العنوان حلف استقرار القوقاز.. محاولة لإزاحة الهيمنة الروسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-2000
مشاهدات 78
نشر في العدد 1388
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 15-فبراير-2000
- الولايات المتحدة تخترق المنطقة عبر بوابته ومن خلف تركيا
الاقتراح الذي أعلن عنه الرئيس التركي سليمان دميريل خلال زيارته إلى جورجيا يوم 15/1/ 2000م بإنشاء حلف الاستقرار في القوقاز، تعبير عن الرغبة في قوقاز جديدة لا تخضع للهيمنة الروسية، وفي حالة إمكانية تنفيذ حلف الاستقرار الذي لقي القبول من قِبّل الولايات المتحدة، فسيكون من الصعب على روسيا بعد ذلك إعادة نفوذها إلى منطقة القوقاز التي تعتبرها حديقتها الخلفية، وفي هذه الأثناء وبعد إعلان الاقتراح بيوم واحد فقط جاء إيفان إيفانوف - نائب وزير الخارجية الروسية - إلى أنقرة ليعلن رغبة بلاده بالانخراط في مثل هذا الحلف.
ويرى المراقبون أن إنجاز «حلف استقرار القوقاز» الذي اقترحته تركيا بهدف تحقيق السلام والاستقرار في هذه المنطقة، مرهون «بدعم العنصر العسكري»، وأنه يجب ألا ينظر إلى مثل هذا الحلف بمنأى عن منظمة تعاون دول حوض البحر الأسود ومشروع دول القوقاز، وأن «قوة النداء» المشكلة ضمن نطاق هذه المنظمة هي النموذج المطلوب للعنصر العسكري.
لقد أصبح حلف استقرار القوقاز أملًا جديدًا لدول القوقاز حديثة الاستقلال في بحثها عن التطور الديمقراطي والاقتصادي، فدول جورجيا، وأذربيجان، وأرمينيا التي نشأت عقب انهيار الاتحاد السوفييتي انشغلت بالأزمات الاقتصادية الطاحنة من جهة، والاضطرابات الداخلية من جهة أخرى، ولم تجد الفرصة لتحقيق نهضتها الاقتصادية، كما لم تتمكن من التخلص من نفوذ روسيا الاتحادية، أما حلف التعاون القوقازي الذي اقترحته تركيا، فيهدف إلى ترسيخ استقلال هذه الدول من جهة، والحيلولة دون تعرض الدول الآسيوية لنفس هذه الضغوط من جهة أخرى، خاصة ونموذج حلف الاستقرار الذي سيحقق نقل البترول والغاز الطبيعي من منابعه في حوض بحر قزوين إلى الأسواق العالمية عبر جنوبي القوقاز وتركيا، أثبت نجاحه في البلقان.
في اجتماع الحلف الذي عقد عام 1999م بحضور أربعين دولة لبحث إعادة البناء في منطقة البلقان بعد حربي البوسنة وكوسوفا، تم تحديد ثلاثة شروط لا بد منها في البلقان وهي الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإعادة تشكيل البنية الاقتصادية، والأمن، وطلب الاجتماع من كافة الدول تحمل مسؤولياتها من أجل ترسيخ حقوق الإنسان والديمقراطية في المنطقة، كما تبنى المجتمعون تشكيل مكاتب إقليمية لتنفيذ القرارات المتخذة في هذا الاجتماع، أما عنصر الأمن الذي قرره حلف البلقان فقد تم تدعيمه بقوة «استقرار البلقان» التي اتخذت من مدينة فيلبه البلغارية مقرًا لقيادتها.
وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن هناك نية تركية لتشكيل قوة مشابهة للعمل في القوقاز تكون مشابهة لــ«قوة النداء» التي تشكلت ضمن إطار منظمة التعاون بين الدول المطلة على البحر الأسود، وقوة النداء هذه ستكون جاهزة للتدخل لفض الاشتباكات التي قد تحدث في المنطقة ذات العلاقة، لكن هذه المصادر تشير أيضًا إلى أن هذه القوة لم تدخل حيز التنفيذ وأن منظمة التعاون بين الدول المطلة على البحر الأسود، وهي منظمة اقتصادية بالدرجة الأولى، ليست على عجلة من أمرها في هذا الشأن.
وضمن هذا الإطار هناك اقتراح بتنفيذ برنامج الشراكة من أجل السلام الذي شكله حلف شمالي الأطلسي، وفي إطار هذا البرنامج تقيم تركيا علاقات تعاون عسكري بينها وبين جورجيا وأذربيجان، حيث تتولى تركيا تدريب ضباط البلدين بالإضافة إلى إرسال اثنين من ضباطها لمراقبة الحدود الجورجية - الروسية.
وخلال زيارة الرئيس دميريل الأخيرة تم التوقيع على اتفاقية للتدريب في مجال الطيران الحربي، وتؤكد المصادر الدبلوماسية على ضرورة التلازم بين إعادة البناء في المنطقة وبين مشروع عبر القوقاز، هذا المشروع الذي يهدف إلى إحياء طريق الحرير وتسهيل انفتاح دول المنطقة على أوروبا يتضمن إنشاء خطوط حديدية وبرية جديدة وإنشاء خطوط وشبكات الطاقة فيما بينها.
