العنوان التطرف: مفاهيمه.. أسبابه.. نتائجه.. علاجه
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
مشاهدات 78
نشر في العدد 1076
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 23-نوفمبر-1993
مركز البديل للإعلام – فيينا
لا تزال الجهات التي تتناول موضوع التطرف في وسائلها الإعلامية تتعامل
مع الظاهرة بمنطق الهجاء، والتعامل مع إفرازاتها بمنطق التقرير البوليسي، لا
بأسلوب الرصد الموضوعي، فضلًا عن تحليلها سياسيًا واجتماعيًا ووضعها في إطارها
القطري والدولي، كحركة احتجاج معارضة لوضع ما يقطع النظر عن الوسائل المستخدمة
والدالة في أغلب الأحوال على مدى السخط واليأس، أكثر منها مزاجًا عدوانيًا غير
مبرر.
وفي نظر الكثيرين من الراصدين للظاهرة؛ فإن الرد على «المتطرفين»
بالهجاء وبنفس الوسائل التي يستخدمونها مع التفوق في النوعية هو دخول لحلبة التطرف
سواء أدرك الرادون ذلك أم لم يدركوا.
تعدد المفاهيم
مَن هو المتطرف؟ ومتى تلقى على مجموعة من الناس، أو حركات، أو دول، أو
نظم لقب التطرف؟ أجاب العديد من المتابعين أنه لا يوجد مفهوم واحد للتطرف، وإنما
تنتقى الأحكام على الأعمال العنيفة حسب مصالح الحاكمين، فمثلاً الحرب في أفغانستان
قبل «استلام المجاهدين الحكم» كانت في عين الإعلام السوفيتي «لا سيما قبل
الانسحاب» حرب الأشرار ضد الروس الذين قدموا لأفغانستان لتطويرها وإعادة الأمن
إليها والحيلولة دون السيطرة الأمريكية عليها، وفي الإعلام الأمريكي والغربي «وهي
حرب تحريرية يخوضها الشعب الأفغاني ضد جيش غاز».
وقس على تلك المواقف المتضاربة، قضية فلسطين قبل التطبيع وبعده، وقضية
الصومال، والسودان، والجزائر، وتونس، ومصر، وأبخازيا، وأيرلندا، وجنوب أفريقيا،
وطاجيكستان، وكشمير، حيث تراوح الموقف الأمريكي من قضية كشمير، «حسب رجحان كفة
المصالح في القضية» بين اعتبارها قضية كفاح شعب عادلة وبين وصفها بالإرهاب، ووصف
باكستان بالدولة الراعية للإرهاب، وتغير الموقف الآن رغم استمرار الاحتلال الهندي،
نفس الموقف المائل من قضية جنوب السودان حيث يقف الغرب بكل قوة إلى جانب
الانفصاليين الجنوبيين ويطالب بشكل مباشر بانفصالهم عن وطنهم السودان في المدة
الأخيرة.
ويراقب المتابع لتوجهات الصحافة الدولية الخاضعة لتأثيرات صناع القرار
في العالم و«مشتقاتها» أنها توزع المصطلحات سياسيًا، فالمقاتلون الأبخاز
انفصاليون، والجنوبيون في السودان «تحريريون» والمتظاهرون في موسكو مجرمون، وفي
بكين عشاق حرية، والأكراد في العراق ضحايا، وفي تركيا محترفو إجرام؛ هذه المواقف
المتضاربة هي التي جعلت كلمة «التطرف» أحد أنواع السباب السياسي أكثر منه اسمًا
لمسمى في معظم الأحيان.
قواسم مشتركة
هناك من يطرح ضرورة البحث عن قواسم مشتركة في تعريف «التطرف» ويرى أن
البحث في هذا الموضوع هو اللبنة الأولى المطلوبة لوضع تصور علمي وبناء معرفي
للظاهرة وبدونها ستبقى الكلمة اصطلاحًا «موقفًا عدوانيًا من موقف عدواني»، وهو ما
يعني «التطرف والتطرف المضاد»، ومن أهم ما طرح في هذا المجال بحث الأسباب الجوهرية
الأعمق من مجرد رمي الموضوع برمته على كاهل المعطى الاقتصادي الجاف ويرى أصحاب هذا
الطرح أن حالة الغليان هي نتيجة لدرجة حرارة مرتفعة. فكيف يمكن أن تطفأ حالة
الغليان السياسي؟ وكيف يمكن التعايش مع التطرف؟
مَن نفى غيره نفى نفسه
لا أحد يملك أن ينفي وجود موجود في الواقع الموضوعي، وإن حصل شيء من
هذا القبيل فإن العملية برمتها لا تخرج عن كونها نفي واقع ثابت بنفسه ويبقى النفي
في حاجة إلى إثبات، ودون ذلك يبقى نفيًا دبلوماسيًا ليست له بالواقع صلة، وبذلك
أعطى للآخر مبرر نفيه بمعدل المقياس نفسه الذي حكم به عليه.
