; «الجهاد» المظلوم من أعدائه وأبنائه | مجلة المجتمع

العنوان «الجهاد» المظلوم من أعدائه وأبنائه

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

مشاهدات 98

نشر في العدد 1119

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

مقال

  • الجهاد وسيلة لحماية الدين ودفع الفتنة عن المسلمين وإزالة الحواجز بين الناس وبين الحق ورفع العقبات التي تقف في طريق الدعوة إلى الله.
  • بعض المثقفين والسياسيين يربط بين مفهوم الجهاد وبين العنف والإرهاب والظلم والعدوان لتشويه مفهوم الجهاد.

خلال مرحلة التداعيات التي تمر بها الأمة نلاحظ التركيز على لفظ «الجهاد»، وحيث تبذل جهود حثيثة لتشويهه، وربطه بمعان بعيدة عن حقيقته وتفسيره بالعنف والإرهاب والظلم والعدوان.

وإذا كان الأعداء هذا ديدنهم، فإن المأساة الكبرى أن نقع في هذا الشباك نحن المسلمين، ولذلك استغربت كثيرًا من قرار المؤتمر الاستثنائي السابع لوزراء الخارجية للدول الإسلامية المنعقد في إسلام آباد بباكستان في بداية هذا الشهر سبتمبر ١٩٩٤م، حيث نص على دعم مسيرة السلام مع «إسرائيل» بلا جهاد، أو بعبارة أخرى «استبدل» بكلمة «الجهاد» السلام، وقد سبق لمؤتمر القمة للدول الإسلامية المنعقد في داكارا في ديسمبر ۱۹۹۱م، أن قام بحذف كلمة «الجهاد» وستبدل بها كلمة الكفاح، في حين أن رؤساء الدول الإسلامية أنفسهم قد تعهدوا في كلمة أثناء مؤتمرهم المنعقد عام ۱۹۸۱م بالالتزام بالجهاد لتحرير القدس والأراضي المحتلة، وقد صرح وزير إحدى الدول العربية الإسلامية الكبرى بأننا يجب علينا في هذه المرحلة استبعاد «الكلمات العنترية»، سبحان اللهّ أصبحت هذه الكلمة عنترية، بينما كانت «إسرائيل» في عدوانهم وطموحاتهم من النيل إلى الفرات ليست عنترية، بل صدرت في بعض الصحف بعض المقالات تؤيد هذا القرار بعنف، وتهاجم الرافضين لحذف كلمة الجهاد بقوة، وتصفهم بأنهم لا يعيشون عصرهم الذي ينبذ الحروب، ويرفض الإرهاب وينادي بالسلام، ولا يعرفون النظام العالمي الجديد، وهل حقًا أن النظام العالمي الجديد ينبذ الحروب، وهل نسينا ما تقوم به أمريكا في الصومال، وهابيتي وغيرهما؟

الجهاد يرد الحقوق:

وكان المتوقع من مثل هذه المؤتمرات الإعلان عن تعبئة الأمة لكل جهودها وطاقاتها لخدمة أهدافها، وأن تبين أن الجهاد أوسع معنى بكثير من القتال، وحتى القتال لا يجوز أن يستبعد عن حياة الأمة التي تريد الحفاظ على عزتها وكرامتها، وهل توجد دولة في العالم تحترم نفسها وتترك القوة والاستعداد للدفاع عن مقدساتها وكرامتها، فهذه أمريكا اليوم التي تقف على رأس ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، هل تركت القوة؟ وهل نبذت الحروب، بل إنها دائمًا تلوح بحماية مكتسبات الشعب الأمريكي ومصالحهم عن طريق القوة، وهل «إسرائيل» نبذت القتال والعنف في الأراضي المحتلة وفي غيرها؛ حتى وننبذ نحن الجهاد والدفاع عن حقوقنا المغتصبة؟

