العنوان لمن تكون الغلبة في طاجيكستان
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1993
مشاهدات 73
نشر في العدد 1032
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 05-يناير-1993
طاجيكستان.. صراع الهوية وعودة الإسلام
انكشاف زيف الشيوعية ونهضة آسيا الوسطى
كشفت المحاولة
الانقلابية الفاشلة التي حدثت في موسكو في أغسطس 1991 عن حقائق كثيرة، كانت تختفي
تحت الهيمنة الزائفة للشيوعية السوفيتية، من أبرزها أن الشيوعية لم تُفْلِح بكل
سلطانها وطغيانها - طوال أكثر من سبعين عامًا - أن تصرف أكثر من سبعين مليون مسلم،
يعيشون في جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة، عن دينهم وعن هويتهم، وإن كانت قد أفلحت
في تغيير أفكار وسلوكيات الكثيرين منهم. وسرعان ما ظهرت حركات انفصالية ودعوات
إسلامية ترفع المصاحف فوق رؤوسها وتنادي بعودة الإسلام إلى بلاد ما وراء النهر.
وكانت جمهورية الشيشان والأنجوش التي يترأسها الجنرال جوهر دوداييف، والتي تقع في
قلب روسيا، من أسبق الجمهوريات في ذلك. وسرعان ما تبعتها جمهوريات إسلامية أخرى من
أبرزها طاجيكستان، التي نجح حزب النهضة الإسلامي - الذي أُسِّس سرًا عام 1977 - من
أن يشكل مع بعض التجمعات الأخرى قوة أجبرت الرئيس الطاجيكي الشيوعي رحمن نبييف أن
يقبل في مايو الماضي اتفاقًا يقضي بتشكيل حكومة ائتلافية يتولى زعماء المعارضة
مقاعدها، بما في ذلك أهم وزارتين وهما الدفاع والداخلية، نظير احتفاظه بمنصب
الرئاسة. ولم يكن هذا الاتفاق الذي أُجبر عليه نبييف الشيوعي العتيق الذي يحكم
طاجيكستان منذ عهد بريجنيف، والذي رفض تغيير اسم الحزب الشيوعي السوفيتي في
الجمهورية، إلا نهاية للحزب الشيوعي في طاجيكستان، كما رأى أكثر المراقبين في
حينه، بعدما تمكن الإسلاميون خلال شهرين من المظاهرات أن يشلوا الحياة الاقتصادية
كليًا في العاصمة الطاجيكية دوشنبة. لذلك حينما حان موعد تنفيذ الاتفاق، رفض نبييف
تنفيذ الاتفاق خوفًا من قدرة الإسلاميين على الاستيلاء على مقاليد الحكم في
الجمهورية. وبعد صراع بين الطرفين، تمكن الإسلاميون في السابع من سبتمبر الماضي من
الإطاحة بالرئيس الشيوعي رحمن نبييف الذي فر إلى موطنه في مقاطعة لنين آباد في
شمال البلاد.
التدخل الروسي ومجزرة المشردين
ولم يكن للروس
أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام استيلاء الإسلاميين على مقاليد الحكم في طاجيكستان.
ورغم إعلان يلتسين عن عدم تدخل القوات الروسية المقيمة في الجمهورية، إلا أنه
دعمهم بأكثر من 800 مظلي، تحت حجة حماية الروس المقيمين في الجمهورية، ليصل عدد
القوات الروسية المدربة والمسلحة تسليحًا جيدًا إلى ما يقرب من اثني عشر ألف مقاتل
12,000. دعموا القوات الشيوعية في معاركها ضد الإسلاميين في طول البلاد وعرضها، لا
سيما في الجنوب، ففعلوا فيها ما فعلوه في أفغانستان من قبلها.
وقد أشارت مصادر
عديدة إلى أن موسكو قد أرسلت ثلاثة آلاف جندي 3,000 ممن حاربوا في أفغانستان؛ لدعم
القوات الروسية والشيوعيين الذين تمكنوا - بالفعل - خلال الأسبوعين الماضيين من
إخراج الإسلاميين من العاصمة الطاجيكية دوشنبة، مع استمرار المعارك في جنوب
العاصمة وأماكن متفرقة من البلاد. ومما يميز هذه المعارك المفاصلة الواضحة فيها،
حيث يرفع الحزب الشيوعي الطاجيكي شعار المعاداة للإسلام على حد زعم رؤسائه، ويرفع
الإسلاميون شعاراتهم الإسلامية واضحة أمام الجميع. ومع استمرار هذه المعارك، فإن
المذهل فيها هو حصيلتها المروعة خلال وقت وجيز، ليس في عدد القتلى والجرحى فقط،
والذين لم يتم معرفة أعدادهم بالضبط حتى الآن حيث إنهم تجاوزوا عشرات الآلاف،
وإنما في عدد اللاجئين والمشردين المسلمين الطاجيك الذين اقترب عددهم من المليون
مسلم 1,000,000، من بين خمسة ملايين 5,000,000 هم سكان طاجيكستان. وقد لجأ أكثر من
مائة وخمسين ألفًا 150,000 منهم حتى الآن إلى أفغانستان المجاورة، التي لم تَلْتَئِم
جراحها بعد، ولا زال أكثر من ثلاثة ملايين 3,000,000 من سكانها مهاجرين في
باكستان.
جرح جديد وأمل صاعد
إن أيدي الروس
تبدو ملوثة بدماء المسلمين الطاجيك، كما لوثت بدماء المسلمين الأفغان من قبلهم.
ولعل من أهداف التقارب الروسي الغربي القائم الآن هو أن تتولى روسيا مهمة شرطي
المنطقة؛ لضرب التوجهات الإسلامية المتصاعدة والنامية في آسيا الوسطى، لا سيما بعد
تمكن المجاهدين من السيطرة على مقاليد الحكم في أفغانستان، ووصول الإسلاميين في
طاجيكستان - بالفعل - إلى سدة الحكم، حيث إن سيطرة الشيوعيين على العاصمة دوشنبة
الآن لن تكون نهاية المطاف. وإذا كانت باكستان ظهرًا وعونًا للمجاهدين الأفغان
طوال سنوات جهادهم، فربما سَرَت أقدار الله - عز وجل - حتى تكون أفغانستان الآن -
رغم كل ما فيها - سندًا وعونًا لمسلمي طاجيكستان، بعدما فتحوا جبهة جديدة للجهاد
في آسيا الوسطى، على خُطى الجبهات المفتوحة في فلسطين والبوسنة وأماكن أخرى من
العالم. إن ما حدث في طاجيكستان هو جرح جديد - دون شك - في الجسد الإسلامي المنهك،
لكنه أيضًا أمل جديد على طريق عودة الإسلام إلى آسيا الوسطى. ومع انشغال المسلمين
بالجراح النازفة في البوسنة وفلسطين، فعليهم أن ينظروا إلى محنة مليون مسلم في
طاجيكستان شردهم الشيوعيون داخل وخارج بلادهم خلال الأسابيع الماضية.
إن ما يحدث في
طاجيكستان الآن ليس سوى مرحلة جديدة من مراحل الصراع بين الحق والباطل تبدو واضحة
المعالم. وإذا كانت الغلبة اليوم للشيوعيين فيها؛ لأنهم أكثر مالًا وعتادًا، إلا
أن وعد الله لجنوده سوف يتحقق فيما بعد ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 36) ﴿وَاللَّهُ
غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل