; المجتمع الثقافي: المجتمع (1284) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1284)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1998

مشاهدات 82

نشر في العدد 1284

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 13-يناير-1998

أكل أموال الناس بالباطل:

آفة واحدة وأساليب عديدة!

بقلم الدكتور أحمد عبد الرحمن

من المثير للدهشة والحيرة في الحياة العملية السلوكية اليوم وجود تفاوت حاد بين الالتزام في أداء العبادات، من صلاة وصيام وزكاة وحج وبين التهاون أو التدني الشديد في مستوى الصلاح والاستقامة في المعاملات يقابلنا في الفرد الواحد بعينه، حتى ليبدو أحيانًا أننا بإزاء شخصيتين متناقضتين قائمتين فيه!

ويتساءل الناس في حيرة كيف لهذا القوام الصوام أن يأكل أموال الناس بالباطل؟ ألا يعلم أو يشعر بأنه اقترف إثمًا أو معصية وكيف لهذا العابد القانت ولذلك العالم العارف أن يخاصم القريب والبعيد، ويقاضي الأقرباء والبعداء، ويبدد فكره ووقته سعيًّا إلى إحراز أموال لا حق له فيها بأي وجه من الوجوه؟!

إن هذه التساؤلات تطرح علينا في كل مكان وبلا انقطاع، فكل منا واجه أو يواجه واحدة من تلك الشخصيات العجيبة المتناقضة التي تحاول أن تجمع بين أداء حقوق الخالق، وأكل حقوق المخلوقين وهي تعرف كما يعرف كل مسلم، أن أكل أموال الناس بالباطل كبيرة من الكبائر، وموبقة من الموبقات ومن خلال هذه السطور أطمع في تعرية هذه الآفة العملية، وتعدد أساليبها، ولفت أنظار المسلمين إلى حرمتها الشديدة، لعلنا نبرأ من أوزارها وتناقضاتها قبل أن نلقى الله تعالى ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89).

وكلنا يعلم أن السرقة والاغتصاب والغش أساليب مختلفة لأكل أموال الناس بالباطل، ومن ثم تركز اهتمامنا على الأساليب الأخرى التي قد تخفى على كثير من الناس مثل الغرر، والمزابنة والخرص، والتطفيف في الكيل والميزان للأشياء والأشخاص والأفكار أيضًا.

ونبدأ بالتطفيف في الكيل والميزان، وهو معروف للناس في المجال المادي أعني في كيل الحبوب والغلات وغيرها، لكنه غير معروف في المجالات الأخرى، وفي هذا قال الإمام مالك بحق «لكل شيء وفاء وتطفيف، ففي العبادات وفاء وتطفيف»، وفي تقديرنا للآخرين، ولمواهبهم، وإنجازاتهم، وثقافاتهم، وفاء وتطفيف، وقد اخترعت الصناعة الحديثة من الموازين الدقيقة ما جعل التطفيف في وزن المواد عسيرًا، لكن الحضارة الحديثة أخفقت إخفاقًا ذريعًا في تنشئة روح الإنصاف لدى البشر، فذاع التطفيف في تقدير الآخرين، سواء كانوا أفرادًا أو أممًا وشعوبًا، وزاد الطين بلة، إطلاق العنان للفردية وإذكاء الأثرة، بدعم من الفلسفة المعاصرة، التي تعتبر الباعث الأساسي على التطفيف المادي والمعنوي؛ لأن التطفيف وسيلة إلى الاستحواذ على أموال الآخرين، وإلى سلبهم امتيازاتهم المعنوية وإنكارها، وادعاء الامتياز للنفس ورفعها فوق الآخرين، تمهيدًا للمطالبة بحق الرئاسة والقيادة والاستغلال أيضًا.