لقد جربت الأيديولوجيات والأديان والمذاهب هذه العلاقة مع بعضها، إذ
نجد أن النافي للحقائق الأيديولوجية الموجودة، والمتنافية معه خصوصًا، لا يحقق
عمله هذا نفيًا لما نفاه، بل أثبته من خلال نفيه، وهذا لا يعتبر إخفاءً للحقائق،
ولكنه جرم تاريخي وواقعي واختلال في الفكر والنفس، تجلى في النفي، كما يقول أساتذة
الفلسفة وعلماء النفس.
المسيحية في قراءتنا لها أثبتت من خلال النفي رغم أنها وصلت مشوهة،
والإسلام شق طريقه في محيط القهر والاضطهاد والنفي في مكة، وحركة التنوير في
أوروبا ولدت من رحم المأساة، ورغم أنف الكنيسة المتحالفة مع الملوكية المستبدة
وقبلها حركة «لوثر» التي لقيت صدودًا دمويًا من قبل الكاثوليك مرورًا بحركات
التحرر الوطني قديمًا وحديثًا، والتي لم يجد نفيها من قبل خصومها، بل أسهم النفي
في إثباتها، مثلها حركات التغيير الأخرى التي استوعبتها الديمقراطيات الوطنية، أو
تلك التي لا تزال تلح على الديمقراطية والعيش في كنف الوطن..
الماضي والحاضر
في تاريخنا السحيق عرف «وطننا» ثورات رفعت شعار الدين، حتى القرامطة
في بداية دعوتهم لم يجدوا بدًا من الظهور بمظهر الإصلاح الديني ودعوى الانتساب إلى
آل البيت -عليهم السلام- هذه الثورات لدى بعض النخب التي تحمل على التطرف مبرأة من
تهمة التطرف بل هي عندهم مفاخر تاريخية بينما الذين تناوبوا على الحكم في تاريخنا
«دمويون واستبداديون» في التاريخ لهم، انعكست الحالة الآن ليصبح المستبد عادلاً
والإصلاحي متطرفًا، ليس هذا احتجاجًا كما يقول أصحاب هذا الرأي وإنما هو استقراء
نسوقه دون الحكم عليه فهو يحمل دلالته بنفسه.
تطور العملية التطرفية
في البدء لم تكن حوادث الاغتيال في العالم العربي سوى عمليات فردية
مشهورة سببها انفلات حركي رافض للموقف القيادي من سياسة سلطوية معينة أو توجه
سياسي، وينطبق هذا على مقتل النقراشي في الأربعينيات في مصر وحادث الكلية العسكرية
في سوريا في الثمانينيات والذي أدى إلى استدراج الحركة الإسلامية إلى حرب لم تعد
لها ولم تكن راغبة فيها وكررت نفس الحادثة ولكن بشكل أقل بكثير في تونس في
التسعينيات «باب سويقة» إلا أن الحركة الإسلامية هناك تجنبت الاستدراج مما دفع
الحزب الحاكم في تونس إلى خوض الحرب ضدها من جهة واحدة، وهي حالة فريدة نسبيًا في
الوطن العربي والإسلامي، تحت ستار الحفاظ على استقرار البلاد.
وبهذا الشكل فإن الاستقرار المزعوم يبقى على فوهة رشاش أي استقرار
متوتر، ينتهي بانتهاء شروطه وتكون العواقب وخيمة إذ يضع البلاد على حافة انهيار
كلي وهو ما تعيشه الجزائر اليوم وكذلك مصر من تبن لبعض الجماعات الإسلامية لمنهج
تغيير يعتمد على نفس الرسائل التي تستخدمها بعض الأنظمة في فرض خياراتها
الاقتصادية والسياسية النابعة من فلسفة التطابق التام مع الغرب لاسيما العلاقات
الاجتماعية والتبعية السياسية والاقتصادية، وهو ما يمنعها باتفاق من هضم العملية
الديمقراطية التي تحمل لون السياسات التي تحكم الشعوب في الغرب.
