العنوان الوقف ( 2 من 2 ): دوره الحضاري
الكاتب سليم منصور
تاريخ النشر السبت 02-يوليو-2005
مشاهدات 67
نشر في العدد 1658
نشر في الصفحة 44
السبت 02-يوليو-2005
أسهم في صنع الحضارة ووفر العناصر الأساسية لبنائها من أوقاف تربوية واجتماعية وعسكرية وغيرها
ارتبط الوقف بالحضارة ارتباطًا وثيقا؛ حيث غدت الأخيرة متلازما وجودها مع نموه وازدهاره فقد ارتبطت الأوقاف والأعمال الخيرية بالتقدم حيث وجدت أوقاف في المجتمعات غير الإسلامية كما وجدت في المجتمعات الإسلامية. ويكاد أمرها يرتبط بالمستوى الحضاري للشعوب. فعندما كانت الثقافة الإسلامية فاعلة، كان الناس يوقفون وقد كثرت الأوقاف ومواردها وخيراتها، وعندما انحط المسلمون انحطت معهم أوقافهم.
وقد قام الوقف بعملية البناء والمشاركة في صنع الحضارة، بل والمحافظة على الكثير من رموزها وذلك من خلال توفير العناصر الأساسية لبنائها من أوقاف تربوية واجتماعية وعسكرية واقتصادية وإنسانية وصحية... ومن خلال العديد من العناصر التي عمل الوقف على دعمها وتنميتها:
١. الوقف نموذج أصلي في الحضارة الإسلامية: فهو يتمتع بمنظومة فقهية وتاريخ طويل.. وله جذور في هذا البناء الإسلامي الممتد من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ينطلق من فعل أو مبادرة ورغبة من الإنسان المسلم وليس ردة فعل أو طفرة، أو رد على سياسة وظرف ما، كما حدث في الغرب؛ حيث كانت المؤسسات الخيرية رد فعل لظروف اجتماعية وسياسية، فقد كانت البداية في نهاية القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين كانت آثار الثورة الصناعية وما نجم عنها من تكدس الثروات وتذمر الطبقات العاملة ممن تعاني من شظف العيش من أهم العوامل على إقدام أصحاب الشركات الكبرى على وقف الأموال للعمل الخيري. ثم لتكون ردة الفعل الأخرى عند انتهاء الحرب العالمية الأولى وظهور الدولة الشيوعية وما كانت تدعو إليه من مفاهيم اقتصادية أحد أسباب المبادرات التي انطلقت من الشركات والمؤسسات الصناعية لوقف الأموال لمعالجة بعض مظاهر الخلل الاجتماعي، حتى لا تتسرب المفاهيم الشيوعية إلى المجتمع الأمريكي. ثم ليبرز التمايز فيما بعد من خلال السياسات الضريبية؛ حيث ارتبط العمل الخيري في الغرب بسياسة الإعفاء الضريبي التي يحظى بها المتبرعون وخاصة في مجتمعات أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، في حين أن نظام الوقف الإسلامي لم يكن معفى من أداء الضرائب، فتعدد أنواعها. قديمًا وحديثًا، وسواء كان الوقف على جهة خاصة أو جهة عامة. لم يكن يعني التمتع بأي إعفاءات أو تخفيضات ضريبية.(1)
2- الوقف مشروع حضاري: إن انتشار الوقف في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي كانت له دلالات خاصة:
- أن الكثير من المسلمين أوقفوا في مناطقهم وفي خارجها، وهو أمر له دلالة على ما تتمتع به الأمة الإسلامية من تسامح، وهي سمة من سمات الحضارة الإسلامية المبنية على عدم التمركز.
فالازدهار الحضاري الذي عرفته بخارى وطشقند وسمرقند وصولًا إلى مراكز الفقه والثقافة غربًا، كان في حالة موازاة.. ولم يتفوق على ما كان في المركز في بغداد
(2) ولكن ذلك يختلف تمامًا عن الحضارة الغربية.. فشرط وجودها المركز والأطراف التابعة بما ذلك حضاريًا وأيديولوجيًا وثقافيًا. أما الاندماج أو التساوي بين المراكز والأطراف فيعني انفجار الوحدة وانهيار النظام الرأسمالي العالمي كما يعني انفجار الحداثة الغربية العالمية، لأن إعطاء الشعوب حقًا وحقيقة وضعًا حضاريًا وثقافيًا ماديًا لقرينه في المركز يعني انتهاء الحضارة الغربية.
ب. عدم التعصب في نطاق الحضارة الإسلامية لطائفة أو لطبقة أو لمنطقة وهو ما يبرز خاصة في المدارس والمكتبات والمنشآت الاجتماعية، فقد جعل ذلك من الارتقاء الاجتماعي في الإسلام مفتوحًا لكل الناس بما أتاحته أساليب الوقف، إذ لم تفرق أموال الوقف بين جنسية وأخرى أو بين طبقة وأخرى.. بل سهلت للجميع الوصول إلى أقصى المراتب العلمية والاجتماعية والسياسية.