وفي المجتمعات المسلمة اليوم يواجهنا التطفيف الفظيع على كل المستويات الدولية والطبقية والفردية، وتؤكل الأموال بالباطل، وتبخس الأوزان والأقدار، على أوسع نطاق حتى رفعت الراقصات والغانيات إلى قمة المجتمع، وقبع أهل العلم والفكر في دورهم يتلقون التوجيه من فتيات الإعلانات وبغايا شبكات الدعارة، والقوادين في علب الليل و«النايت كلبس» وعلى المستوى الفردي، وفي مجال المعاملات المادية، يتناهش الناس كأنهم وحوش كواسر، ويتعارك ذوو الأرحام، ويقتتل الأشقاء على الميراث، ويواجه القضاء أكوامًا من الادعاءات وآلافًا من شهود الزور، والألاعيب البهلوانية من المحامين والمتقاضين.

ولقد كان الناس في «يثرب»، قبل أن يقدم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه بما نحن عليه اليوم، فيقول ابن عباس: «لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ (المطففين:1) فأحسنوا الكيل بعد ذلك»، وهكذا استجابوا لله تعالى، وكفوا عن التطفيف الذي هو أسلوب خسيس لأكل أموال الناس بالباطل.

لكننا اليوم نقرأ سورة المطففين، فنزداد تطفيفًا، ونقرأ النهي عن أكل أموال الناس بالباطل، في آيات عديدات من كتاب الله ونتغنى بها ونرتلها، ونجودها، ثم نمضي قدمًا في معصية الله وأكل أموال عباده.

ومرد ذلك إلى إخفاق التربية الحديثة في ترسيخ الإيمان بموعود الله الأخروي، وإيثار الآخرة على الدنيا، وتفضيل الحلال القليل على الحرام الكثير، وتحري مرضاة الله تعالى والخوف من سخطه.

بل إن التربية الحديثة في البيت والمدرسة ومن خلال الإعلام والفنون تعلي من قدر الدنيا ولذاتها، وتضع المال في قمة الهرم القيمي، وتعمد في كثير من الأحيان إلى توهين الإيمان بالله، وبالآخرة، وتسخر من الأخلاق والفضائل، وتعدها رجعية وظلامية، تنافي الحريات الشخصية، لذلك لا تستجيب لنداء القرآن الكريم في معاملاتنا، حتى أدمنا أكل أموال الناس بالباطل.

وقد ابتدع الجشع البشري أساليب أخرى عديدة لأكل أموال الناس بالباطل، من ذلك تقدير السلع بالظن أو المجازفة، وهو ما يسمى «الخرص» في الشريعة الإسلامية، وقد أدان القرآن الكريم هذا الأسلوب الخبيث، فقال: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ (الذريات: 10-11)، لأن: «الخارص يقطع بما لا يجوز القطع به، إذ لا يقين معه» (القرطبي الجامع، ج ۳ ص ٢٥٠٧)، فهو ينظر إلى كمية من القمح -مثلًا- قد تبلغ أردبًا، لكنه يقدرها بعشر كيلات فيبخس البائع، أو يقدرها بأكثر من أردب فيبخس المشتري، وربما يقع منه الخطأ بغير قصد أحيانًا، وربما يقع منه عن قصد وعمد، انحيازًا لمصلحة نفسه أو لمصلحة البائع أو المشتري.

ومن البدهي أن أي إنسان مسلم ورع يخاف الله، لا يمكن أن يقبل التعامل على أساس الخرص، خصوصًا إذا كان من الممكن وزن السلعة أو كيلها أو عدها، والله تعالى يقول: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ﴾ (الأنعام: ١٥٢) «أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن، وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرز» (الجامع: 3/2572).

فعلى كل مسلم أن يبذل قصارى الجهد في تحري العدل والقسط في تقدير السلع بأدق وسيلة متاحة من الموازين والمكاييل لا أن يعمد إلى المجازفة العشوائية، بغية أكل أموال الآخرين ظلمًا، أما إذا اقتضت الضرورة اللجوء إلى الخرص فإن الضرورات تبيح المحظورات، وفي هذه الحالة يجب أن يوكل الخرص إلى إنسان محايد يرتضيه الطرفان.

وقد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع التمر بالخرص فيما دون خمسة أوسق أي حوالي خمسين كيلة، في حالة خاصة، هي ما يسمى «العرايا» وهي نخل قليل معين لشخص، يقوم داخل بستان لشخص آخر، وعادة ما يتأذى مالك البستان من دخول صاحب «العرايا» ويريد المالك شراءها منه ولا يستطاع كيل التمر أو وزنه (موطأ مالك كتاب البيوع ص۳۸۳).