كنت أتوقع في عقد المؤتمر السابع الاستثنائي الذي عقد أثناء انعقاد مؤتمر السكان والتنمية أن يبحث عن خطة إستراتيجية تعيد إلى الأمة عزتها وكرامتها، ويبدي استعداده لإعادة حقوق الأمة بكل الوسائل المتاحة التي يقع على رأسها الجهاد. إن هذه الكلمة «الجهاد» مقدسة في نظر الإسلام، اعتز بها المسلمون منذ عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم-  إلى يومنا هذا، استعملها القرآن الكريم في أكثر من أربعين آية، وبين أن الجهاد الإسلامي – بمعناه الحقيقي – هو المنقذ من عذاب الذل والفرقة والنزاع والتخلف والاحتلال، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف:١٠ - ١٣)؛ بل إن الله تعالى قد أنذر إنذارًا شديدًا من يقدم أقاربه وأمواله على الجهاد، فقال تعالى: ﴿ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٢٤)، كما جعلت السنةُ الجهادَ ذروة سنام الإسلام. 

ظلم الأعداء والأبناء للجهاد:

وإذا كانت مكانة الجهاد في الذروة من الإسلام؛ فإن أعداء الإسلام قد وجهوا سهامًا مسمومةً إليه، وحاولوا تشويهه بكل الوسائل المتاحة، وبذلوا جهودهم للنيل منه محاولة منهم لإبعاده عن حياة المسلمين؛ خوفًا منه أن يحرك المسلمين من جديد، وينفخ فيهم الروح الوثابة والحيوية والحركة والاعتزاز بالله تعالى ثم بالنفس، وذلك لأنهم يعلمون أن المسلمين من خلال دعوتهم وجهادهم استطاعوا أن يحطموا إمبراطوريتين «الرومانية والساسانية» في أقل من ربع قرن، وقد قال أحد المستشرقين: إن ما وقع مرة لا يستبعد أن يقع مرة أخرى، ومن هذا المنطلق بذلوا كل جهودهم لتشويه سمعة الفتح الإسلامي، واعتبروه استعمارًا وغزوًا للتوسع والمال والاقتصاد، ولتحقيق إمبراطورية عربية، ناسين أو متناسين، جاهلين أو متجاهلين حقيقة هذا الفتح وأغراضه الشريفة التي تكمن في تحرير العباد من عبادة الطواغيت إلى عبادة الله تعالى، ومن ضيق الأديان المحرفة إلى سعة الدين الصحيح الخالد.

وأنا هنا لا أعيبه على الأعداء؛ لأن هذا هو شأنهم، وماذا نتوقع منهم؟ وهل يصح أن نجعلهم شماعة تعلق عليها جميع مشاكلنا؟ ليس هذا هو منهج الإسلام، وإنما منهجه العودة إلى الأنفس، والنقد الذاتي البناء، كما يقوم القرآن الكريم ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٦٥).

خوف الأعداء من إحياء مفهوم الجهاد:

إن الأعداء يخافون من هذه الكلمة خوفًا شديدًا بسبب تجاربهم المريرة مع المسلمين في حروبهم الصليبية التي فاز فيها المسلمون، يقول السلطان عبد الحميد الثاني –رحمه الله– في مذكراته: «إن الدول الغربية كانت تريد فرض شروط تعسفية عليَّ، وحينما أهددها بالجهاد كانت تتراجع، كان الوفد الغربي يفاوضني على شروط صعبة وكان في موقف القوة، ولكن حينما أصل إلى النقطة التي لا أستطيع الموافقة عليها كنت أقول لهم إذا فرضتم عليَّ شيئًا؛ فإنني سأضطر إلى إعلان الجهاد المقدس، وحينئذ يتحول الموقف ويصبح موقفي قويًا، وهم ضعفاء»، لماذا لم يستفد مؤتمر الدول الإسلامية من هذه التجربة؟

إذا كان هذا هو ديدن الأعداء؛ فإن معظم المسلمين اليوم قد ظلموا الجهاد، من ناحيتين: 

الناحية الأولى: أن بعض السياسيين والمثقفين قد ربطوا بين الجهاد ومفهوم العنف والإرهاب والظلم والعدوان، وقتل الأبرياء وإخافة الآمنين بغير حق، وتعلقت في أذهانهم هذه الصورة بشكل غريب؛ مع أن الجهاد كمفهوم ومدلول ومصطلح، وكنظرية وتطبيق وكواقع في تاريخنا لم يكن له علاقة بهذه الصورة أبدًا، فلم يكن الجهاد – حتى بمعناه الخاص – يعني تخويف الآمنين وقتل الأبرياء؛ وإنما هو وسيلة لحماية الدين، ودفع الفتنة عن المسلمين، وتحطيم الحواجز بين الحق والناس، وإزالة العقبات التي تقف في طريق الدعوة الحقة، وتاريخنا شاهد على ذلك، ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، لقيادة المسلمين في الالتزام بنشر الهداية قبل كل شيء، والالتزام بعدم قتل الأبرياء والضعفاء وعدم الاعتداء خير شاهد على ذلك.

