العنوان الحركة اليسارية في أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1981
مشاهدات 69
نشر في العدد 554
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 29-ديسمبر-1981
الحركة الشيوعية تأخرت في أفغانستان حتى الخمسينيات خلافًا لأقاليم المسلمين الأخرى؛ وذلك بسبب طبقية شعب أفغانستان.
اليسار في أفغانستان انقسم إلى انقسامات عديدة على الرغم من قصر عمره.
سمع العالم يوم 27 نيسان «أبريل» 1978م أن انقلابًا عسكريًّا نجح في أفغانستان وأطاح بنظام محمد داود. وظن الناس أن الأمر لا يعدو انقلابًا عسكريًّا ثانيًا في البلاد كما يحدث في جوار البلد كباكستان وبنغلاديش والعالم العربي، ولكن بعد أيام تبين أن هناك تغييرًا أساسيًّا، وأن الانقلاب وإن قام به العسكريون فقد عكس قوى سياسية أوسع، وأن الانقلاب ما هو إلا تنفيذ لأوامر تنظيم سياسي ماركسي سري غالبية أعضائه من المدنيين. وأن حزبًا يدعى «حزب الشعب الديمقراطي» عمد إلى توطيد سيادته بحكومة جديدة يرأسها نور محمد تراقي تنادي بشعارات تحقيق الإصلاح الزراعي والمساواة بين القوميات وتحرير المرأة.
وقد تحرك الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه بعزم شديد لدعم النظام الجديد، بينما اكتفت حكومة الولايات المتحدة بالكلام وشنت حربًا دعائية شبيهة بالحملة الكلامية التي شنتها ضد التدخل السوفيتي في أنغولا وإثيوبيا، والتي تظهر ما خفي من وفاق على تقاسم النفوذ في العالم.
ونعود بالقصة إلى أولها ونتحدث حسب الترتيب الزماني عن نشوء الحركة اليسارية في أفغانستان وتطورها.
نشوء اليسار:
لم يؤسس في أفغانستان حزب شيوعي أفغاني في سني الكومنترن الأولى 1917م، خلافًا لبقية البلدان الأسيوية المتاخمة للاتحاد السوفيتي مثل تركيا وإيران والصين ومنغوليا وكوريا؛ وذلك لاعتبارات متعددة قد يكون من أهمها طابع المجتمع الأفغاني المحافظ أكثر من سواه.
ولم تنشأ الحركة الشيوعية الأفغانية بشكل واضح إلا في أوائل الخمسينيات، وقد سهل ظهورها أمران: المساعدات التي قدمها الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، ثم الحركة الديمقراطية التي تأسست خلال الأعوام من 1949 – 1952، والمنتسبون الرئيسيون كانوا آنذاك إما من رجال الفكر أو من ضباط الجيش ممن اتصل بالأفكار الروسية من خلال عمله. وقد ابتدأت الحركة بتطور أساسي، حيث ظهرت حركة معارضة في المدن وكانت جهورية ضمنًا، مستغلة الحرية التي فتحت للشعب سواء حرية الانتخابات أو حرية الصحافة، وقد عرفت هذه الحركة باسم «ویخی زالمايان» أو حركة يقظة الشباب، وتأسست عام 1947م. وخلال السنوات 1949 - 1952 كان قرابة خمسين نائبًا من أصل مائة وعشرين في مجلس البرلمان الأدنى متعاطفين مع هذه الحركة، وكان من بين أعضاء هذه الحركة رجلان أصبحا من المهيمنين فيما بعد في حزب الشعب الديمقراطي، وهما: نور محمد تراقي زعيم الانقلاب الثاني ضد محمد داود وبابراك كارمل زعيم الانقلاب الأخير الذي جاء على أسنة الرماح السوفيتية.
تأسس حزب الشعب الديمقراطي سرًّا عام 1951م. وليس واضحًا العلاقة المباشرة بينه وبين حركة «ویخی زالمايان»، ولو أن الأخيرة تركت أثرها في العاملين في الحزب وكارمل أحدهم. وفي عام 1964م غدت بعض الحركات السياسية ممكنة في ظل الديمقراطية الجديدة التي منحها محمد ظاهر شاه للشعب.