وقد يمارس الخرص بأسلوب آخر، فيقول المشتري للبائع هذه الكمية من القمح –مثلًا- تبلغ أردبًا، وأنا أشتريها على ذلك، فإن زادت عن ذلك فهو لي، وإن قلت عنه فلا عليك، وهذا الأسلوب هو ما كان يسمى «بالمزابنة»، عند الجاهليين، وقد حرمه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أكل الأموال الناس بالباطل، ومخالفة لقوله تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ﴾ (الإسراء: ٣٥).

ولا بد لنا نحن المسلمين أن نلتزم بهذه الشرائع الإسلامية العادلة، وأن ننقي حياتنا العملية من «المزابنة» و«الخرص» وكل ضروب التقديرات الجزافية للسلع، لكي نبرأ من موبقات أكل أموال الناس بالباطل، ومن سخط الله في الدنيا وعذابه في الآخرة.

ومن المؤسف أننا لا نلتزم بها في كثير من معاملاتنا، بل لا نكاد ندرك الحرمة فيما نقترفه من انتهاكات لها، ويفضل كثير منا عدم الوزن أو الكيل أو القياس لأنهم يعلمون أن ذلك سيكشف الحقائق وينزع منهم حقوق الآخرين.

وأوضح من الخرص والمزابنة الغصب وهو الاستيلاء على ملك الآخرين بالقوة، أو بالحيلة، أو بالادعاء والتزوير، أي أنه يشمل الاغتصاب والغصب، وهو أكل لأموال الناس بالباطل، ومحرم في الإسلام تحريمًا قاطعًا ويعد كبيرة من الكبائر لأنه انتهاك لإحدى القيم العليا الأساسية التي جاءت الشريعة لحفظها وصيانتها، وهي المال (الإمام الغزالي، المستصفى، ص٢٥١).

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغصب للمال، مهما كان يسيرًا أو تافهًا، فقال: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادًّا أو لاعبًا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه» (انظر تخريجه في نيل الأوطار للشوكاني، ج5 ص ۳۱۳)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من «ظلم شبرًا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين» (متفق عليه نفسه ص ۳۱۷). 

وقال الشوكاني إن «أحاديث الباب تدل على تغليظ عقوبة الظلم والغصب، وأن ذلك من الكبائر» (نفسه ص ۳۱۸).

وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب المال أن يدافع عن ماله ضد المهاجم المغتصب، وأن يقتله إذا اضطر إلى ذلك، وقضت الشريعة الإسلامية برد المال المغصوب إلى مالكه الشرعي، مع الأرباح التي يمكن أن يكون الغاصب قد جناها من ورائه، وحملت الغاصب كل تكاليف الرد، وبينت أن الواجب رد المثل إذا أمكن، وإلا فالقيمة، وأوجبت الرد للمال في المكان الذي اغتصب فيه، وقضت في كل تفاصيل الغصب، بأن يكون الغرم على الغاصب (انظر: إرواء الغليل كتاب الغصب ص ٤٣٣). 

وقد يتوسل إلى أكل أموال الناس بالباطل عن طريق إعطاء معلومات زائفة عن السلعة، فيقال –مثلًا- إن هذه الحلي «عيار ٢١»، في حين تكون في الحقيقة «عيار18»، ويتقاضى البائع الثمن على أساس المعلومة الزائفة، فهذا تغرير بالمشتري، أو غرر، كما يسمى في الفقه، وقد حرمه النبي ﷺ ونهى عنه، فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.

(وقال الشوكاني: رواه الجماعة إلا البخاري نيل الأوطار ج5 ص ١٤٧).

وقال الإمام النووي: إن «النهي عن الغرر أصل من أصول الشرع، تدخل تحته مسائل كثيرة جدًّا» (نفسه: ص ١٤٨).