التجربة الثالثة في القوقاز
المحاولة الأولى لتشكيل حلف القوقاز الذي اقترحه الرئيس دميريل على المجتمعين بمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي يوم الثامن عشر من نوفمبر العام الماضي بدأت عام 1995م، وكانت هذه المحاولة من الرئيس الجورجي أدوارد شيفرنادزه الذي قرر عقب انتهاء الاضطرابات التي شهدتها بلاده الانفتاح على دول الجوار وتشكيل مجموعة إقليمية من دول المنطقة، وقد فشلت هذه المحاولة بسبب إقحام روسيا الاتحادية نفسها والعمل على تمييع المسألة، والمحاولة الثانية لتحقيق الاستقرار في المنطقة جاءت في عام 1997م من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، فقد اجتمعت وزيرة خارجيتها مادلين أولبرايت بوزراء خارجية دول المنطقة واقترحت عليهم تحركا مشتركًا في القوقاز، لكن هذه الخطة لم تتحقق بسبب عدم توافر الظروف السياسية المناسبة لها، أما المحاولة الثالثة والأخيرة فكانت في شكل حلف بتصور مشترك من قبل كل من تركيا وجورجيا وأذربيجان.
استقرار القوقاز
وفي حالة كسب هذه المبادرة دعم دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، فإن الرغبة لدى أرمينيا ستزداد في حل مشكلة قراباغ بينها وبين أذربيجان وإن بقيت قضيتا الشيشان وأبخازيا.
من المعروف أن روسيا تتعامل مع الدول المطلة على بحر قزوين ضمن إطار سياسة التوسع بدافع قومي جامح ومتطرف، وتسعى جاهدة كي تبقي أنابيب النفط التي تنقل مصادر الطاقة إلى الأسواق العالمية تحت سيطرتها، وتضمن بذلك استمرار هيمنتها على دول المنطقة، ومن حق تركيا أن تشعر بالقلق من إصرار روسيا على مواصلة حرب خطوط الطاقة وقطع الطريق على تركيا.
فمن جهة تقوم موسكو بإنشاء خط جديد بديل لخط أنابيب باكو - نوفورسيسك المار من جروزني الذي تعطل بسبب الحرب الشيشانية، ومن جهة أخرى تواصل ضغطها الشديد على جورجيا لإجهاض مشروع خط أنابيب باكو - تفليس - جيحان، وتتهم تفليس بمساعدة الشيشان.
ولما كانت البنية الاجتماعية في جورجيا هشة بسبب كثرة الأعراق فيها، فإنه من السهل على روسيا أن تحرض الأبخاز والأوسيتيين للانفصال عن جورجيا، ولذلك فإن جورجيا تشعر بالقلق الشديد من قيام موسكو بنقل الحرب الشيشانية إلى أراضيها، وتشاركها في هذا القلق كل من تركيا وأذربيجان، هذا القلق المشترك هو الذي دفع بالرئيس التركي سليمان دميريل لتقديم اقتراحه بإنشاء «حلف الاستقرار» في القوقاز وبذل أقصى الجهد لتذليل العقبات الفنية والقانونية أمام مشروع باكو - تفليس - جيحان بأقصى سرعة ممكنة.
وهكذا فإن طريق الأمن والاستقرار بمنطقة القوقاز يمر عبر واشنطن، والواقع فإن الوثائق الرسمية تؤكد على أن للولايات المتحدة سياسة محددة حول هذا الموضوع، وجاء في الوثيقة التي نشرها البيت الأبيض بتاريخ 17 ديسمبر 1999م تحت عنوان «مذكرة معلومات حول سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالطاقة في حوض بحر قزوين» أن الولايات المتحدة الأمريكية ملتزمة بحماية استقلال الدول حديثة العهد المطلة على بحر قزوين، وتأمين إيصال مصادر الطاقة إلى الأسواق العالمية من دون عائق.
وفي الوثيقة أيضًا تأكيد صريح على مقاومة سياسة الهيمنة الروسية التي تهدف إلى السيطرة الاستراتيجية على حوض بحر قزوين، وعدم تسليم مصير دول المنطقة لموسكو.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن على واشنطن أن تبعث برسالة صريحة وجادة تكفي لثني بوتين الذي تولى مقاليد الحكم في موسكو عن الحسابات الخاطئة وعدم إقلاق راحة دول القوقاز وسحب يده من المنطقة.
ومن حسابات بوتين، أن انتصاره على الشيشان يفتح أمامه طريق الرئاسة.. فهو يريق دماء الأبرياء لتحقيق ذلك، ويرفض محاولات الوساطة، فمتى تتخلى الولايات المتحدة ودول الوحدة الأوروبية التي تقف روسيا على قدميها بمساعداتها المالية عن مشاركتها بهذه الجريمة؟ أم تسعى هي الأخرى لحمل بوتين إلى سدة الرئاسة عبر بحر من الدماء الشيشانية؟