غياب الديمقراطية وأثرها على التنمية
لا أحد ينكر أثر غياب الديمقراطية على التنمية والأمن وهو ما يعني رمي
الأمة في غيابات التخلف المتعددة بفعل التشنجات التي تنتاب وزارات الداخلية
المعبأة ضد طرف سياسي معارض من شبه الغيبيات بالنسبة للصحافة الحرة والمتابعين
لمجريات الأحداث في تلك البلدان التي تخوض حكوماتها حربًا لا هوادة فيها ضد شق من
معارضيها تدل على ذلك دورات الانتداب للدخول في سلك «الأمن» بلغت ثلاث دورات في
السنة في بعض البلدان في حين هناك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية البور مهملة
يمكن استغلالها ضمان اكتفاء ذاتي من الغذاء وحتى فائض للتصدير يمكن إدراجه في
دورات تنموية لمصلحة البلاد والعباد وتحرير الفعالية السياسية بما يكسب الاستقلال
مصداقية حقيقية.
تعطيل طاقات
ويعتبر بعض الاقتصاديين أن اعتقال المعارضين السياسيين تحت المسميات
واللافتات المعروفة تعطيل للطاقات الوطنية وضرب لتنمية البلاد في العمق خاصة وأن
بعض هذه الطاقات تحتاجها البلاد في مسيرتها الإنمائية وبالتالي فإن تعطيلها يعد
ضربًا للتنمية في البلاد يمكن حمله على أنه خيانة عظمى للوطن.
اعتداء على الطفولة
وقال أحد رجال التربية: إنه اعتداء على حقوق الطفل الذي يحتاج إلى دفء
والده، فضلًا عن ضرورة وجوده خاصة إذا كان المعتقل هو العائل الوحيد للعائلة، وقس
على ذلك حق الزوجة والأم والوالد والإخوة والأهل... وإلى غير ذلك من الأضرار التي
تحيق بالمعتقل أو المقتول وأبنائه وزوجته وأهله دون مبرر شرعي معقول لذلك.
«بأي ذنب قتلت»؟
بالمقابل تطرح في الصحافة العربية والأجنبية أسئلة في غاية الأهمية
وهو ما ذنب العسكري الذي يتعرض للتصفية على أيدي الجماعات السياسية المسلحة وما
ذنب أبنائه وزوجته وأهله سواء قتل أو أبعد عن أهله لفترات طويلة بسبب حالات
الطوارئ، فالمقتول من أفراد الجيش كان يظن أن مهمته حماية حدود البلاد فإذا به
يقحم في صراع سياسي داخلي، والشرطي الذي انخرط في سلك الأمن لحماية المواطن وجد
نفسه يحمي نظام الحكم من بعض المواطنين، وبالتالي فإن مقتله يعد جريمة مشتركة
يتقاسمها النظام والمعارضة.
وترى جماعات حزبية وصحافية في الوطن الإسلامي خاصة وجوب إعلان المبادئ
الديمقراطية الحقيقية وتطبيقها ومنها مبدأ فصل السلطة التشريعية عن السلطة
التنفيذية، ومبدأ فصل القضاء عن الإدارة، ومبدأ عدم إقحام الجيش في المشاكل
الداخلية، بما في ذلك عدم ترشيح عسكريين سابقين في مجال السياسة واقتصارها على
المدنيين حتى لا تتأثر العملية السياسية بثقل الأحذية العسكرية لاسيما إذا كانت لا
تحمل مشروعًا حضاريًا تخدم حاضر الأمة ومستقبلها دون امتيازات شخصية وهو ما هو
مفقود في معظم وطننا العربي للأسف.
ضرب القدرات
لا يتوانى العقلاء في اعتبار الاعتداء على قدرات البلاد جريمة كبيرة
وخيانة عظمى للوطن، فإن ما يريده أي عدو لشعب ما هو ضرب مكاسبه الاقتصادية، فحرق
مصنع، أو تخريب مطار أو تدمير طائرة مدنية أو عسكرية يعد عملاً إجراميًا يستهدف
قوت الشعب وحياته رغم ما يسببه من إزعاج لأنظمة الحكم، لكنه لا يسقطها، ويرون أنه
لو فرضنا جدلاً أنه بعد تدمير كل مقومات الاقتصاد الوطني واستلام الثائرين للبلاد
فإنهم لن يقدروا على حكمها وهي قاع صفصاف، لا يقدرون على إطعام شعبهم من جوع وأمنه
من خوف.