هذه بعض الأساليب الخبيثة لأكل أموال الناس بالباطل، يختلف بعضها عن بعض، ولكنها تتحد في غايتها النكراء، ولذلك كان حكمها الشرعي واحدًا، إنها كبيرة من الكبائر، وموبقة من الموبقات ودليل على هزال الإيمان وخسة النفس، نسأل الله تعالى أن يتوب على كل مسلم متورط فيها، إنه سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب، وندعو كل مسلم إلى محاسبة نفسه حسابًا عسيرًا، قبل أن يحاسبه الله الذي: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (سبأ: ۳) والله من وراء القصد.

مشاهد من القصر السلطاني

شعر: عبد الرحمن فرحانة

المشهد الأول

عُود وقيان

والقصر يعج بأسراب الغلمان

وفخامة مولانا السلطان

يستلقي... فوق العرش ينام 

يتجشأ خمرًا معصورة

عُصرت من أعناب الرومان 

والمتحف في ركن القصر الملكي

يتثاءب فيه التاريخ الهجري

والمجد ينام

تستلقي فيه مسانيد السنة 

وبصندوق ملكي مِنْ زَمن الفرسان

تُستودع أوراق... 

من مصحف عثمان

والجند تصيح بأركان الإيوان

يحيا السلطان

 المجد لمولانا السلطان

المشهد الثاني

يتقدم مندوب القصر الملكي

يتهادى فوق السجاد العجمي 

مولاي

قد جئتك أحمل تقريرًا

عن أرض اللؤلؤ والمرجان

فهناك قدود مثل البان

وعيون زرق ذابلة

وشفاه ساحرة

کنسائم نیسان

مولاي

لا تحرمنا

هذي الغزلان البرية

قد ملت أنفسنا

من نسوة هذا القصر المعمور

نشتاق نساء من طعم آخر

تأتينا بالبخور وأغصان الريحان

تتبسم مثل الصبح

تتلوى بين أيادينا

كالنسمة تلعب بالأغصان

وختام حروفي المرتعشة

فليحيا مولاي السلطان

المشهد الثالث

يقف السلطان

ويصيح:

فرمان

تَتَجَلْجَلُ صالات الإيوان

اكتب

يا كاتبنا

طلقنا كل نساء القصر

وسياستنا

أن نجلب من أشهى الغزلان

تأتينا بالحناء مخضبة

ومعطرة بالبخور الملكي

اختم

يا كاتبنا

خَتَمَ الديوان

باسم السلطان الأعرابي

الحاكم في عربستان

حسن البنا والسهام السوداء

وزعموا أن دعوة الإخوان غموض وضبابية فكرية!

بقلم: الدكتور جابر قميحة (*)

يذهب بعضهم إلى أن الجماعة -في دور التأسيس بخاصة- «قد أحاطت فكرها بقدر كبير من العموميات مما جعله يتسم بالغموض» (۱). ويستند أصحاب هذا الرأي إلى بعض مقولات المرشد، مثل:

1- «دعوتنا: إسلامية بكل ما تحتمل الكلمة من معان، فافهم منها ما شئت بعد ذلك، وأنت في فهمك هذا مقيد بكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة السلف من المسلمين الصالحين».

۲- «أيها الإخوان: أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزبًا سياسيًّا، ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد، ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، وصوت داو يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العبء بعد أن تخلى عنه الناس» (۲).

3- «دعوة الإخوان فكرة جامعة تضم كل المعاني الإصلاحية؛ فهي دعوة سلفية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية» (۳).

ویرى هؤلاء أن الجماعة تعمد لوضع إطار فضفاض لفكرها العام يمكنها من التعامل مع السلطة ومع القوى السياسية الأخرى بقدر كبير من حرية الحركة، وبما يجعلها تخضع لقوانين ونظم محددة كسائر القوى السياسية، وفي الوقت نفسه يساعدها في جذب الكثيرين من الأعضاء لها في ظل شعارات عريضة غير محددة المعاني (٤).

