العنوان الأردن: العلاقة تتحول إلى عبء أمني وسياسي كبير
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 25-أغسطس-2001
مشاهدات 121
نشر في العدد 1465
نشر في الصفحة 28
السبت 25-أغسطس-2001
- مقتل إسحق شنير في عمان يعبر عن مشاعر الغضب المتنامية ضد استمرار العلاقات الأردنية الصهيونية.
- تل أبيب قلقة للغاية وتخشى اتساع دائرة استهداف اليهود على المستوى الشعبي ربي والإسلامي.
مقتل اليهودي إسحق شنير بثماني رصاصات في العاصمة الأردنية عمان مؤخرًا شكل الحادث الأخطر الذي يتعرض له صهاينة في الأردن منذ توقيع معاهدة وادي عربة أواخر عام ١٩٩٤، وقد حاول مسؤولون أردنيون التقليل من أهمية هذا الحادث، حيث رجح بعضهم بصورة متسرعة وقبل استكمال التحقيقات أن تكون الدوافع جنائية لا سياسية، ومتعلقة بطبيعة عمل شنير كتاجر ماس، كما لم تستبعد أوساط أمنية أن تكون مافيا صهيونية قد حضرت من فلسطين المحتلة لتنفيذ عملية القتل.
ولكن هذه الرواية لم تكن مقنعة لا سيما وأن مجموعتين سريتين أعلنتا مسؤوليتهما عن العملية وقالتا إن القتيل شنير كان يعمل تحت غطاء رجل أعمال، وإنه كان في حقيقة الأمر يعمل مع جهاز «الموساد» ورجح الملحق الإعلامي في السفارة الصهيونية في عمان روني جلعاد وجود دوافع سياسية وراء عملية القتل، لا سيما وأنها جاءت متزامنة مع تصاعد الأوضاع في الأراضي المحتلة.
وتشير الطريقة التي نفذت بها العملية إلى أن الجهة التي وقفت وراءها قامت بعملية رصد وتتبع جيدة قبل الإقدام على التنفيذ، كما يتضح من الملابسات أن مسدسات مزودة بكواتم صوت قد استُخدمت في تصفية شنير.
ويشكل مقتل شنير الحادث الثالث الذي يتعرض فيه صهاينة لعمليات تستهدف حياتهم منذ بداية الانتفاضة حيث كان دبلوماسيان صهيونيان تعرضا العام الماضي لعمليات إطلاق نار في حادثين منفصلين أسفرا عن إصابتهما بجروح، واتخذت إثر ذلك احتياطات أمنية مشددة، وأعيد عدد كبير من العاملين في السفارة وعائلاتهم إلى الأرض المحتلة.
وما يزعج أجهزة الأمن الأردنية أنها لم تتمكن من الوصول إلى أي معلومات حول مجموعتي «أحمد الدقامسة»، وشرفاء الأردن اللتين أعلنتا تبنيهما لعملية القتل، وقد تكرر اسم المجموعة الأولى في العمليتين السابقتين حيث أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذهما ولا تتوفر تفاصيل حول المجموعتين توضح طبيعة توجهاتهما السياسية أو الفكرية، ولكن الاسم الذي أطلقته المجموعة الأولى على نفسها يرتبط بالجندي أحمد الدقامسة منفذ عملية الباقورة التي أدت إلى مقتل ثماني مستوطنات يهوديات والذي يقضي حكمًا بالسجن المؤبد صدر بحقه قبل سنوات عدة.
ويرى محللون سياسيون أن تصاعد أعمال استهداف الصهاينة في الأردن يشير إلى مشاعر الغضب المتزايدة لدى الأردنيين إزاء الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، كما تشير إلى مشاعر الاستياء وعدم الرضا التي تتنامى إزاء استمرار العلاقات السياسية وأعمال التطبيع بين عمان وتل أبيب في ظل المجازر الوحشية التي يتعرض لها الفلسطينيون.
