العنوان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.. حقيقة الآن
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 23-يوليو-2004
مشاهدات 75
نشر في العدد 1610
نشر في الصفحة 47
الجمعة 23-يوليو-2004
نحمد الله تعالى أن وفق علماء المسلمين إلى تكوين الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فأصبح الحلم حقيقة وصار الأمل المنشود واقعًا ملموسًا واجتمع علماء الأمة في المشارق والمغارب لتأسيس هذا الكيان الكبير على تقوى من الله ورضوان، وإقامة هذا الصرح لنصر دين الله ورفع رايته والدفاع عن الغايات العليا التي بعث الله بها رسله وأنزل بها كتبه.
ولقد كانت الحاجة ماسة إلى هذا الاتحاد الذي يجمع شمل العلماء من كل حدب وصوب. حتى تتوحد الجهود وتستنير الوجهة وتستقيم المسيرة ويأتلف الشتات في الأمة، ولقد بين لنا التاريخ الماضي والواقع الماثل، أن المسلمين لم يضرهم شيء مثل التفرق والاختلاف، ولم ينفعهم شيء مثل الاتحاد والائتلاف، لا سيما إذا كان على البر والتقوى والاعتصام بحبل الله المتين، قال تعالى:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ ﴾ (الأنفال: ٤٦) وقال ﷺ: «لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» رواه البخاري عن ابن مسعود.
وقد رأينا أصحاب الأديان المختلفة يتقاربون فيما بينهم على بعد ما بينهم من خلاف في الأساسيات حتى رأينا اليهود والنصارى يتقاربون فيما بينهم على ما كان بينهم من الخلاف وجملة من العداوات التاريخية، ومع هذا أصدر الفاتيكان وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح لتقترب مسافة الخلف بينهم.
ورأينا الكاثوليك والبروتستانت يقترب بعضهم من بعض، مع ما كان بينهم من عداوات سالت فيها الدماء وسقطت لأجلها الملايين.
وفي عصر الحرب الباردة رأينا الشيوعيين والرأسماليين يتقاربون فيما بينهم وينشئون ما سمى بسياسة التعايش السلمي.
فما بال المسلمين وحدهم يتباعدون ويتنافر بعضهم من بعض وتدب بينهم الفرقة وتشتعل العداوة والبغضاء، ولا رابط يجمعهم، أو كيان يوحد شتاتهم؟!، فلليهود حاخامات والنصارى آباء وكرادلة وأساقفة وقسيسون يرجعون إليهم، وكذلك للبوذيين والسيخ مثل ذلك، فأين إذن علماء المسلمين؟ وأين إذن مرجعيتهم للناس، وقد كانت لهم خلافة فهدمت وكان لهم خليفة وقيادة دينية روحية نائبة عن الرسولﷺ في حراسة الدين وسياسة الدنيا به فزالت وتفرق شمل الأمة، فكان لا بد من قيام مرجعية دينية موحدة لكل أهل القبلة أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكان هذا الاتحاد الميمون الذي تأخر طويلًا حتى ساد الظلام، وأدلهم الليل حتى انفلق الإصباح عن هذا الوليد الصبوح الذي يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد، ويرشد ولا يصادم، ويسخر كل إمكانات علمائه لخدمة القضايا الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، فهو بذلك يحمل سمات معينة منها:
١-العالمية، فهو ليس محليًا ولا إقليميًا ولا عربيًا ولا عجميًا ولا شرقيًا ولا غربيًا بل هو إسلامي يمثل المسلمين في العالم الإسلامي كله كما يمثل الأقليات خارج العالم الإسلامي.
٢-الشعبية فهو ليس مؤسسة رسمية حكومية، وإنما يستمد قوته من ثقة الجماهير المسلمة، ولكنه لا يعادي الحكومات، بل يجتهد أن يفتح نوافذ للتعاون معها على ما فيه خير الإسلام والمسلمين.
٣-الاستقلال، فهو لا يتبع دولة من الدول ولا جماعة من الجماعات، ولا طائفة من الطوائف، ولا يعتز إلا بانتسابه إلى الإسلام وأمته.
٤-العلمية فهو مؤسسة لعلماء الأمة، فلا غرو أن يهتم بالعلم والتعلم وبالتراث العلمي وإحيائه وتحقيقه ونشره.
٥- الدعوية، فهو مؤسسة تعنى بالدعوة إلى الإسلام باللسان والقلم وكل الوسائل المعاصرة المشروعة، مقروءة أو مسموعة أو مرئية ملتزمة بمنهج القرآن بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
٦-الوسطية فهو لا يجنح إلى الغلو والإفراط، ولا يميل إلى التقصير والتفريط، وإنما يتبنى المنهج الوسط للأمة الوسط، وهو منهج التوسط والاعتدال.
٧-الحيوية فلا يكتفي بمجرد اللافتات والإعلانات، بل يعنى بالعمل والبناء وتجنيد الكفاءات العلمية والطاقات العملية، يقوم بذلك ثلة من العلماء المشهود لهم بالفقه في الدين والاستقامة في السلوك والشجاعة في الحق والحائزين على القبول بين الجماهير المسلمة.
أهداف الاتحاد:
كما يسعى اتحاد العلماء إلى تحقيق هدف كلي تنبثق منه أهداف جزئية، أما الهدف الكلي فهو الحفاظ على الهوية الإسلامية للأمة لتبقى كما أراد الله أمة وسطًا شهيدة على الناس آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، والوقوف في وجه التيارات الهدامة، وتيارات الغلو والتشدد التي شوهت وجه الإسلام واستباحت الدماء والأموال. أما الأهداف الفرعية فتتمثل فيما يلي: ١-التعاون على حسن تفقه المسلمين بدينهم وتوعيتهم حيثما كانوا بالإسلام الصحيح.
٢- تعبئة الشخصية الإسلامية الفردية والجماعية، وتهيئتها لتقوم برسالتها.
٣- إنارة السبيل للمسلمين في الأوضاع المستجدة والأحوال المتطورة، وتوجيههم إلى الآراء الناضجة والحلول الناجعة.
٤- تنبيه المسلمين إلى الأخطار التي تهدد هويتهم العقدية والثقافية، ومقاومة هذا الغزو المنظم بمثل أسلحته.
٥- توجيه جهود العلماء، ومواقفهم الفكرية والعلمية في قضايا الأمة الكبرى لتبصرة الأمة بمواقع الخطر والأبواب التي تهب منها رياح الفتن حتى لا تؤخذ الأمة على غرة.
٦- تجميع قوى الأمة كلها على اختلاف مذاهبها واتجاهاتها ما داموا من أهل القبلة والسعي إلى تضييق نقاط الافتراق، وتوسيع نقاط الاتفاق والتركيز على القواسم المشتركة.
وبعد.. فقد حق للعلماء اليوم أن ينهضوا بتبعاتهم التي أمرهم الله بها وأخذ عليهم العهد والميثاق ببيانها مصداقًا لقوله تعالي: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾(آل عمران: ۱۸۷) نسأل الله سبحانه أن يشد أزرهم ويقوي ظهرهم، ويجعلهم لسان صدق وأيدي عزم ومصابيح هداية وأن يجبر بهم كسر الأمة، إنه نعم المولى ونعم النصير.. آمين آمين...