; الشريعة.. وفريضة التطبيق | مجلة المجتمع

العنوان الشريعة.. وفريضة التطبيق

الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 25-أبريل-2009

مشاهدات 61

نشر في العدد 1849

نشر في الصفحة 30

السبت 25-أبريل-2009

  لقد اعترى الأمة الإسلامية الضعف وتسرب إليها الخور عندما تنكرت لكتاب ربها وسنة نبيها ، وتبنت مناهج مخالفة للشريعة الإسلامية في ميادين الحكم والتربية، وحتى في عمل الأفراد خلال حياتهم اليومية.. وهذا هو السبب المباشر لتخليها عن موقعها القيادي، وتأخرها إلى الصفوف الخلفية.

عملت لها الصحوة الإسلامية وطال انتظارها كثيراً في الصومال

ومن المؤكد أنها لن تعود إلى الريادة إلا إذا رجعت إلى التمسك بكتاب ربها وسنة رسولها ﷺ وعندها فقط تكون كما سماها القرآن ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

والشعب الصومالي جزء من هذه الأمة. اله ما لها وعليه ما عليها، فإذا أراد أن يتبوا مكانته اللائقة بين الشعوب والدول فعليه أن يقرر أن تطبيق الشريعة في مسيرته الجديدة اتجاه إجباري، كما تقول شرطة المرور في التسيير الشوارع، وذلك للأسباب التالية: 

أولا، لأن هذا أمر الله ورسوله الذي لا يجوز لمسلم أن يتردد في تنفيذه على وجه السرعة وإلا تمرض إيمانه للخلل.

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [ سورة الأحزاب: 36]

وقوله تعالى:﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة الحشر: 7]

ثم إن المسلم إذا لم يسلك طريق الله بتطبيق شرعه فالبديل هو سبل الشيطان قال الله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ سورة الأنعام: 153] وهذه السبل وإن تعددت أنواعها واختلفت

(*) کاتب وباحث صومالی

مظاهرها، فنهايتها الحتمية التعاسة، وهي العذاب الأدنى في الدنيا والعذاب الأكبر الأخرة كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [ سورة السجدة: 21]

وعدم تطبيق شرع الله في أرضه يعتبر رفضاً للسعادة الأبدية، ودليل هذا قوله تعالى:﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ۞ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [ سورة هود: 108:105]، وقال ﷺ« كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبي».. قبل ومن باب يا رسول الله؟ قال:« من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبی» 

ثانياً، إذا كان للناس في البلدان الأخرى أن يتحججوا في وجه تطبيق الشريعة بحجج، منها وجود اقليات غير مسلمة أو نحو ذلك من المبررات الواهية فإن مثل هذا لا يجوز طرحه في الصومال لأن شعبه كافة مسلم ولله الحمد، فليس فيه أقلية نصرانية أو يهودية أو وثنية وكله سني فليس فيه طائفة. من الطوائف المسلمة الأخرى، بل وكله شافعي المذهب إذا كان لهذا أن يُفتخر به.

ثالثاً: «من باب رب ضارة نافعة». فإن ما تعرض له الشعب الصومالي في مسيرته الحديثة من فتن ومحن تمثلت في الحكم الشيوعي الاستبدادي، ثم نشوب الحرب الأهلية الآثمة، وما أعقبها من سيطرة زعماء و الحرب المجرمين فتدخلات قوى الكفر والطغيان الطامعة والمستهدفة لأرضه ودينه وناسه قبل اندحارها واحدة تلو الأخرى. وآخرها قوات الاحتلال الحبشية «الإثيوبية» التي فرت من أراضي الجمهورية الصومالية لا تلوي على شيء في بداية العام الجاري (۲۰۰۹م).

هذه المحن جعلت الشعب الصومالي بوجهائه قبل علمائه وشبابه قبل شيوخه ! ونسائه قبل رجاله، ومشايخ العشائر فيه ذ وحتى سياسييه يؤمنون بحتمية تطبيق شرع الله على أرضه والتحاكم إليه في كل ما شجر بينهم سواء ما يتصل بإدارة الحكم أو الولايات أو الأمور الجنائية، أو غير ذلك من الخصومات التي تحدث بين الناس وليس فقط ما يسمونه بالأحوال الشخصية، كما هو شائع في بلدان العالم الإسلامي، قال الله تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [ سورة النساء: 65]

فلا مجال للتجزيء والبتر، ولا لأخذ بعضها وترك بعضها الآخر، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾[ سورة البقرة: 85]

فحذار من المماطلة وتعطيل هذا التطبيق بمبررات التقنين وتشكيل مجالس أو لجان للإعداد كما يقولون، فشرع الله جاهز للعمل به منذ أن أنزل على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل ما يزيد على أربعة عشر قرناً، وهو مصلح – وليس بصالح فقط – لكل زمان ومكان.