وكانت تقارير إعلامية عبرية أشارت إلى أن وزير الدفاع بنيامين بن اليعازر، قام قبل أيام من عملية قتل شنير بزيارة سرية إلى الأردن أعرب خلالها عن شكره للمسؤولين الأردنيين على منع الأردن للعديد من عمليات تهريب أسلحة لحركات المقاومة داخل فلسطين عبر الأراضي الأردنية، وكذلك منعه تنفيذ عملیات ضد أهداف صهيونية انطلاقا من الحدود الأردنية، وقيامه باعتقال الأشخاص الذين حاولوا تهريب الأسلحة أو تنفيذ عمليات، وكان الأردن أعلن عن اعتقال مواطن لبناني قال: إنه حاول تهريب أسلحة إلى داخل فلسطين وقررت وزارة الخارجية الأردنية إثر هذه الحادثة تغيير إجراءات حصول اللبنانيين على تأشيرة الدخول التي كانت تمنح لهم على الحدود بسرعة وبسهولة، وبات يترتب على اللبنانيين الراغبين بزيارة الأردن التقدم بطلب التأشيرة إلى السفارة الأردنية في بيروت، حيث تطلب السفارة بدورها الموافقة الأمنية من عمان. وقد لقي هذا الإجراء استياء من قبل اللبنانيين ومن قبل السفير اللبناني في عمان الذي وجه انتقادات شديدة اللهجة للإجراءات الأردنية.
وترى أوساط أردنية أن العلاقة مع تل أبيب قد تحولت بالفعل إلى عبء سياسي وأمني كبير.
فسواء أكانت دوافع مقتل إسحق شنير سياسية كما هو مرجح أم جنائية كما تقول الحكومة الأردنية، فقد تحول الأردن إلى ساحة لتصفية الحسابات مع الصهاينة على خلفية سياسية أو نتيجة أعمال تقوم بها مافيا يهودية. كما أن تلك العلاقة عرضت الحكومة الأردنية، وبصورة خاصة بعد اندلاع الانتفاضة، إلى حرج شديد على الصعيدين العربي والشعبي حدث ذلك في مؤتمرات القمة العربية والإسلامية وفي اجتماعات وزراء الخارجية ولجان المتابعة المنبثقة عنها، بسبب اضطرار الأردن المعارضة أي توجهات لفرض المقاطعة السياسية والاقتصادية على العدو، وبسبب الخروج على تلك القرارات في وقت لاحق، وهو الأمر الذي انطبق كذلك على مصر التي تلتزم هي الأخرى بمعاهدة كامب ديفيد.
وعلى الصعيد الشعبي كان التطبيع والعلاقات مع الكيان الصهيوني عامل التوتير الرئيس بين الحكومة والمعارضة بمختلف تلويناتها السياسية، وتحول مطلب إغلاق السفارة الصهيونية في الأردن إلى مطلب شعبي واسع في الشارع الذي يطالب مع قواه السياسية أيضًا بصورة مستمرة بالإفراج عن الدقامسة وقد توجهت عشرات المسيرات الغاضبة في وقت سابق من هذا العام صوب مقر السفارة الصهيونية في منطقة الرابية وسط العاصمة عمان، ولكن قوات الأمن تصدت لها بقوة، وتحولت المنطقة المحيطة بالسفارة منذ ذلك الوقت إلى منطقة شبه عسكرية تتواجد فيها حراسات أمنية مكثفة دفعت العديد من العائلات المقيمة في تلك المنطقة إلى عرض منازلهم للبيع هربًا من الأوضاع الصعبة التي باتوا يعانونها جراء ذلك.
وعلى الصعيد الصهيوني ينظر المسؤولون هناك إلى مقتل شنير في الأردن مع زيادة مشاعر العداء ضدهم في الأردن، والتي لم تعد تقتصر على دعوات المقاطعة ونشاط الجان مقاومة التطبيع كما كان الحال سابقًا، وبدأت تأخذ طابعًا أكثر الترصد للقتل وقد زاد من خطورة عملية مقتل شنير في نظرهم أنها جاءت بعد يوم واحد من مقتل صهيوني آخر في نيجيريا رجحت الأوساط الصهيونية أن تكون دوافعه سياسية أيضًا ومرتبطة باستمرار الانتفاضة الفلسطينية.
الحادثان الأخيران في الأردن ونيجيريا واللذان سبقتهما عشرات الهجمات في أوروبا ضد مواقع يهودية، يمكن أن يمثلا مؤشرًا على توسع ساحة الاستهداف والمواجهة الدائرة في الأراضي الفلسطينية لتشمل أطرافا شعبية عربية وإسلامية، لذا أشارت مصادر أمنية صهيونية إلى أن المسؤولين يشعرون بقلق بالغ إزاء هذه الأحداث، ويحللون أبعادها، ويدرسون دلالاتها بعناية فائقة.