; أزمة الديون العالمية: | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الديون العالمية:

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1984

مشاهدات 69

نشر في العدد 688

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 23-أكتوبر-1984

ديون الفقراء تهدد الأغنياء

احتلت مشكلة الديون مركز الصدارة بين المسائل التي طرحت في الاجتماع المشترك بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خلال الأسبوع الفائت وذلك نظرًا للقلق الذي ظلت تمثله منذ عام ۱۹۷۸ كأعقد أزمة تواجه النظام الاقتصادي العالمي بعد الأزمة المتولدة عن الحرب العالمية الثانية، ولقد دلت الدراسات الإحصائية بشأن الأزمة على مقدار المعاناة التي تواجه الدول المدينة. ففي عام ۱۹۸۲م بلغت

فوائد الديون ٤٥% من مجموع صادرات الدول الآخذة في النمو، وإذا ما حاولت هذه الدول أن تدفع أقساط ديونها المستحقة- والتي تقدر بـ٥٠٠ مليار دولار- فإن النسبة ٤٥ تزداد بصورة هائلة مما تزداد معه الحاجة إلى قروض جديدة. ومن الطبيعي أن تؤدي زيادة القروض إلى ارتفاع في تسديد أقساطها مع الفوائد المستحقة مما يؤدي بدوره إلى استنزاف حصيلة الصادرات ويحتم هذا بدوره مزيدًا من الكساد في الاقتصاد العالمي، وبذلك تضع أزمة الديون الدائنين والمدينين في إشكالية متقاربة.

تفاقم الأزمة

لقد تضافرت عدة عوامل في تشكيل أزمة الديون بصورتها الماثلة، ففي نطاق الدول الآخذة في النمو يتضح عنصر السياسات الاقتصادية الطموحة من أجل تحقيق التنمية، فكانت ضرورة التوسع المالي والنقدي مع الشح القائم أصلًا في الإنتاج المحلي، مما حتم أهمية التمويل الخارجي. غير أن التوسع في تحقيق البرامج التنموية الطموحة لم يأت بالعائد المنشود، بل تبدت مظاهر العجز على ميزان المدفوعات وتعددت صور الاضطراب الاقتصادي- كالتضخم مما أدى بدوره إلى اتساع الاقتراض قصير الأجل الأمر الذي زاد من كلفة التسديد في الأقساط والفوائد الربوية، والتي قد تصل أحيانًا إلى أكثر من۲۰% بالنسبة لمعظم البلدان الآخذة في النمو، ومما زاد من تطور أزمة الديون- للبلدان النامية أن توجهاتها نحو تحقيق التنمية جاءت في ظروف دولية معاكسة، حيث اتسع معدل التضخم العالمي واتسمت فترة ٧٥- ۱۹۸۲م بعدم الاستقرار الاقتصادي وتوسعت آثار المضاربة النقدية على العملات الرئيسة وأصبحت تقلبات أسواق النقد الدولية تفرض اتخاذ سياسة نقدية انكماشية حتى تتحاشي الدول المتقدمة آثار التضخم. وتمنح درجة من الثبات لعملتها الوطنية. ومما زاد من تعقيد الأزمة بالنسبة للبلدان الآخذة في النمو- غير النفطية- ارتفاع أسعار النفط لما كانت هذه البلدان تعتمد على الدول المتقدمة في تأمين احتياجاتها الاستهلاكية والتي أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكلفتها مما جعل السيولة الناتجة عن القروض تذهب في تأمين الحاجات الاستهلاكية بعيدًا عن قنوات الإنتاج. ومن العوامل التي أكدت أزمة البلدان النامية ضياع الأمل في أن تجني هذه البلدان عوائد بعض استثماراتها التنموية من خلال صادراتها في المواد الأولية والصناعة التحويلية. فقد تدهورت أسعار المواد الأولية نتيجة للجشع الاحتكاري للدول الصناعية المتقدمة، وبذلك أصبحت إنتاجية البلدان النامية من المواد الأولية وصناعتها التمويلية بلا عائد حقيقي في ميزانها التجاري، إن لم تكن تشكل عبئًا عليه. أما في نطاق الدول الصناعية المتقدمة «المصدر الأساسي للديون» فقد تشكلت الأزمة في حقها في صورة التضخم النقدي والتراجع الكبير في معدلات نموها. ولقد تزامنت آثار وتبعات أزمة الديون مع أزمة الطاقة فكانت مما زاد الطين بلة- كما يقولون- فضلًا عن أن التهديد الذي يواجهه النظام المالي العالمي- الرأسمالي- بصفة عامة إذا ما تعذر على الدول النامية سداد ديونها.