ثم إن هذا المصطلح من روائع مصطلحاتنا من حيث الدلالة والمفهوم، فهو مشتق من الجهد الذي يعني بذل منتهى الطاقة والقدرة، ثم اشتق منه لفظان يمثلان الواجهة لحضارتنا الإسلامية، هي الاجتهاد والذي يعني استفراغ الجهد في الجانب العلمي الشامل للعلوم التكليفية الشرعية، والعلوم الكونية والإنسانية والطبيعية التي هي علوم شرعية أيضًا.

والكلمة الثانية التي اشتقت من هذه الكلمة هي كلمة الجهاد، والتي تعني بذل منتهى الجهد لتحقيق القوة التي تحمي الأمة والعلم والمكتسبات، ومن المعلوم أن حضارتنا –بل كل الحضارات– تقوم على هذين العنصرين العلم بمعناه الواسع، والقوة.

ومع وضوح هذا المصطلح وروعته وجماله قد نال كل هذه الهجمات؛ حتى من هؤلاء المثقفين المنتسبين للإسلام، لكن بعض هؤلاء قد تأثروا بأفكار المستشرقين، وبعضهم قد دفعهم الجهد إلى ذلك، أو أنهم ربطوا بين الجهاد كمصطلح إسلامي وبين بعض الحركات الإسلامية التي ترفع هذا الشعار وقد تسيء إليه بتصرفاتها.

الناحية الثانية: أن بعض الأشخاص والتنظيمات الإسلامية قد رفعت هذا الشعار، وقامت بتفسير كل أعمالها على ضوئه، وأساءت بذلك إلى هذا الشعار المرفوع، وقد قتل بعض الأبرياء باسم الجهاد، وروع الآمنون باسمه، وخربت الديار باسمه، وهجموا على الجماعات التربوية والدعوية باسمه.

وبذلك أعطت هذه التنظيمات تبريرًا جيدًا لأعداء الإسلام؛ لوصم الجهاد بأنه قتل للأبرياء وترويع للآمنين.

صورة غريبة:

في جولتي الدعوية في أوروبا هذا الصيف كنت مدعوًا لإلقاء محاضرة بعد خطبة الجمعة، وأثناء دخولي في المسجد رأيت بعض الشباب يوزعون النشرات على الداخلين، وكانت حصتي منها عددًا كبيرًا من المنشورات فتصفحتها قبل الجمعة، فوجدت أن كل نشرة لجماعة، وأن بعضها تهاجم الجماعات الأخرى، ففي بعضها تكفير لجماعة إسلامية، لأنها لم تكفر الحكام في الدول الفلانية، «ومن لم يكفر الكافر فهو كافر»، ورأيت في نشرة أخرى الدعوة لقتل المسيحيين في كل مكان وكأنها بمثابة حرب على العالم جميعًا، وهكذا..

وبعد الصلاة قمت وقلت لهم: أيها الأخوة والأحبة لدي سؤال واحد أرجو الإجابة عنه بوضوح: هل أنتم دخلتم هذه البلاد فاتحين كما دخل السلطان محمد الفاتح إلى القسطنطينية وحينئذ للفتح ميزانه، وإن كان الفتح لا يبيح إلا قتل المعتدين فقط، أم أنكم دخلتم كلاجئين طردتكم دولكم، ووسعتكم هذه البلاد، فأعطت لكم حق اللجوء، وأنفقت عليكم، أم أنكم جئتم لأجل الرزق والاكتساب؟ حقيقة لم أسمع الرد من أحدهم، فقلت: إنكم بتصرفاتكم هذه تساعدون الصهيونية والصليبية النازية والعنصرية في هذه البلاد في تحقيق أهدافها من طردكم، أو تحجيم الإسلام، ووصف الإسلام بكل الكلمات اللاذعة، إنكم تثيرون الرأي العام الذي تحتاج إليه هذه الجهات المعادية، وإذا أثير الرأي العام فإن السياسيين يستطيعون تنفيذ أهدافهم من خلال أخذ موافقة البرلمان على طرد المسلمين، أو تضييق الخناق عليهم أو نحو ذلك، كما يحدث الآن في فرنسا وألمانيا.

أيها الأخوة، اتقوا الله في الإسلام، وفي المسلمين، إن الإسلام لم يدخل أوروبا الغربية وأمريكا في أيام قوته طوال ثلاثة عشر قرنًا، بينما دخلها الإسلام خلال مرحلة ضعف المسلمين في القرن الأخير من خلال الدعوة والدعاة الذين فروا بدينهم إلى هذه البلاد، والجاليات الإسلامية التي هاجرت إليها حتى بلغ عدد المسلمين في بعض الدول الغربية بالملايين؛ بل إن دولة مثل فرنسا نفسها تخاف من غلبة المسلمين بعد ٥٠ سنة، قدموا الدعوة الإسلامية تأخذ طريقها عن طريق الموعظة والحكمة والحوار بالتي هي أحسن.

فهؤلاء الأخوة في بعض هذه التنظيمات الإسلامية لم يفهموا الجهاد بمعناه الإسلامي الواسع الذي يشمل كل جهد؛ لتحقيق خير الإسلام ودعوته الحقة، بينما حصروه في القتال فقط، ويلاحظ عليهم أمران:

الأمر الأول: أن الجهاد باتفاق جميع المحققين لا ينحصر مفهومه في القتال بالسيوف فقط، وإنما يشمل الجهاد بالمال والجهاد بالكلمة والفكر، وجميع الوسائل المتاحة، وقد بين ابن القيم أنواع الجهاد، فقال إنها أربعة، كما أن قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥٢) يدل على جهاد الكلمة؛ لأن المراد بهذه الآية الجهاد بالقرآن؛ حيث أمر الله تعالى نبيه محمدًا «أن يجاهد الكفار بهذا القرآن، فإنما يجاهدهم بقوة لا يقف لها كيان البشر، ولا يثبت لها جدل أو محال... وإن فيه من القوة والعطاء والتأثير العميق والجاذبية التي لا تقاوم ما كان يهز قلوبهم هزًّا، ويزلزل أرواحهم زلزالًا شديدًا» «في ظلال القرآن ص ٢٥٧١».

الأمر الثاني: أن الجهاد حتى لو حصر مفهومه في القتال يحتاج إلى شروط وضوابط ومقدمات وبيان زمنه وإلى من يوجه الجهاد؟ كما فصلت ذلك كتب السنة والفقه، ثم هل يمكن أن يتحقق الجهاد الإسلامي دون تربية راسخة وعقيدة قوية وقاعدة عريضة وضوابط شرعية، فلم يبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بالقتال إلا بعد تحقيق كل ذلك.

تشويه نتائج الجهاد الأفغاني:

ومن المؤسف المؤلم جدًّا أن تشوه سمعة الجهاد الإسلامي في أفغانستان بأيدي البعض؛ حيث حقق هذا الجهاد العظيم أكبر هدف، وهو هزيمة الشيوعية والاتحاد السوفيتي أمام الجهاد الإسلامي، وتحرير الأرض من المغتصبين الشيوعيين، ولكن بعد كل هذه الانتصارات العظيمة انشغل المجاهدين الأفغان أنفسهم، بعضهم ببعض، وتحاربوا وتقاتلوا بسبب المطامع لدى بعضهم، وهدموا البقية الباقية من أفغانستان، وحطموا البنية التحتية للاقتصاد القومي؛ حتى وصل الحال إلى أن الكثيرين من الشعب يتمنون عودة الشيوعية والملك ظاهر شاه، فأساءوا حقًا إلى هذا الجهاد العظيم، وأعطوا صورة سيئة له، ولم يستحوا من هؤلاء النساء المسلمات اللاتي تبرعن بحليهن لأجل الجهاد الأفغاني.