ج- الحضارة الإسلامية من صنع الأمة: أثبت الوقف أن الحضارة تصنعها الأمة فلا تحتكر قيامها فئة أو طبقة من المجتمع، وإنما يصنعها المجتمع كله. فالأمة بمختلف عناصرها وتياراتها هي التي أبدعت حضارة الإسلام والوقف كان المؤسسة الأم التي مولت صناعة أمتنا لهذه الحضارة...
فقد ارتبطت الحضارة الإسلامية بما أنفقه الوقف على عناصر عديدة، فضلًا عن المشاركة الأهلية في صنع الحضارة، فلم تكن الدولة هي الفاعل الوحيد، بل شاركها المجتمع المدني بكافة جوانيه، وكانت الأمة حاضرة. ومن هنا فإن الحديث عن أي مشروع لبعث الحضارة الإسلامية، لا بد أن يعني تصحيح الخلل الذي حدث في العلاقة بين الدولة والأمة ولتعود للمؤسسات الأهلية والتطوعية والخيرية دورها الفاعل وفي مقدمتها الوقف.
د. الحضارة تصنعها المؤسسات: وهو ما أبقى الحضارة الإسلامية حية فترة طويلة من الزمن، وذلك من خلال طبيعة الوقف المتجددة وهي ظاهرة واضحة في التاريخ الإسلامي، فقد استطاعت المؤسسات التي أقــامـهـا الوقف الاستمرار والبقاء طويلًا دون أن تتوقف عن أداء رسالتها عقب وفاة مؤسسيها.
٣. نماذج حضارية من الأوقاف: شملت الأوقاف نواحي مختلفة من أوجه الخير، وتخفيف الآلام وإماطة الأذى وإسداء الخير، وقد وصلت من التناهي إلى درجات لم يبلغها الغرب في عصر مدنيته هذه، وإن ما يتغنى به الغرب حاليًا من جمعيات إنسانية أو بيئية أقام المسلمون الكثير منها منذ قرون وربما هناك منها ما يعمل حاليًا أو تقوم أوقاف على إقامة نواحي شبيهة بها. وهناك العديد منها لم تصل به رقة الشعور ودقة اللحظ في الغرب إلى أمثالها ونورد هنا بعض النماذج:
وقف النقود لغسل الجنابة (٣): وهو وقف كان موجودًا في تونس بالقرب من جامعة الزيتونة، حيث توجد نقود في ذلك المكان، ومن أصبح على جنابة وهو عاجز عن أن يتطهر فيمكن له أن يذهب إلى النقود الموقوفة، ليأخذ منها، فيشتري الماء، ليأخذ منه ويستحم.
وقف الموتى.
وقف ماء الشرب لسقي الدواب.
وقف البذار للفلاحين.
وقف أشجار مثمرة ليأكل منها المارة.
وقف الإضحاك المرضى والإنشاد والموسيقى.
وقف لنقل النفايات وجمع الفئران.
وقف الثوب الملوث (٤): وهو وقف مفاده أن وقع زيت مصباح على ثوب أو تلوث الثوب بشيء آخر، يذهب إلى هذا الوقف ويأخذ منه ما يشتري به ثوبًا آخر..
وقف لإقامة الأعراس: وهو من الوقوف بمدينة فاس يقوم على تحبيس ثلاثة دور كل واحدة بفرشها وأثاثها على من يدير أعمال ولائم العرس من المتوسطين والضعاف الذين لا محل لهم لذلك.
وقف الأسبلة: وهي أوقاف التسبيل الماء في الطرقات العامة ليشرب منها الناس والحيوانات ولم يقتصر اهتمام الواقفين على إنشاء الأسبلة، بل شمل أيضًا اهتمامهم بضرورة توافر الماء العذب بالسبيل طوال العام، صيفًا وشتًا، وكذلك تعيين الموظفين للإشراف على السبيل للحفاظ عليه وتنظيفه.
وقف للقطط والكلاب (٥): وهو سبق حضاري لم تعرفه الأمم قبل المسلمين وما عرفته جمعيات الرفق بالحيوان إلا حديثًا، بل وجدت أوقاف متخصصة حتى لمعالجة بعض الطيور، ففي أوقاف مارستان سيدي فرج بفاس أوقاف خصصت لعلاج اللقالق (طائر كبير من فصيلة البجع) إذا انكسرت أو أصيبت بأذى تصرف جراية لمن يضمدها ويداويها ويطعمها.
