; الشريعة.. فوبيا | مجلة المجتمع

العنوان الشريعة.. فوبيا

الكاتب عادل القصار

تاريخ النشر السبت 29-نوفمبر-2008

مشاهدات 60

نشر في العدد 1829

نشر في الصفحة 11

السبت 29-نوفمبر-2008

في الوقت الذي يطالب فيه بعض المتحررّين في عالمنا الإسلامي من المتأثرين بالطروحات التغريبية بإقصاء الشريعة الإسلامية، وتحجيم أحكامها في أضيق الحدود لعدم ملاءمتها لظروف العصر -على حد زعمهم-.

 يعلن أستاذ القانون بجامعة «هارفارد» العريقة البروفيسور «نورا فيلدمان» عن توقعه إمكانية أن يقود التيار الشعبي المتزايد، والمطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية إلى قيام خلافةٍ إسلاميةٍ ناجحة،  فيما لو توافرت بعض الاشتراطات.

جاء ذلك في الكتاب الذي أصدره «فيلدمان» تحت عنوان: «سقوط وصعود الخلافة الإسلامية» والذي شدَّد على أهمية أن تقدم الدولة الإسلامية الحديثة نموذجًا للعدالة القضائية، والسياسية لمسلمي العصر الحديث، وأنَّ هذا يتطلب إنشاء مؤسساتٍ جديدةً تستعيد التوازن الدستوري بين القُوى والسلطات».

ويتساءل «فيلدمان»: لماذا يطالب الناس اليوم بعودة الشريعة الإسلامية، في حين أن أجدادهم في العصر الحديث نبذوها، ووصفوها بأنَّها رجعيةٌ، «أو ظلامية كما يحلو لكثير من علمانيي هذا الزمان»؟

ويقول: إنَّ سبب هذا التيار يرجع إلى أنَّ الحكام الحاليين فشلوا أمام شعوبهم، وأمام الغرب في ترجمة قيم العدالة الإسلامية.

كما أن الإسلاميين -من وجهة نظر الكاتب- إذا ما وصلوا إلى الحكم لم يتمكنوا من خلق مؤسساتٍ تُوازن بين القوى، واستعادة حكم القانون، وهذ ما سيجعل الجميع بما فيه الغرب، يمرُّ بفترةٍ عصيبةٍ.

مؤشراتٌ إيجابية عديدة عكستها وجهة نظر البروفيسور الأمريكي «فيلدمان» كأستاذٍ في جامعة «هارفارد»، وبسبب نظرته التفاؤلية للشريعة الإسلامية، لاقى كتابه هجومًا عنيفًا وشرسًا من قبل اللوبي الصهيوني ومفكريه، بحجَّة أنَّه يروِّج للفكر الإسلامي، ويعطي غطاءً فلسفيًا للإرهاب، والتطرف الإسلامي.

 هذه الهجمة الإعلامية على من يتعاطف مع الشريعة الإسلامية أشبه بموقف الرئيس الأمريكي «بوش»: «من لم يكن معنا فهو مع الإرهاب».

لذا، اعتبرتْ الدوائر الصهيونية تمجيد الكاتب الأمريكي «فيلدمان» للشريعة الإسلامية يعد بمثابة التعاون مع أعداء أمريكا، وأنَّ التعاطف مع الشريعة يعني التعاطف مع الإسلاميين الفاشيين»... ذلك المصطلح الذي لم يتردد الرئيس الأمريكي «بوش» بإطلاقه على الإسلاميين تعبيرًا عن توجهاته اليمينية الأصولية.

ويتوقع الكاتب «فيلدمان» للأنماط الإسلامية التي تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية مثل «جماعة الإخوان المسلمين» أنَّها ستكون مختلفةً عن الأنماط الأخرى من الإسلاميين، لكون هذه الجماعة تحترم النظام الديمقراطي، في حين أنَّ كثيرًا من القوى الغربية تعتبر الشريعة التي يطالب بها الإسلاميون مصدر خطر يهدد الديمقراطية.

وكنّا نتمنى من الكاتب الأمريكي «فيلدمان» في هذه الجزئية المتعلقة بالممارسات الديمقراطية أن يكشف اللثام عن تناقض الموقف الغربي، وازدواجية المعايير التي يتعامل بها مع العالم الإسلامي عندما يحتكم إلى صناديق الانتخاب الحر.

لماذا أجهضت نتائج الديمقراطية عندما فاز بها الإسلاميون في الجزائر، وتنكَّر لها الغرب، بل وحاربها حتى تحولت شوارع الجزائر إلى صراعٍ دام؟

من المؤسف أنَّ كلمة «شريعة» أصبحتْ اليوم تعادل كلمة «الجهاد» في تأثيرها السلبي على أذهان الغربيين، بل أصبحتْ مادةً يستخدمها أعداء الإسلام «كفزاعة» لترهيب العالم من الإسلام، وتشويه صورته، وطمس هويته السمحة.

وقد ساهم -وللأسف الشديد- في ترويج قدرٍ مما يسمى بـ «الشريعة... فوبيا» الكثير من مثقفي ومفكري العالم العربي ممن يحملون التوجهات التغريبية، حينما وصفوا تطبيق أحكام الشريعة في هذا الزمان بأنّها عودةٌ للوراء، وردَّةٌ لا تتلاءم مع التطور الحديث، في تنفيذ أحكام قطع يد السارق، وجلد الزاني، حتى أصبح من أبناء المسلمين من لا يكاد يطيق كلمة تحكيم الشريعة الإسلامية.

في حين كشفت الأزمة المالية التي يمرُّ بها العالم اهتمامًا كبيرًا للمؤسسات المصرفية التي تعمل وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، الأمر الذي دفع رئيس تحرير صحيفة «لوجورنال دفينانس» الكاتب «رولان لاسكين» لأن يكتب مقالًا في صحيفةٍ بعنوان: «هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟».

مثل هؤلاء الغربيين يتساءلون عن تأهيل مؤسساتهم المالية وفقًا للشريعة الإسلامية.. بينما بعض المسلمين لا يزالون -وللأسف الشديد- محتاجٌ لمن يؤهله لفهم مبادئ وغايات شريعتهم الإسلامية التي أصبحتْ مثار اهتمام ودراسة الغربيين، في الوقت الذي تعلن فيه أكبر شركة تأمين في العالم «المجموعة الأمريكية» AIG تأسيس شركة تأمين إسلامية، تعمل وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، فضلًا عن العديد من المؤسسات المالية الأجنبية الأخرى التي بدأتْ تنظر للنظام المصرفي الإسلامي نظرة تقديرٍ، وإعجاب.

ومثلما نجح ترويج هذا النظام المصرفي المطبِّق لأحكام الشريعة الإسلامية على المستوى المالي. هل ينجح علماء وفقهاء الشريعة الإسلامية في ترويج النظام القيمي والأخلاقي والسلوكي -على المستوى الروحي- حتى يمكن استبدال، وطمْس مصطلح «الشريعة.. فوبيا»؟

الرابط المختصر :