إشكالية التقنين

 ويستطيع العلماء والقضاة الوصول إلى حكم المسألة المعروضة بكل سهولة ..واقتدار فالصومال يعج، كما هو معروف – بالعلماء الشرعيين وحفظة المتون الذين يهتدون إلى مواطن الحكم في الكتب المعتمدة في فقه الإمام الشافعي الذي يسير الشعب الصومالي كافة على مذهبه كما أنهم قادرون على استنباط ما يُستجد من المسائل في ضوء الكتاب والسنة وذلك – أي تشكيل اللجان – فعلة اعتاد على تأليفها المسوفون لتطبيق الشرع والمعطلون الماكرون لأحكام الله ليمر الوقت وتتطور الأحداث ويذهب الحماس أو يمتص به وتنكب اللجان على وهم التقنيين، وتعقد المؤتمرات أو المؤامرات إذا صح التعبير، وهكذا نجد أنفسنا بعد فترة ليست بطويلة في المربع الأول، وقد سمعت أحد سماسرة الغرب في القضية الصومالية في إحدى القنوات المحلية وهو يعترض على موافقة الحكومة الصومالية الجديدة قائلا: إنه ينبغي تشكيل لجان علمية من الفقهاء ذوى التخصصات العالية قبل إقرار العمل بالتطبيق.

*ينبغي تغيير الدستور الحالي أو على الأقل تنقيته من البنود التي تتناقض مع أحكام الشريعة وتتعارض مع الثوابت الصومالية*

* حذار من المماطلة وتعطيل التطبيق بمبررات التقنين وتشكيل لجان للإعداد.. فشرع الله جاهز للعمل به منذ أربعة عشر قرنا *

فإذا كان ولابد من هذا التقنين فإن الأمر يتطلب منا فقط . حتى نبدأ من حيث انتهى الآخرون – أن نتصل بإحدى الدول الشقيقة – كمصر أو الكويت أو باكستان – التي سبق أن قننت بإمكانية عالية لتطبيق الشريعة ومشاريع القوانين جاهزة لديها، ونطلب منها أن تزودنا مشكورة بنسخ من هذه القوانين وكلنا ثقة بأنها لن تبخل علينا بإذن الله. وفي غير ذلك لا يجوز لنا أن نفتح أبواب الشياطين ونتعلل بحجج غير ناهضة تعوق تنفيذ هذه الفريضة التي طال انتظارها وعملت لها الصحوة الإسلامية بمختلف توجهاتها .

تنقية الدستور وفي سبيل التوجه لتطبيق الشريعة وتهيئة الأجواء لها ينبغي إلغاء ما يُسمى بالدستور الذي سنته الحكومة الحبشية «الإثيوبية» وعملاؤها المنهارون أو على الأقل تنقيته من البنود التي تتناقض مع الشريعة الإسلامية، كما تتناقض مع ع الثوابت والمسلمات الصومالية.. بدءا من بند الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع الذي يتعين أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع وكل ما يصدر من البرلمان أو الحكومة من القوانين واللوائح التي تخالف الشريعة فهو باطل... ومرورا بما يسمى بتقاسم السلطة على أساس أربعة ونصف»، وهو بند ما أنزل الله به من سلطان، أدخله في الدستور أعداء الصومال وعملاؤهم ليكون قنبلة موقوتة يستطيعون تفجيرها عندما يرغبون في ذلك، وهو فوق هذا عنوان على التخلف ودليل على الرجعية.. وانتهاء ببند «الفيدرالية» الذي لا يقل خطورة عن بند تقاسم السلطات، وهو بالمناسبة بند منقول كما هو من الدستور الحبشي «الإثيوبي» مع تباين الشعبين في كل شيء.

فالدولة الحبشية «إثيوبيا» توجد فيها قوميات وأديان ولغات وألوان مختلفة يتطلب فيها تأسيس جمهورية فيدرالية حسب التقسيمات المذكورة.. أما الصومال ففيه شعب واحد تجمعه روابط العرق واللون والدين واللغة دون أن يفرقه شيء، فلماذا الفيدرالية إذاً؟! وكيف وعلى ماذا تؤسس ؟!

 وهنا أود أن أذكر الرئيس «شيخ شريف شيخ أحمد»، وتحالفه الحاكم بأنهم ألغوا مشكورين – هذه البنود البغيضة في دستورهم عند وجودهم في العاصمة الإريترية «أسمرا» وتلك كانت خطوة في الاتجاه الصحيح رحب بها كل الإسلاميين والوطنيين في داخل البلاد وخارجها، فالرجوع عنها أو حتى مجرد التردد في إلغائها يعتبر - لا أقول: ردة، كما يحلو للبعض بل نكسة وتنازلا عن المبادئ في زمن النصر !!

﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [ سورة الأحقاف: 32]

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل