; شهيد في أقبية التعذيب | مجلة المجتمع

العنوان شهيد في أقبية التعذيب

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003

مشاهدات 50

نشر في العدد 1578

نشر في الصفحة 36

السبت 22-نوفمبر-2003

 

هل تضع وفاته حدًّا لظاهرة إجرامية متفشية!

في يوم الجمعة ٣١/١٠/٢٠٠٣ اقتاد ضباط أمن الدولة بمحافظة الجيزة في مصر الأخ مسعد سيد محمد قطب (٤٣) سنة إلى مقرهم حيان، وفور وصوله بدأت التحقيقات معه لانتزاع اعترافات منه عن نشاطاته وصلاته وعلاقاته، وبعد ستة أيام وفي اتصال تليفوني علمنا بنبأ وفاته أثناء احتجازه، وتجمهر أهله وإخوانه أمام المشرحة بمستشفى «أم المصريين» لمتابعة الإجراءات وتسلم الجثمان.

 كان الراحل يعمل محاسبًا في النقابة العامة للمهندسين، وهو من أهالي النوبة بجنوب مصر الذين نزحوا من هناك ويقطن بمنطقة في ضواحي مدينة الجيزة.

عندما أصر المحامون على توقيع الكشف الطبي وبدأوا بإبلاغ النائب العام، بعد أن لاحظوا الضغوط الأمنية الهائلة لتسلم الجثمان والإسراع بدفنه، بدأت الحقائق تتكشف شيئًا فشيئًا.

اتضح أن الفقيد وصل إلى المستشفى يوم الاثنين ٣/١١ أي عقب احتجازه بثلاثة أيام وأن أمن الدولة حاول التملص من المسؤولية، ولكن مأمور قسم الشرطة التابع له المستشفى أصر على إثبات الحالة وطلب العرض على النيابة العامة، خاصة أن هناك عدة قضايا يحقق فيها ويحاكم أيضًا، ضباط شرطة عذبوا مواطنين حتى الموت في قضايا مختلفة.

 قامت النيابة بالتحقيق وطلبت توقيع الكشف الطبي الشرعي الذي أثبت في المحضر الذي اطلع عليه المحامون وجود إصابات عديدة بجسد الفقيد يرحمه الله، وأنها يمكن أن تفضي إلى وفاته التي حدثت إما قبل وصوله إلى المستشفى أو عقب ذلك مباشرة، بما يقطع بأنه مات بسبب تعذيبه أثناء احتجازه لدى أمن الدولة.

 تم دفن الجثمان بعد أخذ تعهد على أهله بعدم الإثارة أو التجمهر، ورفض الأمن إقامة سرادق عزاء بمحل إقامته مجبرًا إخوانه وأهله على الانتقال بالعزاء إلى أطراف مدينة القاهرة «بمدينة السلام» الحديثة الإنشاء على بعد أكثر من ساعة، ورغم ذلك حضر سرادق العزاء الآلاف الذين استمعوا إلى الذكر الحكيم وكلمات الرثاء التي ناقشت ظاهرة التعذيب والظلم المتفشي في البلاد وصبت الدعوات على قساة القلوب وغلاظ الأكباد، الذين لم يرعوا حرمة الشهر الفضيل الذي تكبل فيه شياطين الجن، ولم يراعوا كذلك صيام المعتقل.

 حضر العزاء المرشد العام للإخوان المسلمين الذي ألقى كلمة رثاء أوصى فيها الإخوان بتحمل المشاق والصبر على الابتلاءات داعيًا إلى إنهاء ظاهرة الاعتقال والتعذيب إلى غير رجعة.

وتحدث أكثر من متحدث بأن الإخوان يرغبون أن تدخر دماؤهم لملاقاة أعداء الأمة في ساحات القتال ومعارك الجهاد، وأن الأمة عليها أن تتحد صفًّا واحدًا لمواجهة الصعاب بدلًا من التناحر والشقاق.

التعذيب في مصر ظاهرة إجرامية تمارسها أجهزة الشرطة ضد كل من يقع تحت يديها دون تمييز سجلتها محاضر التحقيق، ومضابط المحاكم وتقارير منظمات حقوق الإنسان ومع كل الإدانات الشديدة، ومع كل حكم قضائي يصدر ضد بعض الضباط وإنكار الدولة لمنهجية التعذيب، يتواصل

مسلسل الإهانات والتعذيب والقتل.

