; بلا حدود .. لا أقول وداعًا | مجلة المجتمع

العنوان بلا حدود .. لا أقول وداعًا

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1997

مشاهدات 95

نشر في العدد 1247

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-أبريل-1997

 

دأب كُتّاب الأعمدة والمقالات الثابتة في الصحف، والمجلات، والدوريات العالمية أن يكتبوا مقالًا وداعيًا لقرائهم إذا قرروا التقاعد أو الانتقال إلى مكان آخر، فالعلاقة التي تقوم بين الكاتب والقارئ عبر نافذة إعلامية معينة علاقة من نوع خاص لا يمكن لها أن تنتهي بسهولة؛ لأن الكتابة مرهونة بأعمار الكتّاب وليس بالزوايا، أو الصفحات التي يكتبون فيها، وكلما كانت أفكار الكاتب تسمو فوق الإقليمية والمحدودية وتصل إلى العالمية، فهمًا وافكارًا وطرحًا، كلما كانت الأعباء عليه كثيرة ومهماته جسيمة، وكذلك تصبح نوعية قرائه نوعيات متميزة ومنتشرة على رقعة واسعة من الأرض، وهذا ما لمسته خلال سنوات كتابتي وإدارتي لتحرير مجلة «المجتمع».

ورغم أني أعرف أن هذا المقال ربما يكون وقعه مفاجئًا لدى كثير من القراء لأني لم أمهد له على الأقل من قبل، ولم يطرأ على أدائي للعمل أو مقالاتي من فضل الله أي تغيير أو فتور خلال الفترة الماضية، إلا أني أمهد له في نفسي منذ أن عزمت على الرحيل قبل عدة أشهر، متمثلًا حياة الرحالة والبحاثة من أصحاب القلم على مر العصور الذين ينزعون دائمًا إلى الترحال والبحث عن الجديد.

وقد أوجز المتنبي طبيعة حياة هؤلاء الباحثين عن المتاعب دائمًا في ميميته الرائعة التي مطلعها «ملومكما يجل عن الملام»، فقال:

فإني أستريح بذي وهذا             وأتعب بالإناخة والمقام

عجبت لمن له قد وحد             وينبو نبوة القضم الكهام

ومن يجد الطريق إلى المعالي     فلا يُذر المطي بلا سنام

ولم أر في عيوب الناس شيئًا      كنقص القادرين على التمام

أما علاقتي بـ«المجتمع» وقرائها فهي ليست علاقة كاتب بقرائه فحسب، وإنما علاقة مرحلة من عمر «المجتمع» وتاريخها المديد -إن شاء الله- توليت فيها إدارة التحرير ما يقرب من سبع سنوات، وقبلها كنت مراسلًا ل«المجتمع» من منطقة وسط أسيا ثلاث سنوات، ليصبح عمري في «المجتمع» عشر سنوات من بين عمرها البالغ سبعة وعشرين عامًا الذي أتمته قبل أسابيع، أي أني عايشت المجتمع مراسلًا وكاتبًا ومديرًا للتحرير ما يزيد على ثلث عمرها، وما يقرب من ثلث عمري كذلك، كما عايشتها قارنًا منذ رأيتها أول مرة في أحد معارض الكتب في جامعة المنصورة في مصر في عام ١٩٧٧م، وكنت وقتها لاأزال طالبًا في الصف الثالث المتوسط، فاقتنيت بعض أعدادها وصرت أبحث عنها بعد ذلك حتى أجدها، ولما عزّ وجودها في مصر بعد كامب ديفيد، صارت «المجتمع» أفضل هدية أتلقاها من أقاربي ومعارفي الذين كانوا يعملون في الكويت أو دول الخليج الأخرى، تمامًا كما يفعل كثير من قرائها في مصر الآن، ولا زلت أحتفظ بتلك الأعداد، وأذكر أني كنت أعيد القراءة والاطلاع على العدد الواحد مرات عديدة دونما شعور بملل أو تكرار، ولم يكن يدور بخلدي وأنا في هذا العمر أن الله سبحانه وتعالى سيقدر لي ان أصبح في يوم من الأيام مديرًا لتحرير هذه المجلة التي كان لها في نفسي مكانة خاصة، نمت وترعرعت مع الأيام حتى امتهنت العمل الصحفي مع دخولي الجامعة.

وفي عام ١٩٨٠م بدأت أتابع «المجتمع» بمنظور جديد، حيث بدأت رحلة حياتي الصحفية بشكل عملي، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى الأستاذ جابر رزق -رحمه الله- أول من تعلمت على يديه فنون العمل الصحفي وكان وقتها مراسلًا ل «المجتمع» وأحد كتابها البارزين، وقد عهد بي قبيل التحاقي بالجامعة إلى الأستاذ بدر محمد بدر - مراسل «المجتمع» في القاهرة الآن، ولا زلت أذكر مقولة الأستاذ جابر -رحمه الله- حيث قال له: «أحمد أمانة في عنقك يا بدر تُعلمه الصحافة»، وأذكر أني كنت تلميذاً مطيعاً للأستاذ بدر وإن كنت مشاغبًا قليلًا، لكني إلى الآن أحفظ له أستاذيته ومكانته في نفسي وقلبي، ولعل وجودي في «المجتمع» دليل على نبوغ أستاذي الذي يعتبر أقدم مراسلي «المجتمع» إذا إنه يراسلها منذ عام ١٩٨٤م، كما لا أنسى للأستاذ حسن علي دَبا - مراسل «المجتمع» في قطر الآن - أنه كانت له كذلك لفتاته وتوجيهاته لي أيضًا في تلك المرحلة، حيث كان يعمل في «أخبار اليوم» في ذلك الوقت.

وفي عام ١٩٨٧م نُشرَ لي أول موضوع في «المجتمع» حينما عملت لها مراسلًا من باكستان لشؤون أفغانستان، وباكستان، وآسيا الوسطى، وصارت رسالتي الصحفية لها شبه أسبوعية، وفي بداية العام ١٩٩٠م طلب مني العم أبو بدر: عبد الله علي المطوع -رئيس مجلس الإدارة- الانتقال إلى الكويت للقيام بمهام مدير تحرير «المجتمع»، وتوليت بالفعل مهام عملي في يونيو ١٩٩٠م، جاء بعدها الغزو العراقي للكويت، وكانت مرحلة ما بعد الاحتلال العراقي للكويت مرحلة إعادة بناء ل «المجتمع» من كافة النواحي بعدما نالها قسط من التخريب والتدمير، وأحيانًا يكون إعادة البناء أصعب من البناء نفسه، إلا أن فريق العمل الذي قاده الدكتور إسماعيل الشطي -رئيس التحرير السابق-، ومن بعده المهندس محمد البصيري -رئيس التحرير الحالي- بإشراف السيد: عبد الله علي المطوع -رئيس مجلس الإدارة- مع كثير من الجنود المجهولين العاملين في إدارات «المجتمع» المختلفة، تمكن من إعادة البناء خلال فترة وجيزة، وكانت تحديات المرحلة تحديات كبيرة من كل النواحي، فطبيعة الخطاب ومنهج التناول الصحفي يجب أن يتناسب مع معطيات الواقع الجديد الذي بدأ يُفرض على الأمة بأسرها وعلى المنطقة بشكل خاصٍ، والمحافظة على المسيرة التي بدأتها «المجتمع» قبل عشرين عامًا أمر أساسي ليس لاستبقاء شريحة القراء التي ارتبطت ب «المجتمع» طوال تاريخها، وإنما لاستقطاب شرائح أخرى اوسع وأكبر، وكان فريق العمل بسيطًا وقليلًا في البداية إلا أنه كان كبيرًا في أدائه وكثيرًا في عطائه ومثابرته وسهره ودأبه.