دور المسافرين والعمارات (٦): وهو بناء يجد فيه المسافر الفقير مبيتًا لنفسه، ومكانًا يضع مطبته فيه مع طعام لوقت معين. أما العمارات فهي مطابخ عامة كان يوزع فيها طعام لفقراء البلد والمسافرين أو الطلبة. وكانت مهمة هذه المؤسسة تتجلى في أن تحل مشكلة النزول لشخص غريب وكان في بعض المدن عدد من هذه المؤسسات أو ما يشبهها، خاصة بجانب التكايا والزوايا. وقد شجعت هذه الأوقاف السياحة والتنقل بين المناطق وأعطت الشعور بالأمان لمن يقوم بذلك بأنه لن يضيع أو يجوع.
الحمامات: فقد كان بناء هذه المؤسسة يكلف كثيرًا، ولذا كان مؤسسوها من الرجال الأغنياء بين الواقفين، ولم يكن الهدف الأول لبنائها مواردها لأنها كانت قليلة نسبيًا بسبب مصاريفها التي تحتاجها للإصلاح وغير ذلك... فقد كانت تغلب فيها الناحية الإنسانية أكثر استجابة للدوافع الدينية.
وقف الشمع..
وقف المطاعم الشعبية: وهي التي يفرق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء وحلوى، ولا يزال العهد قريبًا بهذا النوع في كل من تكية السلطان سليم وتكية الشيخ محيي الدين بدمشق ومنها بيت الحجاج في مكة ينزلونها حيث يفدون إلى بيت الله الحرام.
وقف الآبار: لسقي الماشية والزروع والمسافرين وقد كانت كثيرة جِدًّا بين بغداد ومكة وبين دمشق والمدينة..
وقف أبراج الساعة (٧): وكان ذلك في مدينة بالوناكة (البوسنة) وتذكر الساعة في وقفية فرهاديك في النصف الثاني من القرن السادس عشر. وكان هذا الجهاز نادرًا في القرون الوسطى، ولهذا فإن وجود الساعة العامة. والاستفادة منها في بلدة ما كان كبيرًا بسكانها..
وقف لسقاية الماء المثلج: وكان في دمشق والمغرب وقف لسقاية الماء المثلج في الصيف لعابري السبيل وقد يسقونه بماء الخروب أو غيره من الأشربة.
وقف لإعارة الأواني والأدوات: وذلك في مكة وكانت تستعار منه أدوات السفر والمفروشات.
وقف سكة الحديد..
وقف شبكة المياه.... وقف الجسور..
وقف لختان الأولاد من أبناء الفقراء والأيتام.
وقف قصر الفقراء (۸): وهو من غريب الأوقاف وأجملها. وقد عمره في ربوة دمشق نور الدين محمود بن زنكي.. فإنه لما رأى في ذلك المتنزه (الربوة) قصور الأغنياء عز عليه ألا يستمتع الفقراء مثلهم بالحياة فعمر القصر ووقف عليه قرية داريا وهي أعظم قرى الغوطة وأغناها.
هذه نماذج من الأوقاف وما عالجته من ثغرات في المجتمع. يعتبر البعض منها مفاجئًا للكثير من المسلمين. فكيف بالنسبة لغيرهم. ولكنه في النهاية يدل على ما تمنعت به هذه الأمة من الروح الإنسانية والتسامح والانفتاح والرفق ليس بالبشر فحسب، بل بالحيوانات والطيور. نأمل أن تستعاد ته صور هذه الوقفيات في مجتمعاتنا لنعيد لأمتنا بعضًا من وجهها المشرق.
الهوامش
(1) الدسوقي محمد، الوقف ودوره في تنمية المجتمع الإسلامي، وزارة الأوقاف المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية العدد ٦٤ القاهرة ط ۱. ۲۰۰۰، ص ۲۸ .
(۲) شفيق منير في الحداثة والخطاب الحداثي المركز الثقافي العربي، بيروت، ط ۱، ۱۹۹۹، ص ۲۱.
(3) القحف منذر الدور الاقتصادي للوقف في التصور الإسلامي، ندوة السياسة الاقتصادية في إطار النظام الإسلامي، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب جدة ط ۱، ۱۹۹۷، ص ٤٣١.
(٤) أرسلان، شكيب حاضر العالم الإسلامي، دار الفكر، ط ٤، ۹۷۲، ص ۹.
(٥) انظر: طنطاوي، عليِّ ذكريات دار المنارة للنشر، جدة، ط ۱. ۱۹۸۹، ص ۳۱۲
(٦) انظر: شكريتش يناز محمد، انتشار الإسلام في البوسنة والهرسك في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. جمعية الدعوة الإسلامية العالمية طرابلس، ط ۱، ۱۹۹۵، ص ۱۸۷- ۱۸۸
(۷) المرجع السابق، ص ۱۹۲.
(۸) علي، محمد کرد، خطط الشام، مجلد. ج ٦، مكتبة النوري دمشق ط، ۱۹۸۳، ص ۹۷.