ولعل أبرز الأخطاء التي وقع فيها أصحاب هذه الوجهة ربطهم الحاد بين ما سموه به «العموميات» وبين «الغموض»، مع أنه لا تلازم ضروريًّا بين الأمرين، فهذه «العموميات» في مرحلة نشأة الدعوة بخاصة -كانت وما زالت تعني التمثيل الكلي الطبعي لثوابت الدعوة»، والأبعاد الرئيسية لشخصية الجماعة، وبعد ذلك -وهو وضع طبيعي أيضًا- جاء التفصيل على مدى عشرين عامًا، هي عمر الدعوة في حياة الإمام الشهيد.

وأين الغموض فيما ذكره الإمام البنا من أن الإخوان يعتنقون ويعرضون الإسلام بـ«مفهومه الشمولي»؟

ثم نرى الإمام البنا يعرف «هوية» الجماعة تعريفًا مانعًا جامعًا -كما يقول المناطقة- وذلك من ناحيتين سلبية وإيجابية فنفى عنها محدودية الطابع وانحصارية المجال؛ فهي ليست جمعية خيرية، ولا حزبًا سياسيًّا، ولا هيئة موضعية محدودة المقاصد... إلخ، ولو كانت كذلك لما كانت الساحة العربية أو المصرية في حاجة إليها، لوجود الأحزاب والجماعات المحصورة في نطاق هذه المحدودات.

وإيجابًا أثبت الإمام المرشد لها المواصفات التي لم تجتمع لحزب أو جمعية قائمة آنذاك، وهذه المواصفات تمثل الطوابع والأبعاد الحية للإسلام، وهي طوابع سلفية، وروحية ورياضية وثقافية وعلمية وسياسية، وكلها تعكس حقيقة الإسلام بمفهومه الشمولي.

ودأب الإمام الشهيد على تفصيل هذه «العموميات» وشرحها في خطبه وأحاديثه ورسائله وانطلق علماء الإخوان ومفكروهم من تلاميذ حسن البنا فكتبوا عشرات بل مئات من الكتب والدراسات ارتكازًا على هذه الأصول و«العموميات». إن مقولات حسن البنا لا يستعصي فهمها على نصف المتعلم، بل على الرجل الأمي، ولو كانت هذه العموميات غامضة مستعصية على الأفهام ما استطاع الإمام البنا أن يجمع حوله مئات الألوف من الشباب والكهول والشيوخ، منهم نسبة عالية جدًّا من الفلاحين والعمال كانوا يفهمون هذه الكلمات، ويتدارسونها في «الأسر»، وينشرونها بين الناس على نطاق واسع.

وهذه «الشمولية القاعدية»، لم يكن الهدف منها -كما قيل- «الانفلات» من الأنظمة والقوانين؛ فتاريخ الجماعة مع نظم الحكم معروف، ولم تتعرض جماعة للاضطهاد والظلم والقتل والسجن والتشريد -في مصر والشرق العربي-كما تعرضت جماعة الإخوان وذلك باسم «قوانين ونظم»، وضعت على مدى أربعة عهود - وقد ثبت - ابتداءً من عشرينيات هذا القرن - أن القوانين في مجال العمل السياسي والحزبي لا يرتبط تطبيقها بعموميات وخصوصيات في منظومة مبادئ الأحزاب والجماعات، ولكن تطبيقها وإعمالها يرتبط في كل الحالات - بمشيئة الحاكم، وبعضها - كما رأينا في العقد الأخير - يشرع وينفذ بـ«المنهج الترزي» أي «يقص» و«يفصل»، و«يحاك»، على قد معين لا يتعداه، وذلك تبعًا لمشيئة تملك من الإمكانات والآليات ما يمكنها من إخراس أي لسان.. بل قطعه.

ويرتبط بفرية «الغموض» اتهام الإخوان بأنهم «يخوضون الحياة السياسية دون أن يكون لهم برنامج محدد»، وأقول إننا في مصر والشرق العربي لا ينقصنا اللوائح والبرامج والقوانين بقدر ما ينقصنا النوايا الطيبة والعزم الصادق والتنفيذ الأمين، ولعل مثل هذا الحال هو ما دفع المفكر «ألكسيس كاريل» إلى قوله: إن البرنامج قد يخفي التجربة الحية خلف درع صلبة، إنه سيمنع انبثاق غير المتنبأ به، ويحبس المستقبل داخل حدود عقلنا» (٥).