وكان العم أبو بدر -حفظه الله- رغم أعبائه الكبيرة يواصل متابعته للعمل ليل نهار، فكنت أوقظه أحيانًا بعد منتصف الليل أو قبل الفجر، وكان يقول لي في صبر جميل: «لا ضير عليك في أي وقت أيقظني، ولا تحرمني آجر الرباط معكم» فكان يعيش معنا كل الوقت، حتى بدأت «المجتمع» تستعيد عافيتها، وصارت بعد عام واحد من استئناف صدورها «مجلة المسلمين في أنحاء العالم» بحق، وليس مجرد شعار، فأصبح لها مراسلوها المنتشرين في كافة البقاع الساخنة في أنحاء العالم، وأصبح لها فريق كتابها المتنوع والمنتشر على رقعة واسعة من الأرض، وإذا كانت بعض الصحف العالمية تفخر بأن لها عشرين أو ثلاثين مراسلاً في أنحاء الدنيا، فقد قارب عدد مراسلي «المجتمع» عدد مراسلي أبرز الصحف العالمية، وزاد كتابها المشاركون على المائة، فأصبحت بشهادة «الشركة السعودية للتوزيع» المجلة الأولى في الخليج، كما أن رقعة توزيعها اتسعت لتصل إلى قراء العربية في أكثر من ١٢٠ دولة، وهذه رقعة يصعب على مجلات وصحف عربية أخرى أن تكون قد وصلت إليها، وقد شكّلت إدارة المجلة بأقسامها المختلفة مع فريق المراسلين والكتاب المشاركين المنتشرين في أرجاء الدنيا، مع فريق القراء الموزع على ثلثي الكرة الأرضية، منظومة متكاملة كنا ولا زلنا نشعر بها هنا شعورًا دافئًا طوال السنوات الماضية، مما جعل ل «المجتمع» طرحها المتميز، وموضوعاتها الصحفية التي جذبت إليها كافة شرائح المجتمع، كما أصبحت محط اهتمام مراكز الدراسات والأبحاث العالمية المهتمة بالمنطقة العربية وشؤون العالم الإسلامي، والصراع العربي الإسرائيلي، وأصبحت مرجعًا أساسيًا لدى كثير من الباحثين الغربيين أو المتخصصين في شؤون المنطقة، وكانت مراحل التطوير المختلفة التي مرت بها «المجتمع» تقوم على أحدث ما تقدمه المجلات الأخرى رغم الإمكانات البسيطة التي نتحرك في إطارها، مدركين فضل الله علينا وتوفيقه لنا فيما نقوم به، فتوفيق الله وتيسيره هو السبب الرئيسي والأول فيما وصلت له «المجتمع» من مكانة، وما آلت إليه من نجاح.

وحينما شعرت أني قد قمت بما استطعت القيام به وليس بما ينبغي القيام به، أو ما يجب القيام به تجاه هذه المرحلة الهامة من حياتي المهنية وحياة «المجتمع»، سعيت للتمهيد لدى العم أبو بدر قبل عدة أشهر بأني أستعد للرحيل، لكنه رفض رفضًا قاطعًا أن يتيح لي حتى فرصة السماع مني، وظل كلما فاتحته في الأمر يرفض الإنصات لحديثي، إلا أني شيئًا فشيئًا ومع مرور الأيام استطعت أن أوصل له وجهة نظري وأسلوبي الحياتي، ونظرتي للمهام والأعمال التي اقوم بها، ورؤيتي لمراحل الحياة المختلفة، وأن «المجتمع» مرحلة في حياتي، كما أني كذلك مرحلة في حياتها المديدة إن شاء الله، وأنه ينبغي لي أن أسعى لأصقل موهبتي وأطور عملي، وأنتقل إلى أفاق جديدة، لا أن أقنع أو أقف عند ما وصلت إليه، وأن تسعى «المجتمع» كذلك إلى غيري لتطور من أدائها، وتنوع من الخبرات، وتضيف من الوجوه الجديدة إلى رصيدها التاريخي، فلولا الأفاضل والأكارم الذين قاموا على تأسيسها وتعاقبوا على إدارة تحريرها طوال عشرين عاماً قبلي ما وصلت «المجتمع» إلى ما هي عليه الآن، فإنما هي جهد الأوائل أضفنا إليه لبنة أو لبنتين، ويأتي مَنْ بعدنا ليُضيف إلى مِن سبقه حتى تتواصل الأجيال على هذا الصرح الذي أصبح يشكل علامة متميزة في الصحافة العربية في الوقت الراهن.

ولئن عزَّ علي فراق أحد هنا - والجميع أعزاء علي- فإنما هو فراق العم أبو بدر رئيس مجلس الإدارة عبد الله علي المطوع- حفظه الله ورعاه، فقد كان بالنسبة لي طوال السنوات السبع الماضية والدًا، ومربيًا، وموجهًا، وأخًا، وصديقًا، وأذكر أنه ما صدر عدد طوال هذه السنوات دون أن يشارك بشكل مباشر فيه، والإشراف على أهم ما فيه، سواء كان في الكويت أو في أي طرف من أطرافِ الدنيا، وكنتُ إذا تأخرت عليه في الاتصال بادرني هو متسائلًا: «أين أنت اليوم يا أحمد؟»، ولا أذكر إني طوال سنوات عملي معه سمعت منه إلا ما يسر النفس، ويُذهب الهم، ويرفع الهمة، ويشد العزيمة، ويعين على أداء الأمانة، ولا أنسى له حينما وجد في نفسي إصرارًا على الرحيل أدمع عيناي حينما قال: «حتى وإن رحلت عن ديارنا.. فإنك لن ترحل من قلوبنا يا أحمد إنك مثل واحد من أولادي، وإننا لنتمنى لك الخير حيث كنت.. ولن نسمح لك بالانقطاع عن «المجتمع» أينما ذهبت».