 مات تحت التعذيب في مصر كثيرون، أبرزهم في العهد الناصري كثير من الإخوان المسلمين، وشهدي عطية- من الشيوعيين- الذي كانت وفاته إيذانًا بانتهاء المعاملة المهينة لرفاقه فقط، وانقطع التعذيب البشع إلى حد ما أثناء حكم السادات، ثم عاد ليطل من جديد مع اغتياله في حادث المنصة وسجلت المحكمة التاريخية أسماء ٤٤ ضابطًا وصف ضابط مارسوا التعذيب وتمت محاكمتهم، ونظرًا للضغوط الهائلة وأيضًا لشيوع التهمة كانت براءتهم القانونية، بينما سجل التاريخ إدانة عهد كامل ذلك أن وزير الداخلية آنذاك اللواء زكي بدر قرر سفرهم جميعًا إلى الحج على نفقة الوزارة، لا ندري هل ليتطهروا من الجريمة النكراء، أم ليكافؤوا على حماية النظام ولو باستخدام التعذيب البشع ضد المعارضين؟

 وهل هذه الجريمة مما يكفرها السعي والطواف؟ اللهم لا، حتى يسامح المظلومون ويتنازلوا عن حقوقهم.

 التعذيب في مصر جريمة لا تسقط بالتقادم، قرر الدستور حماية من يتعرض لها وهي مع ذلك جريمة مستمرة لا تنقطع، والسبب الرئيس هو استمرار حالة الطوارئ وما تبيحه من إجراءات شاذة وحماية للضباط الذين يستسهلون اللجوء إلى التعذيب، لانتزاع الاعترافات «وهي مهدرة أمام القاضي إذا ثبت التعذيب»، والوصول إلى الحقائق ولو كانت مزورة بديلًا عن بذل الجهد والتعب والعرق في التحريات، وربط المعلومات وتحليلها مما يقتضي الذكاء والمعرفة وحدة الذهن.

 كانت ظاهرة التعذيب قاصرة على حالات فردية ومحدودة وفي محافظات معينة، ويبدو أن وصول الأمر إلى وفاة الأخ مسعد تحت التعذيب لابد سيفتح الملفات على أعلى المستويات، وأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج تضع حدًّا لظاهرة التعذيب لا بالنسبة للإخوان فحسب ولكن لكل المعتقلين وهذا ما نتمناه ونرجوه لحفظ كرامة الإنسان وتحقيقًا لأهم حقوق المواطن في مصر، خاصة وأن الحزب الحاكم رفع شعار «حقوق المواطن»، فكيف ينسجم مع نفسه والحكومة تعذب المواطنين المحتجزين لديها حتى الموت؟

إننا نطمح إلى ما هو أكثر من ذلك إلى إنهاء حالة الطوارئ تمامًا، وهي السبب الرئيس الذي به تبدأ حلقة التعذيب، وهذا مطلب شعبي وسياسي أساسي وإذا تجاهله الحوار الوطني.. فما فائدة هذا الحوار؟

إن استمرار الطوارئ طوال حكم الرئيس مبارك يمثل وصمة في تاريخ مصر، ولا يصح أن تبقى هذه الحالة الاستثنائية التي لا توجد مبررات دستورية لفرضها، والتي لا يستفيد منها إلا أعداء مصر حيث تقتل الحيوية في كافة القطاعات، وتتيح للإدارة والشرطة سلطات استثنائية لا حصر لها تؤدي في النهاية إلى مزيد من الاعتقالات، وفي النهاية تصل الأمور إلى التعذيب والقتل خارج نطاق القانون.

 إن مصر تستحق من حكامها أفضل من ذلك بكثير، وإذا كان الرئيس الأمريكي بوش يعتقد أن مصر يمكنها أن تهدي المنطقة إلى الديمقراطية، فإننا نرى أنها بالفعل كذلك، ولكن ليس وفق المواصفات والشروط الأمريكية ولا لتحقيق الأهداف الصهيونية، مصر يجب أن تضع أقدامها على نقطة البداية وإن كانت بعيدة، فلنضع حدًّا لظاهرة التعذيب وليكن شعارنا «معًا ضد التعذيب»، وليكن مسعد قطب آخر من يعذب حتى الموت في زنازين ومقار مباحث أمن الدولة أو الشرطة أو السجون.

الرابط المختصر :