وما أكثر البرامج التي طرحتها الأحزاب المصرية ابتداء من حزب الوفد ومرورًا بأحزاب الثورة: الاتحاد القومي، وهيئة التحرير، والاتحاد الاشتراكي، وحزب مصر، والحزب الوطني، وكانت الحصيلة التي تعود على الوطن ضئيلة.. ضئيلة جدًّا، ولا أريد أن أعرض في هذه الصفحات لمظاهر التخلف والانكسارات التي جرتنا إليها هذه الأحزاب والحكومات التي تمثلها على الرغم من «مثالية» برامجها، وذلك لافتقارها لما ذكرته من النوايا الطيبة وصدق العزم، وأمانة التنفيذ (٦).

ومع ذلك أقول: إذا كان المقصود بالبرنامج هو تحديد هوية الحزب أو التجمع السياسي وخطة عمله: وسائل وأهدافًا، فإن لهذا كله وجوده المسجل في لوائح الإخوان وقانونهم الأساسي وكتبهم، وهي تعد بالمئات بل إنهم -جماعة وأفرادًا -يأخذون أنفسهم عمليًّا وسلوكيًّا بما كتبوا ونظروا، وكان وجودهم الغالب في النقابات المهنية كنقابة المحامين، ونقابة المهندسين ونقابة الأطباء، وما حققوه من كسوب -لا سابقة لها- لأعضاء هذه النقابات.. تطبيقًا عمليًّا لبعض برنامج الجماعة في نطاق هذه القطاعات.

وأصحاب الفقه السياسي عرفوا البرنامج الحزبي «Party Platform»، بأنه بيان علني يصدره حزب من الأحزاب حول خطة الحزب وسياسته وأهدافه، والوسائل التي يتوخى استخدامها لتحقيقها في حال تسلمه زمام الحكم أو إبان تسلمه الحكومة، أو من خلال وجوده في المعارضة وخارج الحكم (۷).

ولكنهم ذكروا كذلك أنه «بالنسبة للأحزاب العقائدية، فإن البرنامج يشكل جزءًا من نضال طويل ثابت الأهداف متغير الشعارات (۸) والمقصود بتغير الشعارات تطوير الوسائل والآليات وما يقبل التطوير من المبادئ دون النيل من الثوابت والأساسيات، وسنرى مصداقية ذلك بالنسبة لرسائل الإمام الشهيد ومؤتمرات الإخوان وطروحاتهم الفكرية، وذلك يؤكد أن اتهام هذا المعروض بالغموض مسألة تتعلق به «المتلقي» لا بالعارض الداعية، ولا بالمعروض الفكري والعقدي في ذاته، وتعليل هذه «الظاهرة»، يتلخص فيما يأتي:

1- سوء النية، والحرص على تشويه منظومة الفكر الإخواني لأسباب ودوافع مصلحية خاصة أو حزبية، أو سلطوية، أو غيرها.

2- سطحية القراءة وضعف الاستيعاب والاكتفاء بقراءة جزئيات مبتورة من سياقاتها، وبناء أحكام عليها تحمل في طياتها نوعًا من إيهام الآخرين بدقتها وحسمها، وعدم قابليتها للمراجعة. 

ومن فضول القول أن أقرر هنا أن الحكم لا يأخذ صورة الحسم العلمي الدقيق إلا بعد قراءة شاملة متعمقة لطروحات المرشد العام ومفكري الجماعة في المجالات السياسية والاجتماعية والعقدية، ومعالجة كل أولئك بفكر مفتوح، ومنهج علمي، بعيدًا عن التحيز والتعصب والأثرة. 

3- التشكيك في قدرة الإسلاميين على الحكم، وتشويه الطروحات الإخوانية وإنكار قدرة الإخوان على تولي الحكم، وقيادة مسيرة الشعب ينسحب -من باب أولى- على الجماعات والحركات الإسلامية الأخرى.