أي مكانة يرجوها الإنسان في نفوس من عايشهم واختلط بهم، وعمل معهم أفضل من تلك المكانة التي لا تُباع ولا تُشترى، وإنما يقذفها الله في قلوب عباده حتى يتواصلوا فيه وله بها، ونسأل الله أن تكون مكانتنا عنده أفضل منها عند الناس، وأن يجمعنا في مستقر رحمته، وما وجدته في نفس العم أبو بدر وجدته في نفوس الإخوة جميعًا، لاسيما المهندس محمد البصيري -رئيس التحرير- الذي أفادني كثيرًا بخبراته الإدارية وسَمته الهادئ خلال سنوات عملي معه، وكذلك الأخ محمد الراشد - نائب رئيس التحرير الدؤوب النشط، ورئيس لجنة التطوير الدائمة ل «المجتمع». والأستاذ وليد المير - المدير المالي والإداري ودينامو «المجتمع»- الذي لعب - ولايزال - دورًا رئيسيًا في تنمية موارد «المجتمع» وزيادة رقعة انتشارها، مرورًا بباقي الإخوة الأفاضل والأعزاء، وصولًا إلى أبسط العاملين في «المجتمع»، وقبلهم كافة الإخوة المراسلين الذين كانوا نعم المعينين على هذه المرحلة، سائلًا الله أن يتقبل من الجميع.

ومع ذكر المراسلين فإني أذكر لهم جميعًا فضلهم وجهدهم في عمليات التطوير والارتقاء التي مرت بها «المجتمع»، فقد شاركوا جميعًا بأفكارهم ومقترحاتهم العملية وتصوراتهم ونقدهم وتوجيهاتهم وكان لهم دورهم المباشر في صناعة النجاح، وأخص منهم بالذكر الدكتور أحمد يوسف - مدير المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث في واشنطن- الذي كان أستاذًا وموجهًا، وله- بعد الله سبحانه وتعالى- الفضل في فتح المجال أمام كثير من الموضوعات البارزة والكتاب المميزين المقيمين في الولايات المتحدة الذين أصبحوا من كتاب «المجتمع» المشاركين، والذين أضفوا عليها مزيدًا من سمات الارتقاء والعالمية، كما أحفظ له دأبه معي أثناء زياراتي للولايات المتحدة رغم مشاغله، فله الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في تعريفي بأبواب ومفاتيح العمل السياسي في الولايات المتحدة، وكذلك أشكر جهد الدكتور محمد الغمقي من باريس، والأستاذ هشام العوضي من لندن، والأستاذ نبيل شبيب من بون، والأستاذة نوال السباعي من مدريد، والأستاذ محمد العباسي من تركيا، والأستاذ أسعد طه المراسل المتجول، والدكتور محمد البقري من بلغاريا، ود حمزة زوبع من البانيا، والأستاذ رأفت يحيى من إسلام أباد، وكافة الأساتذة الأفاضل الآخرين الذين ربما يفوتني ذكرهم هنا.

وأخص من الكتّاب المشاركين الصديق العزيز البروفيسور مأمون فندي - أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون- الذي أثر «المجتمع» بنشر مقالاته بالعربية دونًا عن الصحف والمجلات الأخرى، وكذلك البروفيسور جون أسبوزيتو الذي منحنا حق نشر مقالاته بالعربية، كما أشكر أستاذي الدكتور الشاعر والأديب والمفكر والناقد جابر قميحة الذي تتلمذت على كتاباته منذ صغري، وسعدت بخدمة نشر كتاباته خلال السنوات الماضية، أما الدكتور أحمد العسال - نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد - صاحب النفسية الراقية الصافية، فلم أصادف توجيهًا أرقى مما أسمع منه، أو اقرأ له في رسائله لي، واشعر وأنا أسمع منه أو أقرأ له أنه يحفر المعاني الراقية في نفسي لسبب بسيط هو أنه يصنعها من نفسه، كما أكنّ كل التقدير والاحترام للآخرين جميعا.

ومع انتقالي إلى عمل جديد وقطر جديد فإني أسأل الله أن يتقبل منا ما مضى، وأن يوفقنا لما هو آت، وأن يجعله في موازين أعمالنا، وأن يكون خالصًا لوجهه الكريم، ولذا فإني لا أقول وداعًا.. ولكن.. إلى لقاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

191

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟

نشر في العدد 3

153

الثلاثاء 31-مارس-1970

شكر وتقدير