; الأزهر الشريف يطالب بمواجهة البرنامج الإباحي لمؤتمر بكين | مجلة المجتمع

العنوان الأزهر الشريف يطالب بمواجهة البرنامج الإباحي لمؤتمر بكين

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995

مشاهدات 50

نشر في العدد 1164

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 29-أغسطس-1995

برنامج المؤتمر يشكِّل اغتيالًا بشعًا لحقوق الشعوب ووصاية منبوذة على الدول

§ مجمع البحوث يطالب الدول والشعوب بالتحفظ على كل ما يخالف العقائد والشرائع السماوية

§ مؤتمر المرأة ينادي بحق الرجال في إجازة «وضع» مثل المرأة!

أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف بيانًا هامًا، تناول فيه إبداء وجهة النظر الإسلامية في القضايا المطروحة أمام مؤتمر المرأة في بكين في سبتمبر القادم، اتهم البيان مؤتمر بكين بأنه حلقة من سلسلة حلقات متصلة ترمي إلى ابتداع نمط جديد من الحياة يتعارض مع القيم الدينية ويحطم الحواجز الأخلاقية والتقاليد الراسخة، وفيما يلي نص البيان الذي وقعه فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر:

«تعقد الأمم المتحدة في بكين خلال شهر سبتمبر مؤتمرها الدولي الرابع المعني بالمرأة بهدف إتمام الموافقة على برنامج عمل أعد من قبل، لتلزم به الحكومات نفسها، وقد ضيقت في المساحات القابلة للمناقشة بدعوى أنه تم حسم نقاط الخلاف في اللجان التي أعدت هذا البرنامج، وآخرها اللجنة التاسعة والثلاثون التي انعقدت في نيويورك في الفترة من ١٤ من شوال إلى ١٤ من ذي القعدة ١٤١٥هـ - ١٥ مارس إلى ١٤ من إبريل ١٩٩٥م.

ومؤتمر بكين- هذا- يعد حلقة من سلسلة حلقات متصلة، ترمي إلى ابتداع نمط جديد من الحياة يتعارض مع القيم الدينية، ويحطم الحواجز الأخلاقية والتقاليد الراسخة دون التفات إلى أن هذه القيم والحواجز والتقاليد هي التي ضمت شعوبًا ودولًا كثيرة من التردي في هوة الفساد الجنسي والسقوط في حومة الاضطراب النفسي ومستنقع الانحلال الخلقي.

وقد هدف واضعو البرنامج من ورائه إلى تدارك ما فاتهم إقراره في مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية الذي انعقد خلال الفترة من ۲۸ ربيع الأول إلى ٧ ربيع الآخر ١٤١٥هـ /5- 13 سبتمبر ١٩٩٤م ولذلك فإنهم يلحون على القضايا التي خذلهم فيها المجتمع الدولي والتي كانت تدور في شق منها حول مفهوم الأسرة وبنائها وتربية النشء والعلاقات الجنسية والإجهاض.

وقد بلغت الجرأة بواصفي برنامج عمل مؤتمر بكين أنهم لم يكتفوا بترديد قضاياهم الخاسرة، بل تمادوا في غيهم وزادوا من لجاجتهم، موغلين في اللعب بالألفاظ، وفي تحريم الكلم عن معناه إلى المعنى الذي يتطلعون إليه كاستخدام كلمة نوع- «Gende- ra» عشرات المرات بمعان محرفة ترمي إلى إلغاء الفوارق بين الذكورة والأنوثة، وتحويل الإنسان إلى مسخ لا هو بالذكر ولا هو بالأنثى، وذلك مع الإيهام ببراءة القصد وسلامة الهدف.

