العنوان سوف يبقى في حنايانا رجاء
الكاتب سليم عبدالرحمن الزغل
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992
مشاهدات 62
نشر في العدد 1010
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 04-أغسطس-1992
في يوم من الأيام.. كان لنا وطن.. وخيول
وعيون.. وطواحين.. وفصول ووصول.. وسفر.
وداهم الغزو بلادي.. وخبت نيران قومي..
وبدأ عصر الشتات..
فصار القوم في نزوح.. لا الدار داري.. ولا
الخلان خلاني..
وذهبوا تحت كل كوكب.. وغدونا أكثر تيهًا
وضياعًا من قوم موسى..
في خيام أممية.. وحملنا جرحنا غائرًا..
ينزف بين الضلوع.. بعد أن كنا أعز من أنف الأسد.. خرجنا في مسيرتنا.. في غربتنا..
ترفعنا النجاد وتحطنا الوهاد.. نصيح في قبائل العرب.. إن البغاث بأرضنا يستنسر..
أيهود في أرض النقب؟ إيه يا أمة العرب.. ولسان الحال في أمة يردد من يصرخ في كل
ملمة.. أن لو ذات سوار لطمتني..
وطردنا من مرابعنا.. ومصاطبنا.. وحرارة
الدمعات تجري في مآقينا.
ولكن ما حيلة الرامي إذا انقطع الوتر؟
وغدونا لاجئين وصار لنا مخيم.. وخيمة..
«وكرت» إغاثة.. ووكالة غوث تحمل الغوث لنا..
من يهود.. ونصارى.. وصرنا صفقة الصفقات..
والجمعيات الأمية.. وزج بنا في مصطلحات العرب اللغوية.. «عودة لاجئين».. و«تقرير
مصير» و«حقوق وطنية».. وشجب واستنكار وإدانة وتضرع.. ومسكنة.. واستغاثات وشكاوى..
كموج البحر نجريها ونرسلها مغلفة.. بمعاني الذل والعار.. وأريق ماء وجه القومية
العربية على عتبات الغرب وبوابات الشرق أن أغيثونا وأن يهود قد وصلوا.. تنكرنا
لنهج وقرآن ودين.. وابتعدنا عن جهاد.. ورباط ويقين.. وتكالبت أمم الأرض علينا..
فقضينا غابرين.. وغدونا «كحاطب ليل» لا نهتدي.. نطلب النصر من الشرق الملحد.. نطلب
العون من الغرب الحاقد.. أمتي نصرها ليس شيوعيًّا.. ولا صليبيًّا.. ولا رعاة
للبقر.. وطلع علينا الخراصون.. كل يدعي وصلًا بليلى.. والله إن البقر تشابه
علينا.. وأصبحت عبارات الثورة والتحرير أرخص من التمر في البصرة.. ورفعت عشرات
الرايات.. تندد بالقرآن وبالآيات.. وتقسم بالعزى واللات.. أن الأديان والإيمان
رجعيات.. وتصيح القدس بلا إبطاء من علياء: أطرق كرا إن النعامة في القرى.
ويصير الأطفال رجالات.. يحملقون من خلف
الأفق.. ويتراءى لهم الوطن هناك كالسراب.. خلف الجبال والسحاب، مدارج الخطوات
الأولى.. والملاعب والبيادر والشفق.
وتقفز قلوبهم شوقًا لهبات رياح الشمال..
رياح أرق من دمع الغمام..
في هبوب وسكون وشجون.. وروابٍ سندسية..
وأطياف الكرى تتراءى والقلب في «دير الغصون»..
وذكريات الأمس تأتي.. في صباح وسمر.
ويمَّمنا بشقوتنا إلى مدريد.. نبغي
سلامًا.. وبلادًا ووطنًا..
وحقوقًا وهوية.. وسارع المُدّعون «بلا
بيعة بإلقاء أوراقهم جميعها في مزابل الأندلس.. وبدون البندقية».
فأين ذابت حدود الوطن من البحر إلى النهر؟
وأين ميثاق الوطن؟
وأين وصلت الشعارات المحروقة التي ظللت
الأمة البئيسة عقودًا دهرية؟
في مدريد قالت يهود: كل المآسي والجرائم
والفتن تطير من قبائل العرب..
إرهابيون أنتم أيها العرب.. كل حواضركم
معادية للسامية.. من الحيرة إلى اليمامة.. إلى طبرية..
وعاد القوم من مدريد وأقواس النصر تحف
بهم.. وراح بعض البؤساء والأشقياء يرقصون في الشوارع.. ولقد ضل من كانت العميان
تهديه.. وعدنا فيممنا بشقوتنا لواشنطن نريد سلامًا بل سرابًا.. وبعد الغرب يممنا
إلى الرفاق في الشرق.
يا أيها المدعون بلا دعوة.. والثوار بلا
ثورة لن تعودوا بشيء من يهود فأنتم لستم من أحلاسها وحتى يرجع الدر بالضرع «لعمري
إن هتفنا معكم إنا إذن لهالكون».
في يوم من الأيام.. كان لنا وطن.. وسيوف
ورماح.. وخطوب ومحن.. وكتاب الله فينا منهج رغم الفتن.. وليالٍ مقمرات.. وحمام
الدوح طن.
فسقطنا من علوٍّ.. وانطوت أيامنا.. وضربنا
في سفوح وسهول ووعر.. وبرحمة المولى نهضنا من رماد.. وركام.. وانتكاس وقهر.. وصار
البأس منا من «حماس».. وثغور.. وجهاد.. وكذا كر وفر..
وعلى أشلاء نكبتنا.. وحسرتنا.. خرج علينا
طواغيت العراق برايات الردة.. فاستباحوا الحرمات.. ورفعوا للناس سيوفًا تقطر من
دماء عربية.. وأذاعوا أنهم من أئمة الجهاد..
كذلك سولت لهم أنفسهم.. فسحقًا لأهل البعث
وأشياعه.. ألا ساء ما يحكمون.. وبذلك تسقط آخر الرايات في القومية العربية.. في
سكون وقدر.. رباه.. سوف يبقى في حنايانا رجاء.. وشفاء وانتظار ورضاء.. ويبقى القلب
في كبد.. وفي شوق ونزوج للوطن.