الأزمة وصندوق النقد الدولي 

أعطى صندوق النقد الدولي اهتمامًا ملحوظًا لأزمة الديون العالمية ويتضح ذلك بصورة جلية في التدخلات المباشرة للصندوق لتصحيح وضعية الهياكل الاقتصادية للدول المدينة لوجهة نظره الرامية إلى الاعتماد على جهود الدول المدينة حيث يتم تركيز الإنجاز في برامج التنمية على  المشاريع ذات العائد  السريع مع اتباع سياسة التقشف في الإنفاق وتخفيض سعر العملة الوطنية. ويتجاهل الصندوق ما يترتب على سياسة التقشف في الدول النامية من ردود فعل سياسية قاسية- نيجيريا، الأرجنتين، وغيرها- وخلقه لنوع من عدم الاستقرار السياسي وما يتبع ذلك من تغيير للسياسة المالية للدولة. وتخبط في مجالاتها الاقتصادية مما يحول عجلة الإنتاج عن تقدمها وتزداد نفقات الدولة في أسباب الاستقرار السياسي. 

ويفتخر صندوق النقد الدولي على لسان مديره العام- ده لاروزيير- بأن إنتاج السياسة التصحيحية للأوضاع الاقتصادية للبلدان النامية- وإعادة الجدولة للديون التي يتبناها الصندوق- قد أتت بنتائج مدهشة. ومهما حاولنا أن نحسن الظن بالصندوق وبسياسته التصحيحية إلا أنه يبقى تركيز حل الأزمة على حساب الدول النامية ولمصلحة الدائنين «الجانب الأقوى». ولقد دلت التجارب على أن اتباع نصائح صندوق النقد الدولي تورد الدول النامية موارد مهلكة ويتضح ذلك في أكثر من دولة وكما حدث في- مصر- السودان، البرازيل والأرجنتين، وغيرها وما زالت آثار السياسة التصحيحية تولد مزيدًا من المتاعب لبلدان العالم الثالث، وذلك لأن سياسة الصندوق كنتيجة نهائية تعمل لاسترداد الدول الدائنة «المتقدمة» لديونها بغض النظر عما يترتب على عملية الاسترداد من متاعب اقتصادية فضلًا عن أن الاسترداد ليس لأصل الدين، وإنما مضافًا إليه فوائد ربوية مركبة قد تصل أحيانًا أكثر من ١٥% من رأس المال. وتتضاعف كلما امتد عمر الأزمة وعجزت الدولة المدينة عن الإيفاء بالأقساط المستحقة وفوائدها.

ولقد حاول مدير صندوق النقد الدولي التماس العذر في أن حلول الصندوق تبقى جزئية طالما أن مهمته تقتصر على معالجة مشاكل النقص في السيولة الدولية وأزمات الدفع التي تعاني منها الدول المدينة، غير أن السلوك والمواقف العديدة للصندوق لا تترك مجالًا لتبرئة ساحته أو تحسين صورته، فانحيازه الكلي لصالح الدول المتقدمة «الدائنة» وممارسته شتى الضغوط على الدول النامية «المدينة» وتجاهله لانعدام العدالة في استحقاق الديون بفوائدها الفاحشة يجعل الصندوق في درجة التواطؤ مع الدول «المتقدمة الدائنة» وحتى القروض التي يعد بها الدول النامية تعد شروطها جزءًا تكميليًا لدوره في تقديم خدمات الامتياز للجانب الأقوى للدول المتقدمة ويصبح الأمر مكشوفًا جدًا إذا علمنا أن الصندوق تتوزع «الدول المتقدمة» النفوذ فيه تناسبًا مع حصة الإسهام في ماليته العامة وبما أن الولايات المتحدة تسهم بقدر كبير نسبيًا فإن نفوذها هو الأعظم.