وفي خضم سعيهم إلى تدمير الأسرة، لم يقنع واضعو البرنامج بالوقوف عند حد التشكيك في اعتبار أنها الوحدة الأساسية للمجتمع، ومطالبة الوالدين بالتغاضي عن النشاط الجنسي للمراهقين عن غير طريق الزواج، واعتبار هذا النشاط أمرًا شخصيًا لا يحق لأي منهما أن يتدخل فيه، ولكنهم نادوا في جرأة فاحشة بأن مفهوم الأسرة بالمعنى الذي يقره الدين ليس إلا مفهومًا عقيمًا، لأنه لا يتقبل العلاقات الجنسية الحرة بين مختلف الأعمار، ويشترط أن تكون بين ذكر وأنثى فقط، وفي داخل الإطار الشرعي، ولأنه لا يمنح الشواذ حقهم في تكوين أسر من بينهم ويتمسك بالأدوار النمطية للأبوة والأمومة والزوجية، معتبرين أنها مجرد أدوار اعتادها الناس فيما درجوا عليه ويجب استبعاد الالتزام بها، حتى يمكن إقامة مجتمع متحرر من القيود والروابط.

بل إن واضعي هذا البرنامج ساروا في غيهم إلى أبعد من ذلك، فطالبوا بالتغيير. الجذري في العلاقة بين الرجل والمرأة وتقسيم الوظائف بينهما بالسوية، بما في ذلك حق الرجال في إجازة «وضع» كالنساء، والمساواة بينهما في الميراث مع تغيير القانون الذي يقف دون ذلك أيًا كان مصدره. ولا ريب أن ما انحرف إليه واضعو البرنامج يناقض تمامًا ما يفرضه الإسلام ويحرص عليه من جعل الأسرة هي مصدر السكينة والمودة والرحمة، وإعدادها لتكون موئلًا حصينًا وخصبًا لتنشئة الأجيال على الإيمان بالله والثقة في حكمه وحكمته، في ظل رعاية والدين تحكمهما قواعد حاسمة، تهذب ما طبعت عليه النفس البشرية من غرائز وترعى ما جبلت عليه من ميول غير مصطنعة أو وليدة ظروف طارئة، مع الحرص على أن تبوأ المرأة مكانها المرموق ويتحمل الرجل عبء القوامة بحكم مسئوليته عن الأسرة وأفرادها ومتطلباتها.

حق المرأة في أن تمارس علاقاتها الجنسية بحرية

إن الإسلام لا يعرف ما يسمى بمشكلة المرأة من إفراز حضارة غريبة عنه، تقوم على الاستغلال والتفرقة ولا تتوافق مع ما يعلنه من خلق الرجل والمرأة من نفس واحدة مع المساواة بينهما في الحقوق والواجبات.

أما في مجال العلاقات الجنسية فإن واضعي البرامج لم يكتفوا بإطلاق الحرية الجنسية بين المراهقين ذكورًا وإناثًا، ولكن نادوا في ابتذال معجوج بما مقتضاه أن يكون من حق المرأة والمراهقة أن تحدد الدور الذي تريد أن تتعامل على أساسه، ذكرًا أو أنثى أو دون ذلك، وأن تمارس علاقتها الجنسية مع من تريد رجلًا كان أو امرأة، وأن على الدول والمؤسسات الحكومية أن تسمح بذلك، فالدعارة ليست خطأ إلا في حالة فرضها على المرأة!

وبذلك يكشف واضعو البرنامج عن تناقضهم الفاضح مع ما جاءت به الأديان السماوية كلها، بما في ذلك الإسلام الذي لا يُقر أية علاقة جنسية بغير طريق الزواج الشرعي بين رجل وامرأة، فهو يحرم الزنا واللواط والسحاق وما يفضي إليها من اختلاط فاجر، ويساوي بين الذكر والأنثى دون خلط بينهما أو افتئات على طبيعة كل منهما.