وظهرت المعارضة ثانية وانتظر الكثيرون السماح بحرية الأحزاب. عقد حزب الشعب مؤتمره الأول والوحيد في كابول في يناير «كانون الثاني» 1965م ووضع برنامجًا شيوعيًّا واضحًا وانتخب لجنة مركزية من تسعة أعضاء يرأسها نور محمد تراقي بصفته أمينًا عامًّا، ومن أعضائها بابراك كارمل، كما انتخب المؤتمر لجنة رديفة من عشرة أعضاء منهم حفيظ الله أمين، ونشر جريدة «خلق» أي الشعب بموجب قانون الصحافة الجديد، ولكن لم يظهر منها سوى ستة أعداد ثم أغلقتها الحكومة لأنها كانت تشيد بثورة «تشرين العظيمة» ثورة البولشفيك.
والأعوام من 1964 - 1970 كانت سنوات مليئة بالأحداث؛ حيث انتشرت الأفكار اليسارية في صفوف الشباب المثقف، وأصبحوا قوة لا يستهان بها، وقاموا بعدة إضرابات ضخمة.
1- من الملاحَظ بوضوح في كل الأقطار أن اليساريين يستغلون الأجواء الديمقراطية والحريات الدستورية السائدة في بلد ما لإعلان آرائهم وبث أفكارهم، وتنظيم صفوفهم، وتلح وسائل إعلامهم دومًا على مزيد من الديمقراطية ومزيد من الحريات، حتى إذا استلموا السلطة، وتمكنوا من رقاب الشعب، حاربوا الحريات وكمموا الأفواه وحرموا جميع الحقوق حتى حق الحياة، وأباحوا لأنفسهم في سبيل تدعيم حكمهم أقسى أنواع الإرهاب والديكتاتورية والتنكيل الوحشي بالشعب الذي يخرجهم حتى عن صفة الإنسانية، ضاربين عرض الحائط بالشعارات التي رفعوها والمبادئ الخادعة التي نادوا بها.
الانقسام: أدت الظروف التي وجد اليسار نفسه فيها إلى انقسامات عديدة. فقد نشأت في السنوات التي تلت مؤتمر حزب الشعب الديمقراطي ثلاثة تيارات، اثنان منها: خلق «الشعب» وبرجم «الراية»، وقد بقيا في قلب حزب الشعب، ولكن على صلة ضئيلة. أما الثالث فهو الماركسي اللينيني «ستامي ميلي» أي الاضطهاد الوطني، وقد تبنى لونًا من الماوية وانفصل انفصالًا تامًّا.
ففي يونيو «حزيران» 1967م حدث الانشقاق وظهر خلق وبرجم انعكاسًا لعوامل سياسية وشخصية. وكان الخلاف الكبير والأهم بين الزمرتين هو طبيعة العمل في القوات المسلحة، فبينما غدا المجال العسكري أساسًا في نشاط برجم، رفضت «خلق» العمل بين القوات المسلحة لأنه يخالف قواعد العمل الحزبي اللينينية، وهكذا تحالفت برجم مع داود وتم التعاون بينهما للتآمر ضد الملك، وعندما قامت أزمة السبعينيات على ما ذكرنا آنفًا بدأ تدبير الانقلاب. وفي 17 يوليو «تموز» 1973م اضطلعت القوات المسلحة بالحكم ووجدت برجم نفسها شريكًا في السلطة.
ولكن عندما قوِي نظام داود حصل صدع كبير بينه وبين «برجم» واتجه نحو «خلق» التي تعلمت حاجة العمل في الجيش.
الماوية الأفغانية:
ظهر بالتوازي مع هذا التطور ميل منفصل متجه «ضد التحريفية» إلى مواقع موالية للصين، وانفصلت جماعة عن حزب الشعب بقيادة عضو اللجنة المركزية طاهر بدخشي وسمت نفسها ستامي ملي، أي الاضطهاد الوطني، وأعلنت أنها ماركسية لينينية وأدانت خلق وبرجم بأنهما عميلتان للطبقة الحاكمة؛ وهذا يعني وقبل كل شيء عداءً لا هوادة فيه لمفهوم بشتونستان وتحالفًا متينًا بينهم وبين باكستان.
وهناك تيار ماركسي لينيني انفصل عن ستامي ملي واتخذ طريقًا آخر في معارضة النظام، وقد عرف باسم «شولابي جاويد» أي الشعلة الخالدة، وهي تيارات موالية للصين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل