العنوان أمة الإسلام بين ماض مذهل وحاضر محزن
الكاتب عبد الله محمد القاضي
تاريخ النشر السبت 11-يناير-2003
مشاهدات 61
نشر في العدد 1534
نشر في الصفحة 55
السبت 11-يناير-2003
كيف يصعد إلى المعالي أو يحرر المقدسات من أحب الدنيا وكره الموت.
روى مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين زينب بنت جحش قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فزعًا محمرًا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها) قالت: فقلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» هذا كلام من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.
وإذا تأملنا في تلك الجملة التحذيرية التي أخبر بها النبي الأمين صلى الله عليه وسلم رأينا أنها قد اختصت بالعرب وأجدني تلقائيًا أقول: «إن الله قد اختار أرض العرب لنزول وحيه ورسله، واختار من أرض العرب الجزيرة العربية، واختار من الجزيرة مكة المكرمة والمدينة المنورة، واختار أيضًا من أرض العرب فلسطين، حيث المسجد الأقصى».
إذن فالأرض التي اختارها الله لتدبير أمره وسننه الكونية هي أرض العرب، وخاتم النبيين وسيد المرسلين هو محمد صلى الله عليه وسلم العربي القرشي الهاشمي، وأنزل القرآن بلغة العرب وهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واللغة العربية هي لغة أهل الجنة، وهذا غيض من فيض كرامات، من الله بها على العرب دون غيرهم من الأمم.
وقد قام المسلمون بكثير من الفتوحات ونشروا دين الله في كل صقع من أصقاع الأرض حتى أتم الله أمره، وأعلى كلمته، وبعد القرون الثلاثة المفضلة -التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، بعد ذلك دب الوهن في جسد الأمة، وتفلتت عرى الإسلام عروة عروة، إلى أن وصلت الأمة إلى ما هي عليه الآن من تفكك وتشرذم وذل وهوان وخنوع واستسلام، ثم وصل الأمر إلى أن نبذت الشريعة، وحكمت بالقوانين الوضعية التي هي من صنع البشر، بل وصل الأمر بالبعض إلى المجاهرة بمحاربة الله ورسوله. إذن فبعض المسلمين ومنهم العرب، قد فتحوا ثغرات كبيرة من تلقاء أنفسهم، استطاع الأعداء من خلالها النفاذ إلى أوطاننا وأبنائنا وانتهاك كرامة العرب، وهيبة المسلمين في أماكن كثيرة، بل وصل الأمر بهذا البعض إلى أنهم استطاعوا قمع النشطين والغيورين من أبناء الشعوب الذين يريدون التطوع للجهاد في سبيل الله، ويطلبون الموت حبًا وكرامة وخلاصًا مما هم فيه من الذل والهوان والقهر والاستعباد من قبل الأعداء الغاصبين.
إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقد رأينا صدق هذا الوعيد ونزوله ببعض الظالمين، فقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، ويوم القيامة عليهم دائرة السوء والفضيحة على رؤوس الأشهاد، وورود جهنم وبئس المصير فيا حسرة على العباد يرفعهم الله إلى القمة والرفعة والسؤدد والشرف، ويضع على رؤوسهم التاج والإكليل، ولكنهم يفضلون معانقة الدنيا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ (سورة يونس: 7).
لا نصر إلا بتضحية:
عجبًا كيف يصعد إلى المعالي؟ وكيف يحرر المقدسات؟ وكيف يدافع عن الدين والعرض والوطن من رضوا بأن يكونوا لقمة سائغة للعدو مقابل حبهم للدنيا وكراهيتهم للموت؟
وهل انتصر محمد صلى الله عليه وسلم في معركة بدر أو غيرها من الغزوات إلا برصيد من الشهداء؟ وهل ارتفعت راية الإسلام خفاقة إلا بالشهداء، وتقديم النفوس والأرواح رخيصة في سبيل الله مقابل ما وعد الله به بأن لهم الجنة؟ وإن من علامة صدق الإنسان في حبه ومشاعره التضحية في سبيل ما يحب، فكيف إذا كانت هذه التضحية في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله، ودخول جنة عرضها السنوات والأرض، جنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (سورة محمد: 7)، ويقول -عز وجل-: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التوبة: 24).