذا الهدف بسرعة.
وضمن إطار قاعدة «خذ وهات» في الدبلوماسية، فإن روسيا بدأت تأخذ مقابل الدعم الذي أعطته للولايات المتحدة، مما سيحقق لها مزايا مهمة للسياسة التي ستنتهجها بعد الآن إن روسيا بدعمها النشط للولايات المتحدة في قضية أفغانستان عززت فجأة استراتيجيتها الجغرافية. وبعبارة أوضح، فإن واشنطن بعد الآن ستنظر إلى روسيا نظرة الشريك في مجال حماية مصالحها بالمنطقة، ويتوقع بهذه الوسيلة أن تزداد فاعلية روسيا في آسيا الوسطى. ومع أن الولايات المتحدة تدخل المنطقة كلاعب رئيس، فإن روسيا بوضعها الخاص وخبرتها ستمهد الطريق على المدى البعيد نحو زيادة نفوذها.
بقي أن نقول إن الولايات المتحدة ومعها حلف الأطلسي سيتحاشيان اتخاذ مواقف مضادة لروسيا في كثير من الأمور بدءًا من مشاريع الطاقة وانتهاء بالاتفاقيات الدفاعية، بل سيختاران السكوت وخاصة في هذه الفترة.
فالاتفاقية الخاصة بتحديد الأسلحة التقليدية التي تهم تركيا مثلًا، قد تتحول في الوقت الحالي إلى موضوع يتجاهله الغرب وتنص اتفاقية تحديد الأسلحة التقليدية الثانية الموقعة عام ۱۹۹۹م على أن تخلي روسيا قاعدة جودوتا العسكرية في جورجيا، لكن روسيا لم تفعل ذلك رغم حلول الموعد المقرر للإخلاء في يوليو الماضي كما أن روسيا لم تنفذ ما تعهدت به فيما يتعلق بخفض الأسلحة.
الغرب لا يرغب الآن بالخوض في هذا الموضوع، بل يجري الحديث هنا وهناك عن إمكانية ضم روسيا بشكل أو بآخر إلى حلف الناتو الحديث حلف الناتو وإلى الاتحاد الأوروبي.