; مبادئ المشروع الإسلامي للإصلاح الاقتصادي | مجلة المجتمع

العنوان مبادئ المشروع الإسلامي للإصلاح الاقتصادي

الكاتب يوسف كمال محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1992

مشاهدات 83

نشر في العدد 1011

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 11-أغسطس-1992

  • ·       الهدف من الإصلاح الاقتصادي ليس هو تحقيق الوفرة المادية فحسب، وإنما تزكية النفس وإسعادها.

     

    ·       إن المسلمين في جميع أنحاء العالم تهفو نفوسهم إلى الإسلام وتشتاق إلى أن تعرفه وتعيشه.

     

    ·       في البداية علينا أن نحدد المبادئ الأساسية للمشروع الإسلامي للإصلاح الاقتصادي.

     

    المبدأ الأول: الهدف من الإصلاح ليس هو تحقيق الوفرة المادية فحسب، وإنما تزكية النفس وإسعادها، والتجارب ترينا أن روسيا ضاعت بإهدارها لهذا التكامل، وأن الغرب ينحدر نحو الهاوية من تفسخ الأسرة والإدمان وتفشي الجريمة وترف الأغنياء وبؤس الفقراء.. فلابد ليتحقق التوازن والاستقرار ورغد العيش أن ينمو الإبداع المادي، في حضن القيم الإيمانية: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)

     

    المبدأ الثاني: حاجتنا إلى الحلول طويلة الأجل القائمة على تغيير أدوات النظام الاقتصادي بعد فشل الأنظمة المعاصرة وأدواتها، ومن الواضح أن الخلل لا يكمن في إجراءات قصيرة الأجل بل في إصلاحات أساسية تذهب إلى جذور عللنا الاقتصادية، فكثيرًا ما حدثت اضطرابات في الاقتصاد عولجت بالطرق الرتيبة المعهودة التي أحدثت بعض التغييرات، فكانت علاجًا لأعراض العلل وليس لأسبابها، وعبثًا نحاول البحث في تاريخ أمريكا من أجل العثور على إصلاحات اقتصادية جذرية حقيقية، واجهت الاضطرابات الكبيرة، فقد نتج عن كل أزمة قيام مؤسسات جاءت بحلول مؤقتة للأمد القصير، ولكنها في الوقت نفسه خلقت المزيد من العلل التي لم تظهر آثارها إلا بعد مرور فترة.

     

    المبدأ الثالث: أن الإصلاح لن يتم بالموارد ولا التكنولوجيا وحدهما، وإنما ابتداء بالإنسان صاحب العقيدة التي تولد حافزًا في نفسه، لا يهدأ حتى يقيم واقعًا محدد المعالم، وبالشريعة التي تحدد له منهجًا، يخرجه من قصور وضلال الأنظمة المعاصرة، وهذا يحقق المعجزة التي تتخطى كل حسابات البشر، وبمناقشة هادئة والتزام علمي يقدم الإسلام طريقًا يخرج الأمة من أزمتها، بل ويقدم للعالم كله ما يخرجه من شقائه.

     

    لكننا نحب أن ننبه إلى بعض الأمور؛ ليسهل الوصول إلى قاعدة مشتركة، تمكننا من إجراء الحوار والتوصل إلى نتائج:

     

    1- إنه لا بد من الاتفاق ابتداءً على الحاجة إلى تغييرات جذرية في نظم حياتنا؛ سواء كانت أدوات أو مؤسسات، وأن العلاجات السطحية والجزئية لن تحقق الانطلاق، بل ستزيد من حدة الأزمة.

     

    2- ومن ثم لزم التنبيه إلى أن إلف الواقع، ومعاناة التغيير، يجعل البعض أسير قناعة استحالة التغيير. فرجل الفكر الذي تعود على أخذ ظاهرة الضرائب، كأداة للسياسة المالية، وظاهرة سعر الفائدة كأداة للسياسة النقدية، يصعب تحرير فكره من ضغوطهما، وتصور العمل بدونهما. والحال كذلك بالنسبة للمسؤول المالي أو المصرفي، والتحرر من أسْر الإلف هذا يحتاج إلى همة الأفذاذ على المستوى الفكري والعملي.

     

    ولزم التنبيه أيضًا إلى أن التعب الشديد دون إعمال الفكر يمثل أيضًا عقبة هائلة أمام التغيير، فما أسهل أن نرفع ببساطة عناء البحث، بدعوى أن مطلق التسليم يكفي، وأن عقد المقارنات والتأمل في أحوال غير المسلمين، وتفهم إنجازاتهم أمر يدل على ضعف الإيمان، فنحن أمام واقع فيه السلبيات والإيجابيات، وأمام عالم سبقناه في الكشف عن السنن، وحقق كثيرًا من الإنجازات، ونحن أحق بهذه الإيجابيات وأهلها، فنحن المسلمون الذين عرفناهم الطريق، ولابد أن نكشف عن سلبياتهم ونظهر أسبابها، ونحدد علاجاتها من وحي هدى الله وطاعته؛ حتى نرشد العصر بالنص، ونخرج البشر من ضلالهم وشقائهم، وهذا يتطلب بذل الجهد والبحث.. أما الاعتزال والمفاصلة وترك فهم الإسلام حتى تقوم دولته، فإنه عجز، يجعل الباطل يزداد قوة والحق يزداد تراجعًا.