ضياع الحقوق
أما الحقوقيون فإنهم يعتبرون توتر الأوضاع الأمنية بين الحكم
والمعارضة يضيع كثيرًا من الحقوق المدنية للشعب، وإهمال مظالم «الحق العام» إذ إن
أجهزة الأمن مشغولة بقضايا «الإرهاب» إلى درجة إلغاء النظر في القضايا التي تخص
أفراد الشعب أو حتى تأجيلها وهي أيضًا جريمة مشتركة بين أنظمة الحكم المستبدة
والمعارضة المتطرفة.
ارتفاع معدل البطالة
وأدلت النقابات المهنية بدلوها في هذا الموضوع إذ ترجع ارتفاع معدل
البطالة في أوساط الشعب إلى اعتماد الأنظمة عسكرة الاقتصاد مما يجعل العديد من
المواطنين بلا عمل وتزداد حالتهم الاقتصادية والاجتماعية تدهورًا، فإذا أضفنا
إليهم العمال الذين أحرقت مصادر رزقهم أو خربت بشكل أو بآخر ومع استمرار الأزمة
بين السلطة المستبدة والمعارضة المتطرفة نجد -في نهاية المطاف- الشعب على حافة
المجاعة وهو ما يفتح الباب للتدخلات الخارجية لدى هذا الطرف أو ذلك من محوري
الصراع، وتكثر المساومات السياسية الخارجية إلى درجة تفقد البلاد شروط السيادة
وتسقط في حبائل استعمار غير مباشر وأحداث تاريخنا وأيامنا السياسية حبلى بمثل هذه
السيناريوهات.
فضلًا عن توقف مشاريع التنمية والإعمار؛ فالهدم أسرع وأطول، مما يدفع
النخب الحاكمة إلى تأمين نفسها داخليًا وخارجيًا تحسبًا للتطورات التي فقدت
السيطرة عليها أو تظن أنها ستحصل من باب إحضار البدائل التأمينية.
هل التطرف موقف؟
إلى الآن لا يزال التعريف السياسي لكلمة التطرف محافظًا على لونه
الزئبقي ويرى من خلال المناظير الأيديولوجية فلا غرو أن تتعدد ألوانه، وكما ذكرنا
في بداية المقال أنه بهذا الوضع يبقى مصطلحًا سياسيًا ما لم يقع الإجماع على تعريف
عام له، ومن منظور الوسطيين هو: موقف سياسي من برامج السلطة السياسية وهو موقف من
برامج التعليم والإعلام، وموقف من كيفية توزيع الثروة وإدارتها، يعمد للعنف في
التعبير عن مواقفه الرافضة لموقف السلطة، بعد أن اعتقد أهله بأن حاملي عقيدتهم
«الدينية السياسية الثقافية» ممن انتهجوا سياسة سلمية في التعبير عنها منعوا من
التعبير بشكل أخذ طابعًا «قانونيًا» وهم بذلك ليسوا عدوانيين صرفين بالطبيعة كما
وصفهم العدوانيون، رغم أن عملياتهم تأخذ طابعًا عدائيًا وليس عدوانيًا، وهنا فرق
كبير بين المعنيين.
دعوة للعقل
يتساءل بعض الحياديين في أوساط ثقافية في الوطن العربي عن إمكانية
التعجيل بتطبيع العلاقات بين السلطة الحاكمة وبين التيار الإسلامي كمعالجة لموضوع
التطرف بإفساح مجال للتعبير عن الأفكار في المجتمع بحرية وتنفيس الضغط لتجنب مزيد
من الانفجارات، إذ إن سياسة الصد المتعمدة ضد الحركات الإسلامية تعد مساعدة كبيرة
للحركات الإسلامية الراديكالية التي بدأت تستوعب البائسين من الحل الديمقراطي وهو
ما يعني أن وطننا مهدد بانفلاتات أمنية لا يعلم مداها إلا الله.
وكما عبر من قبل عدة مثقفين من تيارات مختلفة عن هذه الإشكالية ورأوا
أن الاعتراف الرسمي بالحركات الإسلامية وقبولها العمل وفق اللعبة السياسية دون
إقصاء وقبولها بمبدأ التداول على السلطة هو الضمان الوحيد للقضاء على التطرف
وأسبابه ونتائجه، وتحقيق الخطوة الأولى في مجتمع عربي إسلامي خالٍ من الفوضى بقبول
نتائج الانتخابات حتى لو أدى إلى وصول الإسلاميين للسلطة؛ لأن العبرة برضا
الجماهير التي تعي مسؤوليتها ولا ينبغي لأحد أن يدعي وصايته عليها، وإلا سقطنا في
أشنع أنواع التطرف وهو استعباد الشعوب والاستعباد أشد من القتل.