فرض الوصاية على الشعوب

على أن المتأمل في البرنامج يدرك فيه اغتيالًا أبشع لحقوق الشعوب، ووصاية منبوذة على الدول، وذلك يتمثل بشكل أوضح فيما يراه واضعوه من الحد من اعتبار الدين عائقًا في سبيل المساواة التامة بين الرجل والمرأة أو عقبة في طريق تنفيذ أي شق في برنامجهم المقيت، وفيما يلزمون به الدول من تنظيم برامج تعليمية لحث الشاب على تحمل المسئولية الجنسية وفقًا لمفهومهم- هم- وفيما يفرضونه من تخفيض النفقات العسكرية وتحويل المبالغ التي تنفق على شراء السلاح إلى تنفيذ برنامجهم، وفيما يكلفون به الدول من تقارير إلزامية دورية عن الأسلحة التي يحوزونها سواء أكانت ذرية أو كيماوية أو ميكروبية مع التهديد بقطع المعونات التي تقدمها الدول الغنية وتوجيهها إلى تنفيذ هذا البرنامج، وحث صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والعديد من المؤسسات المالية الأخرى على القيام بدور فعال في هذا الشأن ومنح المنظمات غير الحكومية بما في ذلك المنظمات النسائية وذات الميول الشاذة والمنظمات الدولية، سلطات خطيرة في الرقابة وفي مراجعة ما قد تبديه الدول من تحفظات على البرنامج تمهيدًا لإلغائها أيا كان مصدرها.

ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف أداءً لواجبه قبل المسلمين في مصر وفي العالم الإسلامي ليعلن تمسكه بما فصله في بيانه الذي أصدره بمناسبة مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية ويتحفظ، ويطالب الدول والشعوب بإعلان التحفظ على ما ورد في برنامج بكين مما يخالف الشريعة الإسلامية وسائر الأديان السماوية، أو يتناقض مع القيم الاجتماعية والثقافية الراسخة، لا سيما ما يتعلق بشكل ونظام الأسرة في هذه الأديان وإطلاق الحرية الجنسية على خلاف ما تأمر به أو إباحة الإجهاض إلا في حالة الحفاظ على حياة الأم.

إن مجمع البحوث الإسلامية لينبه من جديد إلى خطورة الدعوة التي ينطوي عليها برنامج عمل بكين. ومناقضته للإسلام ولسائر الأديان السماوية وإلى استهدافه تحطيم القيم الدينية والاجتماعية والخلقية التي عصمت البلاد والعباد من أن تتردى في حضيض الرذيلة، أو تتلوث بالأمراض الجنسية الخطيرة التي برزت في هذا العصر، ويدعو المجتمع إلى الحفاظ على مقتضى خلق الله للإنسان ذكرًا أو أنثى، وإلى الإيمان بأن تحدي الأحكام التي أنزلها الله لتحكم العلاقات الإنسانية بالتحريض على هدم القيم يورث الفساد، وإن إشاعة الفاحشة لا يرجى من ورائها تنمية فكرية أو ثقافية أو اقتصادية أو اجتماعية أو صحية أو غيرها، وإنما وقوع المجتمع الإنساني عامة والإسلامي خاصة في المحظورات التي حرمها الله في القرآن، وفيما جاء في سنة رسول الله ﷺ.

نعم للحفاظ على المجتمع الإنساني

إن مجمع البحوث الإسلامية ليطالب الدول الإسلامية والشعوب التي تبتغى الحياة النقية كما تبتغي الفضل والفضيلة، بأن تستمر على الحفاظ على نقائها في السلوك والأخلاق مع الحرص على كل فضيلة والبعد عن كل رذيلة حفاظًا على المجتمع الإنساني من السقوط في الهاوية التي تؤدي إليها تلك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن تقف بالمرصاد ضد دعاوي التخريب والهدم الذي يسعى إليه واضعو برنامج بكين، وأن يحولوا بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل.

ومن ثم فإن المجمع ليدعو الدول المؤتمرة في بكين إلى ما سبق أن دعا إليه دول مؤتمر القاهرة من تعديل صياغة مشروع البرنامج المعروض في المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة، والمنتظر عقده في بكين خلال الشهر القادم «سبتمبر» وضبط عبارته حتى لا تمتد- ولو في مغزاها- إلى ما يخالف ما أمرت به الشريعة الإسلامية وحرصت عليه سائر الشرائع السماوية الأخرى، وثبت في قيم الأمم الإسلامية على مختلف العصور، ويؤكد المجمع في هذا الشأن أنه يرفض كل ما يخالف الشريعة الإسلامية ويوصي بالتحفظ عليه حتى لا تلزم الأمة الإسلامية بشيء منه.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١).

الرابط المختصر :