     

    3- وقد قضى الله تعالى ألا يتم التغيير إلا بالجهد، وسماه على أرض الواقع جهادًا، وسماه على أرض الفكر اجتهادًا، ودعا إلى النفير إلى التفقه، فالكشف عن حكم الله في قضايا العصر لا يتم بمجرد التسليم، وإنما مع التسليم البحث والتحصيل، يقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).

     

    4- إننا نريد التنبيه بشدة على ضرورة وضوح المشروع الإسلامي بأبعاده النهائية؛ ليسترشد به العمل. نحن نعلم أن هناك ظروفًا صعبةً تمر بها أمتنا، ونقدر ذلك، ولكن إن سمح ذلك بمرحلة الأسلوب، فإنه من الخطورة بمكان أن يتلون الإسلام نفسه، فيصبح الحرام يومًا حلالًا، وهنا يكون الهوى والمصلحة، وليس الشرع والحق هما صاحبي القرار؛ سواء كان ذلك هوى شخص أو هوى جماعة.. وإذا لم يكن ما نطالب به واضحًا محددًا يكشف عن حكم الله في قضايا المجتمع المعاصر، فإننا نعرض بذلك الدعوة الإسلامية لسخرية الأعداء وشماتة المعطلين.

     

    5- وقد يحاجج البعض أن دعوة الإصلاح هذه لن يستجاب لها، لكن يجب أن يعلموا أن واجب الدعوة والبلاغ قائمان، ولكن على علم، لا بمجرد رفع الشعارات والحماس: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108).

     

    6- هذا فضلًا عن الالتزام بالحلال والبعد عن الحرام، مقتضى دين، لا يجرؤ عاقل على الادّعاء بمرحلته بعد أن كملت النعمة وتم الدين إلا ما اضطررنا إليه كما علمنا الله. ونحن نعلم أن هذا يحرج مؤسسات اقتصادية إسلامية لا يعرف مديروها حتى مبادئ فقه المعاملات، وأن هذا يحرج مؤسسات تريد أن تُعفى من التطبيق بأسلوب أو بآخر. ولكننا نطمئن القوم أن هذا الأسلوب لا يصادر التيسير، ولكن يصادر التحريف، فضلًا عن أنه يحمي الكثيرين من التضليل والاستغلال بوضوح الرؤية واستقامة الفكر.

     

    7- ودعوى أن الإسلام لا يصلح إلا إذا طُبِّق كاملًا، إن هي إلا حق يُراد به باطل، فحقًّا لا يكمل الإسلام إلا بذلك، ولا تظهر فاعليته تمامًا إلا بتكامل أوامره، ولكن في التطبيق ما لا يدرك كله لا يترك جله، وإلا لكان معنى هذا إصرار على معارضة الغير حتى وإن طُبق الإسلام، وهنا يكون الهدف السلطة، وإن رفع شعار الإصلاح.

     

    8- ونحن نرى المسلمين في العالم - والحمد لله - تهفو نفوسهم إلى الإسلام وتشتاق أن تعرفه وأن تعيشه، وتئن من ظلم النظم التي فرضها عليهم أعداء هذا الدين وأعوانهم. ولا تلتفت في هذا إلى أقوال أتباع الفرق التي أثخنت الإسلام والمسلمين أيام السلف، لهذا نرى واجبًا علينا أن نقدم لهم الإسلام حلًّا، يأخذ بأيديهم من مظالم النظم المعاصرة إلى رحاب الإسلام. ندعوهم إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، ونأخذ بأيديهم برفق ليصلح الإسلام من شأنهم، وندافع عنهم ونحرر أوطانهم من وحوش الاستعمار الصليبي والصهيوني والوثني، والاقتراب بهم من الإسلام أقصى ما نستطيع.. إن هذه الأرض ستعود حرة موحدة لله، شاء الأعداء أم أبوا، لهذا كل خير يأتيها رصيد يضاف، وكل سوء يدفع عنها هو همٌ يزاح.

     

    9- وبدون هذا الجهد، سيتجه القوم، حتى ولو قامت دولة الإسلام إلى الحيل، وشواذ الفتيا، ليعايشوا الواقع ولا يغيروه، فيكون الإفتاء لتبرير العائد المشروط للقرض باسم الاستثمار، استجابة لواقع البنوك التجارية أو تسمية العائد المشروط للقرض باسم المرابحة، كما حدث في البنوك الإسلامية، وعندئذ يفقد الإسلام فاعليته في إحداث التغيير، وينطفئ نور إعجازه بعجز أهله، خصوصًا إذا استدرجنا للتطبيق، دون توافر الخبرات والمناهج، فيفقد الناس حماسهم للمشروع الإسلامي.

     

    10- وقد تتعدد الاجتهادات في الفروع، ولا يصادر ذلك مبدأ الاجتهاد، ولو قلنا بغير ذلك لحكمنا خطأ على الاختلاف في الفقه ونادينا بالرأي الواحد.

     

    11- والأمر ليس سهلًا، فهناك فصام بين العلوم الشرعية والوضعية باسم التخصص الدقيق، حتى في الأقسام العلمية، التي تسعى لتوحيد مصادر المعرفة، يدرس العلم الوضعي منفصلًا عن العلم الشرعي، وفي المؤسسات الاقتصادية تعمل هيئة الرقابة الشرعية منفصلة عن الإدارة الاقتصادية، فلا تتحقق الريادة في المعرفة ولا في التطبيق، ولا بد من المعاناة في وصل العصر بالنص في عقل مسلم، ومن الإصرار على إنشاء عُرف جديد باسترشاد التنفيذ بالشرع في خطوات التطبيق..

    والله الموفق والمستعان.

     

     

الرابط المختصر :