; «باربي» و«فلة» في ساحة الصراع الفكري | مجلة المجتمع

العنوان «باربي» و«فلة» في ساحة الصراع الفكري

الكاتب محمود صقر

تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006

مشاهدات 69

نشر في العدد 1690

نشر في الصفحة 54

السبت 25-فبراير-2006

«باربي» دمية تحمل ملامح وتقاليد ولباس الغرب، ولها صديقها الدمية «كين» حسب التقاليد الغربية وفلة دمية ذات مظهر إسلامي، تحمل مظهر المسلمة الملتزمة.

لسنين مضت كانت ساحة الدمى في العالم الإسلامي خالية أمام اكتساح «باربي» الأسواق الدمى حتى زاحمتها «فلة» وأنزلتها عن عرشها، وأصبحت هي الدمية الأكثر مبيعًا والرمز الأكثر حضورًا على مختلف أدوات الأطفال.

هذا الأمر على بساطته يلفت النظر للصراع بين التقاليد والأصالة بين التلقي والتحدي بين الفكر والبلادة.

وهذا نموذج من نماذج الصراع بيننا وبين الغرب.

الصراع بيننا وبين الغرب صراع أفكار قبل أن يكون صراع قوى.

الغرب قدم للعالم أفكارًا وشعارات غزت قلوب الجماهير وعقولها لأنها مست حاجة من حاجات الإنسانية مثل شعار الثورة الفرنسية «الإخاء – الحرية - المساواة» ثم شعار الاشتراكية في المعسكر الشرقي وشعار «الديمقراطية» في المعسكر الغربي، وهذه الأفكار والشعارات بين مندثر وقائم تلقتها الجماهير وتفاعلت معها وقامت لها دول تتبناها وتناصرها وتقدمها بديلًا لسعادة البشر.

فهل نظل نحن على الدوام نستقبل «باربي» على شكل اشتراكية مرة ورأسمالية مرة دون أن نفكر في إنتاج «فلة» نقدم به للعالم بديلًا فكريًا يهدف لسعادة البشر؟

لماذا لا يكون شعار «الإسلام هو الحل» هو الفكرة المقابلة للأفكار المستوردة؟

وإذا لم نقدم نحن فكرة كهذه تخلق لنا موقعاً على خريطة العالم، فماذا سنقدم؟

هل سنقدم سلاحًا فتاكًا جديدًا، هل سنقدم فنًا غرائزيًا ينافس ما يأتينا من الغرب أو تغزو به بلاد الغرب، إننا إن فعلنا هذا نكون كمن يبيع المياه في حارة السقائين! وهل الأسلحة الفتاكة، والميوعة الهدامة قادت البشرية نحو السعادة؟

إن العالم كله حائر مضطرب وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه ولا دواء له إلا الإسلام.

العالم ينتظر فكرة جديدة تقود العالم نحو المحبة والسلام نحو الأمن والاطمئنان، نحو السعادة والرفاهية نحو العدل والمساواة فهل سيجد العالم اليوم أو غدًا هذه القيم إلا في الإسلام!

إن المعركة بين الفكر والتقليد بدأت من أول يوم من أيام بناء الدولة الإسلامية حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل وسيلة لإعلان الصلاة، حيث اتجه فكر بعض المسلمين إلى تقليد النصارى في استخدام الناقوس أو اليهود في استخدام البوق، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أبى أن يكون المسلم مقلدًا لغيره وجعلها قضية تشغل فكر المجتمع الجديد حتى ظهرت شعيرة الأذان.

إن المسلم قد يلتمس له العذر إن لم يسهم في خدمة المجتمع بماله إن كان غير مستطيع، وقد يلتمس له العذر في عدم المساهمة بالجهد إن وجد ما يعوقه ولكن أبدًا لا يعذر في مجال إعمال الفكر والنظر في مصلحة المجتمع ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 91)، والنصح هنا هو إعمال الفكر في مصلحة المجتمع. وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُم" إننا نحمل رسالة عالمية بكل معنى الكلمة عنوانها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).

ومن البديهي أن نقول إن التقليد سهل ولكنه سبيل العاجز، أما التجديد والابتكار فطريق شاق ويواجهنا فيه مصاعب خارجية وداخلية. أما خارجيًا، فالغرب يستخدم كل ما يملك لوأد هذه الفكرة في مهدها ويستخدم وسيلة التشويش على الفكرة خط دفاع أول وهو يفعل ذلك ببذل كل جهد الربط فكرة الإسلام بالإرهاب.

وثانيًا: محاربة كل من يتبنى هذه الفكرة في السر والعلن والسكوت عن كل فئة حاكمة تقوم نيابة عنه بهذا الدور.

وإن كان هذا هو التحدي الخارجي فالتحدي الداخلي أكبر، فالفكرة كالبذرة لابد لها من أرض صالحة كي تنبت.

فكيف تنبت فكرة وتنمو في مجتمعات تفتقر إلى الحرية، أو كيف تنمو الفكرة في مجتمع لم يشعر بعد بالتحدي والحافز بأن يقدم للعالم جديدًا؟

وبالجملة فإن الفكرة الخيرة في الأساس لا تثبت إلا من عقل ذكي، وقلب نقي، ولا تنمو وتستمر إلا يفهم لا يشوبه خلط، وإخلاص لا يشوبه، دخل وعمل دؤوب لا ينقطع وعطاء وافر لا يحول دونه بخل.

إن فعلنا هذا فإن شعار «الإسلام هو الحل»، سيكون حتمًا شعار العالم في المستقبل القريب.

ولسنا أضعف من أجدادنا ممن حقق الله على أيديهم هذا المنهاج. ورحم الله الأديب الراحل مصطفى صادق الرافعي حين خاطب الشباب قائلًا: «يا شباب العرب لم يكن العسير يعسر على أسلافكم الأولين».

أتدرون ما السر؟ السر أنهم ارتفعوا فوق ضعف المخلوق، فصاروا عملًا من أعمال الخالق.

الرابط المختصر :