ولم تتوقف مسيرة الأكاذيب

لقد بدأت دعوة الإخوان من سبعين عامًا، ومضى على استشهاد الإمام البنا قرابة نصف قرن، ومع ذلك ما زال المرشد ودعوته هدفًا لسهام الإفك والكذب والاتهامات الباطلة، والذين يتولون كبر هذه الحملات يستغلون ضعف ذاكرة شعبنا الطيب، وبعد العهد بين الشباب المعاصر ودعوة الإخوان في مطالعها، فيبسطون القول والاتهامات كما يشاؤون، وفي الصحف والمجلات القومية متسع رحيب لمثل هذه الاتهامات في شكل مذكرات أو ذكريات أو فصول تاريخية بعيدة كل البعد عن الإنصاف.

ولعل الجديد في هذا المجال نزول رجال السلطة من قادة المباحث وأمن الدولة ميدان التأليف ومن هؤلاء اللواء فؤاد علام -مسؤول أمن الدولة الكبير- الذي كان يتولى أمر الإخوان في المعتقلات، فقد كتب الرجل «مذكراته» في مجلة «روز اليوسف»، ثم جمعها بعد ذلك في كتاب ضخم مطبوع طباعة فاخرة (۹).

والكتاب غاص بالأكاذيب والمفتريات والمخالفات الصارخة لكثير من الحقائق التاريخية، وكثير منها ثابت في وثائق رسمية وأحكام قضائية نهائية.

ويطول بنا المسار لو رحنا نفند تفصيليًّا ما جاء في هذا الكتاب لهشاشته وضعفه الصارخ؛ ثم لأن هذا التفنيد ورد في تضاعيف بحثنا هذا بأماكن متفرقة، ولكن هذا لا يمنعنا من نقض بعض الأكاذيب الصارخة، ونكتفي بنماذج قليلة تبين عن منهج الكتاب وطبيعة مضامينه:

«فالبنا -في نظر فؤاد علام-كان يهوى الزعامة والسلطة، ويسعى إليهما مهما كان الثمن، وعشق العمل السري، واتخذ منه أسلوبًا لتحقيق أهدافه، وكان حلمه الذي لم يتحقق هو أن يصبح خليفة للمسلمين» (۱۰).

وأحمد السكري -كما يقول فؤاد علام- هو المؤسس الحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين في المحمودية سنة ۱۹۲۰م، وحسن البنا ليس المؤسس الحقيقي لها، بل سرقها من السكري (۱۱).

والكلام السابق يقطع بالجهل المطبق أو التجاهل الفادح لحقائق التاريخ، وهو يشهد أن التاريخ المذكور هو تاريخ إنشاء جمعية إصلاحية في المحمودية باسم «الجمعية الحصافية الخيرية».

وانتخب أحمد السكري رئيسًا لها، وحسن البنا سكرتيرًا، وكان أحمد السكري أكبر من حسن البنا بقرابة خمس سنين، وكان السكري تاجرًا مستقرًا بالمحمودية، أما حسن البنا فكان آنذاك طالبًا بمدرسة المعلمين، وكانت هذه الجمعية ذات طابع محلي إصلاحي محصور محدد. 

أما أول جمعية لـــ الإخوان المسلمين، فقد نشأت على يد حسن البنا بمدينة الإسماعيلية في ذي القعدة ١٣٤٧هـ-مارس ۱۹۲۸م، وكان المؤسسون ستة من أهل المدينة، ولم يكن السكري واحدًا من هؤلاء المؤسسين الذين قصدوا حسن البنا وبايعوه (۱۲).

ومن عجب أن ينقض فؤاد علام بعد ذلك ما قاله سابقًا بالحرف الواحد وأسس حسن البنا معهم (العمال)، أول فرع لشعبة الإخوان في مدينة الإسماعيلية سنة ۱۹۲۸م (۱۳).

ولكن دعك من هذا واقرأ معي العبارات التالية من كتاب «علام»، وأقسم لك بأغلظ الأيمان أنني أنقلها حرفيًّا فصدقني وصدق عينيك «والكتاب موجود بلا أخطاء مطبعية»، يقول علام:

الإخوان وحرب فلسطين من الأكاذيب الكبرى التي اخترعها حسن البنا والذين معه نسجوا قصص بطولات تتحدث عن تضحياتهم وشهدائهم والدماء التي أريقت على أرض فلسطين الحبيبة وصوروا للبسطاء أنهم هم الذين خاضوا جميع المعارك على تلك الأرض المقدسة.

لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا، لم يقدموا شهيدًا، ولم يطلقوا رصاصة، ولم يريقوا قطرة دماء واحدة ولم يستطع واحد منهم أن يقدم أي دليل على صدق ما يقول (١٤).

وما ادعاه علام تنقضه شهادات رجال وقادة عرفوا بصدقهم وأمانتهم وجهادهم وسمعتهم الطيبة على مستوى الشعب والدولة والوطن، مثل الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، وأحمد المواوي وفؤاد صادق - قائدي الجيش المصري في فلسطين والسيد طه (الضبع الأسود) قائد الفيلق المصري الذي كان محاصرًا في «الفالوجا»، وكان لمعروف الحضري -أحد ضباط الإخوان- الفضل الأكبر في إمداد الفيلق المحاصر بالأغذية والمؤن، وهذه الشهادات -أو أغلبها-ثابتة في سجلات ووثائق القضاء المصري.

وما ادعاه «علام» ينقضه الصهاينة أنفسهم، ومنهم قادة كبار صرحوا إبان الحرب أنهم يتفادون مواجهة مقاتلي الإخوان لأنهم «يحاربون باستماته وجنون طمعًا في عالم موهوم اسمه الجنة فيه خمر ونساء وأطايب الطعام... » على حد قولهم، فضلاً عما كتبه الأمريكي ريتشارد ب ميشيل في أطروحته الأكاديمية الموثقة عن جهاد الإخوان وبطولاتهم في فلسطين، وهو موضوع تناولته أطروحات جامعية في الجامعات المصرية والعربية.

ومن هذه السهام السوداء تلك التهمة التي وجهها بعضهم إلى الإمام الشهيد في حياته وضخمها بعضهم بعد استشهاده وهي أنه كان دكتاتورًا، يدير الجماعة بسلطان الفرد المطلق وسيكون ذلك موضوع الحلقة القادمة، وهي الأخيرة والخاتمة لهذه الحلقات.

(*) أستاذ الأدب العربي بجامعة الملك فهد بالظهران.

الهوامش:

1- تقرير الحالة الدينية في مصر ١٦٨ (ط3 - 1995م- مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام).

2- السابق نفس الصفحة.

3- السابق ۱۷۰ (وقد أحال الكاتب على مجلة «الإخوان المسلمين»، العدد ٣٠، والصادر في ٢٩ من نوفمبر ١٩٣٤م).

4- تقرير الحالة الدينية ۱۷۰.

5- ألكسيس كاريل «الإنسان ذلك المجهول» ٣٥٩ (تعريب شفيق أسعد فريد -مكتبة المعارف - بيروت- ط3 1980).

6- ومن أغرب متعلقات «البرنامج»، ما أعلنه الرئيس السابق محمد أنور السادات فجأة من قيام حزب جديد هو «الحزب الوطني الديمقراطي»، يرأسه السادات، مع أن «حزب مصر» هو الحزب الحاكم آنذاك كان قائمًا، وبعد دقائق من هذا الإعلان الساداتي انتقل أغلب أعضاء مجلس الشعب من حزب مصر إلى الحزب الجديد: الحزب الوطني الديمقراطي (وهذا ما كان السادات حريصًا عليه). 

7- موسوعة الثقافة عبد الوهاب الكيالي وآخرون 1/526.

8- السابق نفس الصفحة.

وانظر كذلك ٢١٤ - ٢١٦ من المعجم الدستوري أوليفيه دوها ميل-إيف ميني ترجمة منصور القاضي، ط أولى ١٤١٦هـ ١٩٩٦م (المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر – بيروت). 

9- المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، القاهرة ط أولی ١٩٩٦م.

10- علام: السابق ۳۲.

۱۱- علام: السابق ۳۳.

۱۲- حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية ٩٥-96.

۱۳- فؤاد علام مرجعه السابق ٥١.

١٤- علام السابق ٧٧.

الرابط المختصر :