الأزمة والعالم الإسلامي

يتحمل العالم الإسلامي نصيبًا وافرًا من معاناة أزمة الديون العالمية غير أن المعاناة تصبح متفاوتة في نسبتها بين الدول النفطية وغير النفطية، ففي إطار الدول النفطية تعد الأزمة عنصرًا فعالًا في انخفاض أسعار النفط وذلك بإشاعتها لأجواء الكساد التجاري واتخاذ الدول غير الصناعية والصناعية معًا تدابير واسعة في استخدام الطاقة البديلة وتقليل الاعتماد على النفط. كما أن الأزمة أوجدت نوعًا من الواجب الأخلاقي على دول النفط تؤديه للدول المدينة، هذا في إطار الدول النفطية، أما في جانب الدول الإسلامية- غير النفطية- فقد عانت وما زالت تتحمل خزائنها عبئًا مزعجًا من جراء الأزمة حيث تنوء هذه الدول بالديون وفوائد الديون الربوية، والتي أصبحت هناك استحالة في تسديد أقساطها المستحقة لدى كثير من دول العالم الإسلامي «السودان- مصر والدول الإفريقية جنوب الصحراء».

وفي نطاق إيجاد الحلول لتجاوز الأزمة وفك حصارها المستقبلي يقتضي تبني موقف جماعي شمولي يتحرر من قبضة النظام الاقتصادي القائم ويتجه نحو أصولية الذات المسلمة. فأزمة الديون العالمية تعتبر في الحدود الفكرية الإسلامية إحدى الظواهر المرضية للنظام الرأسمالي الذي يتحكم في مقادير التبادل والتمويل الدولي. وتجسيد حي للظلم الناتج عن النظام الربوي كما أن الأزمة تشير بإصبع الاتهام إلى الاحتكارية الدولية للدول المتقدمة في تدني أسعار المواد الأولية والتي تمثل الجزء الأعظم في صادرات الدول النامية. وبما أن المؤسسات المالية الدولية قد تجاهلت عنصر العدل في تعاملها مع الأزمة فإن الحل الإقليمي يصبح قدرًا ومصيرًا لا سبيل لتجاوزه وهو الأفيد على أقل تقدير- في نطاق العالم الإسلامي. وفي ذات الإطار فالفرصة مواتية للمؤسسات المالية والدول النفطية لتلعب دور الريادة في إزاحة الظلم عن كاهل الدول الإسلامية المدينة. ففي نطاق المصارف الإسلامية- بنك التنمية الإسلامي- واتحاد البنوك الإسلامية- وغيرها يمكن أن يتجه الدعم للدول المدينة في إنجاز المشاريع ذات النفع  السريع وفقًا لنظام المضاربة الإسلامية والمشاركة. وفي إطار الدول النفطية فليس أقل من دعم الميزان التجاري للدول الإسلامية المدينة وتوفير حاجتها من النقد الأجنبي، حتى تتخلص من آثار الأزمة سيما إذا علمنا أن الدول الإسلامية النفطية تسهم بنصيب كبير في صندوق النقد الدولي والعربية السعودية تسهم بما يؤهلها لتأخذ مكان- العضو المشارك وكل هذا الإسهام- للصندوق- لا يصل للدول الإسلامية والعربية منه إلا أقل القليل ويمضي معظمه في إطار خدمة المصالح والسياسة الغربية.. ومما يدعم تجاه الدول النفطية والمصارف الإسلامية والمؤسسات العربية ذات النفع الإقليمي في تركيز الاستثمار في الدول الإسلامية المدينة- زوال الوهم الغربي في عدم جدوى الاستثمار في الدول المتخلفة بعد نجاح كثير من المشاريع العربية والغربية في هذه الدول.

ويبقى بعد ذلك تكتل الدول الإسلامية- المدينة- والمنتجة للمواد الأولية من جل حماية منتجاتها وتحسين وضع السوق الدولي لها مما يتوافر معه إعادة موازين العدل للنظام الاقتصادي في تبادله التجاري ويتوقف النهب المنظم لثروات الدول الإسلامية بخاصة والدول النامية بعامة، فهل نطمع في أن تصبح أزمة الديون العالمية مدخلًا لخلق نظام اقتصادي عالمي جديد؟!

الرابط المختصر :