والخلاصة أن بعض هؤلاء قد ضيعوا مقاصد الجهاد من تحقيق الخير للشعب الأفغاني وإقامة دولة إسلامية، ناهيك عن دولة الخلافة الراشدة، بل أعطوا تأكيدًا وتجسيدًا لأفكار العلمانيين القائمة على أن الإسلاميين لا يصلحون للحكم، وهي جزء من سياسة «التيئيس» التي يتبناها الاستعمار دائمًا ضد المسلمين؛ حيث يبذل كل جهوده لعدم نجاح أي تجربه إسلامية لا جهادية، ولا سلمية «ديمقراطية». 

صحيح أن هناك أياد ٍخفية ومحسوسين عملاء بين المجاهدين الأفغان، ومؤامرة دولية ضدهم لعدم نجاح تجربة الجهاد الإسلامي؛ حتى لا يقتدى بها، وتكريس سياسة التيئيس، والترويض، واستعداد الأعداء لبذل كل شيء في سبيل ذلك، ولكن مع كل ذلك؛ فإن الذين أشعلوا الفتنة وشوهوا صورة الجهاد الأفغاني مسئولون أمام الله تعالى عن هذا القتال، والتناحر والتعرق وما آل إليه حالهم؛ تطبيقًا لقوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: ١٦٥) إنهم يحملون أوزار الاقتتال، وأوزار فشل هذه التجربة وآثارها، ويتحملون دماء مليون وستمائة ألف شهيد من مختلف الجنسيات بمن فيهم الأخوة في الخليج والسعودية الذين تركوا كل مظاهر الحياة، وخضبوا جبال الهندوكوش بدمائهم الطاهرة.

بل الأدهى من ذلك تشويه سمعة المجاهدين الأنصار الذين تركوا ديارهم ومظاهر حياتهم للجهاد في أفغانستان، ثم بعد انتهاء الجهاد شوهت سمعتهم، ووصموا بالإرهابيين والمتطرفين بدل التقدير والتكريم وتوزيع أوسمة الشرف والتقدير عليهم، حتى إن بعضهم قد قيد بالأغلال، واقتيدوا إلى بلادهم لإعدامهم أو سجنهم، وبعضهم لم يجدوا مكانًا آمنًا إلى اليوم، حتى وصل الأمر إلى أن الجيش الفرنسي قد فكر في الاستفادة من تجارب هؤلاء، وعرض عليهم مغريات؛ لينضووا تحت لواء الصحراء، ولكنهم رفضوا رفضًا مطلقًا؛ إذ إنهم ليسوا مرتزقة.

الجهاد دفاع أم هجوم:

وأخيرًا يتساءل الكثيرون عن طبيعة الجهاد.. هل هو دفاع أم هجوم، أو كان المشكلة في التكييف الفقهي؟

الجهاد في حقيقته وواقعه تستطيع وصفه بأنه دفاع عن العقيدة والوطن الإسلامي ومكتسبات الأمة، وهجوم على كل من يهدد الإسلام وعقيدته بالخطورة والمسلمين بالفتنة ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ (البقرة: ١٩٣).

وهذا الجمع مقبول شرعًا وعقلًا، وعليه تسير جميع الجيوش للدول القوية حتى في عالمنا اليوم، فأمريكا التي تدعي أنها صاحبة النظام الجديد نظام العدل والسلام الدوليين تسير على خطى الدفاع والهجوم، بل إن نظرية الأمن القومي تطال إلى كل مكان تهدد فيه مصالح أمريكا.

ولكنه مع الأسف الشديد ربط بمفهوم الهجوم، معاني الاعتداء والظلم والعدوان، كما ربط بمفهوم الدفاع، معاني أخرى تبعد الأمة عن تحقيق أهدافها الإستراتيجية، ولذلك وقع خلاف كبير بين المعاصرين، ولو حرروا محل النزاع وتنقيح المناط؛ لما وقعوا في هذا الخلاف؛ لأنه من المتفق عليه عند الجميع أن الجهاد ليس للعدوان، وإنما هو للدفاع عن الإسلام ونشر دعوته الحقة، ولتحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، كما أنه هجوم على المتربصين بالإسلام والطواغيت الذين يقفون عقبة أمام نشر الدعوة. 

الرابط المختصر :